قيم ومبادئ

أموال الدولة المسلمة!

أموال الدولة وأملاكها وثرواتها لها حُرمة بمعنى أنها مُحرّمة وهي حدود، يجب المحافظة عليها ويحرم التعدي عليها، والأدلة على ذلك كثيرة، وليس هذا محلها ولكن المؤسف له حقاً تساهل الكثير في هذه الحرمة وانتهاكها بعدة مسوغات وتأويلات ولكن مؤداها واحد، وهو اللامبالاة وتسفيه العواقب ونبذ القانون والجرأة على اقتحام المخالفات وإذا كان هذا من أحزاب الإسلام السياسي زاد الطين بلّه، وهذا يؤدي إلى فقد الثقه بهم وهو من شؤم المعاصي واللّوت السياسي وفي الحديث الشريف (المؤمن مَن أمِنه المسلمون على دمائهم وأموالهم والمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده).
وقال في الديون والقروض: (مَن أخذ أموال الناس يُريد أداءها أدّى الله عنه، ومَن أخذها يُريد إتلافها أتلفه الله). وهذا ما نعيشه اليوم إتلاف العمل السياسي بكل أطيافه!
واليوم أصبح التعدّي على المال العام شطارة وكياسة وصاحبها - عرف يلعبها صح - وهذا من المؤاخذات التي يعاقب عليها الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ستكون أثرة وأمور تنكرونها)، والأثرة يعني الاستئثار علينا في المال والمساكن والمرافق وأملاك الدولة والمناقصات والتخصيص للحيازات الزراعية وغيرها.
كما قرر الفقهاء قاعدة مهمة في صرف المال العام فقالوا: (ليس لولاة الأمور أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه، فإنّما هم أُمناء ونواب ووكلاء ليسوا مُلّاكاً كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنِّي والله لا أعطي أحداً ولا أمنع أحداً وإنّما أنا قاسم أضع حيثُ أُمرت) البخاري.
والأموال في الدولة على قسمين... الأول: تُقسم بأمر الله تعالى مثل مصارف الزكاة، والثاني: تُوكل إلى اجتهاد الإمام فيما يراه يُحقق المصالح العُليا ويكفل الاستقرار وكرامة العيش.
وينبغي أن يُعرف أنَّ أولي الأمر كالسوق ما نُفِق فيه جُلِبَ إليه، هكذا قال عمرُ بن عبدالعزيز رضي الله عنه: فإن نُفِق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة، جُلب إليه ذلك، وإن نُفِقَ فيه الكذب والفجور والخيانة جُلِبَ إليه ذلك.
ولقد حدّد الدستور بمواده كافّة الشؤون المالية للدولة، ورسم معالمها وقواعدها، وربطها بالقانون، فقد قرر بأنَّ رأس المال والثروة الوطنية لها وظيفة اجتماعية يُنظمها القانون وليس مصلحة الأشخاص!
لأنّها تُساهم في استقرار المجتمع وتحقّق تطلّعاته، كما أنَّ الأموال العامة لها حرمة وحمايتها واجب على الجميع، والملكية الخاصة مصونة والمصادرة العامة للأموال محظورة، والاقتصاد الوطني أساسه العدالة الاجتماعية وقوامه التعاون بين القطاعين العام والخاص.
والثروات الطبيعية ملك للدولة تقوم على حفظها وحسن استغلالها، والعلاقة بين العمال وأصحاب العمل يُنظمها القانون مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية، وكلّ ما سبق يُعتبر ثوابت وقواعد رسّخها الدستور، لكنّها طاشت وتبعثرت بطوفان المصالح اليوم التي تمّ إعادة هيكلتها بعد «كورونا» لكي تصعب مواجهتها وكشفها رغم كَثرة الأنظمة الرقابية!
ومن القيم المالية الدستورية التي تمّ انتهاكها:
تكفل الدولة تضامن المجتمع في تَحمّل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمِحن العامة مثل «كورونا» وتَداعياتها، وتكفل الدولة تعويض المصابين بأضرار الحرب أو بسبب تأدية واجباتهم الوطنية أو العسكرية كما نصّت المادة 26 من الدستور.
وقد تجسّدتِ الروح الوطنية في الصفوف الأولى في مواجهة «كورونا» حيث الوظائف العامة التي أُنيطت بالمُختصّين مثل الأطباء ورجال الأمن والطيّارين والمِهن المُساعدة لهم، ومؤسف حقاً أن نسمع عن أنواع التحايل من أجل التسجيل في أسماء الصفوف الأولى والواحد منهم لم يتجاوز عتبة بابه!
وهؤلاء داخلون في قوله تعالى: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ».