قيم ومبادئ

ليتهم فعلاً كذلك!

الأخوَّة في الإسلام لها تبعات في الدنيا والآخرة، ولها ضوابط وأركان وواجبات ومستحبات، كما أنَّ لها محرمات، فالمسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، وبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه.
أمّا واجبات الأخوة أولها وأولاها نصرته ظالماً أو مظلوماً ونصره ظالماً، ليس بالحزبية والفزعة الجاهلية!
وإنما بالأخذ على يديه وكَفِّهِ عن الظلم، وهذا هو الهدي النبوي الشريف بخلاف الهدي الحزبي المنحرف وتعليل الأمر بهيبة التنظيم واستمراره وتماسكه لمصالح زعمائه!
وأمّا حق المسلم على المسلم إذا لَقيه سَلّمَ عليه، وإذا دعاه أجابه، وإذا مرض عاده، وإذا مات تبع جنازته، وإذا استنصحه نصحه، وأمّا مستحبات الأخوَّة في الإسلام الإيثار، حيث ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة على الإيثار في المجتمع المسلم، ونحن اليوم ضربنا أسوأ الأمثلة على الأثرة والاستئثار بالمناصب لمن يؤيد الحزب!
ومن هنا نعرف الفرق بين أخوّة حزبية وأخوّة إيمانية وخاصّة إذا عرفنا ثواب مَن قدّم حق أخيه على حق نفسه، وإن كان هو في أمس الحاجة، لذلك قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
فهؤلاء حقاً هم المفلحون الذين استحقّوا أن يجلسوا على منابر من نور عن يمين الرحمن يوم القيامة، وهذه الأخوة الفعلية في هذه الحياة الدنيا لها شروط أولها: أن تكون محبتهم لله خالصة من الأغراض الدنيوية، والثانية: قلوبهم مجتمعة على تعظيم الله وحده، والثالثة: لا يحبون إلا ما يحبه الله ولا يكرهون إلا ما يكرهه الله.
فهؤلاء وكرامته لهم من الله يجلسون على منابر من نور يوم القيامة، ولما يراهم النبيون والشهداء يستحسنون طريقهم وأفعالهم في الدنيا وثوابهم في الآخرة.
والغريب في مجتمعنا اليوم أن هناك مَن فهم أنَّ المخالف إذا جَرحه العلماء في ما رَأوه مُستحقَّاً للجرح بسببه، أنَّه يلزم مقاطعته وهجره والبراءة منه، بحجة أنَّه مجروح بمعصية أو بدعة، ولم يبقَ له حق الولاء، ورتّبوا على ذلك وجوب التشهير به، واعتبروا ذلك من صميم علم الجرح والتعديل!
ولكن هذا المنحى تكتنفه محاذير وملاحظة جديرة بالتنبيه عليها ومنها المقاطعة النهائية والبراءة الخالصة، والحرب المستمرة بين أحزاب الإسلام السياسي، لا تكون في حق المسلم الذي حقق إسلامه، وإنّما تكون في حق الكافر الحربي، وأنّ هذا المسلم الواقع في المخالفة إن وقعت منه حقيقة لا اتهاماً، لا تُهدر حقوقه ولا مكانته مادام مسلماً، فإنَّ له نصيباً من الولاء، وإن كان مخالفاً للصراط المستقيم فإنَّ له نصيباً من الزجر أو إقامة الحدّ عليه إذا اقترن ذنباً يستوجب حدّاً، أو تعزيراً إذا لم يكن ثمّة حدّ، ومع ذلك لا يُهدر دمُه ولا ماله ولا عرضه باستمرار كما فعله بعض طلبة العلم اليوم!
وقد يجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشرٌّ، وفجور وطاعة ومعصية، وسُنّة وبدعة، استحقّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير، تُقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.

الخُلاصة :
وفي الحديث القدسي يقول الله جلّ وعلا: أين المتحابون في جلالي، اليوم أظلّهم في ظلّي يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلّي.
هذه فعلاً الأخوّة.