رواق

تذكرون «كورونا»؟

قبل سنوات أصاب العالَم وباءٌ أجبرَ الناس على ملازمة البيوت لشهور، وعدم الخروج منها إلا للضرورة القصوى، طبعاً هذه الضرورة كانت تتمثّل أحياناً في تحسين الحالة النفسية لمجرد رؤية الشارع والناس.
قبل «كورونا»، كنت أخطّط لسنوات على تخصيص يوم في الأسبوع للجلوس في البيت، ورغم أن الهدف المستهدف يوم واحد فقط لا غير، لم تر تلك الخطة حيز التنفيذ إلا بالإجبار، بقوة القانون، بهلع الوباء!
بعد «كورونا»، أصبح التخطيط للخروج من البيت لا يرى حيز التنفيذ، فهو حاله حال الجلوس في البيت قبل «كورونا»: خطة مؤجلة وفي الواقع ملغاة!
كل الأشياء التي قلت إنه لا وقت لديّ لفعلها فعلتها، كل الأشياء التي كنت أجهلها تعلمتها، كنت دائماً أقول: ما عندي وقت من دون أن أعرف أين يهدر وقتي، «صار ما عندي وقت» فعلاً، لكني أعرف تماماً كيف أستثمر وقتي وفلوسي أيضاً.
بفضل «كورونا» استغنيتُ عن هَوس الشراء الاستهلاكي من دون ضرورة أو حاجة، أعرفُ أنّ غيري أصابته هذه الحالة ضمن مستجدات الجائحة المستجدة، ولكن قد تكون حالة طارئة من تبعات الصدمة، وقد لا تكون أو لعلّها إحدى سمات شخصيته غير القابلة للتغيير لعدم رغبته في تغييرها، المهم أنني توقفتُ عن الشراء الاستهلاكي وصرتُ أستهلك كل الذي اشتريته ونسيته، تعلّمت الجرد والتخلّص من الفائض، سواء كانت أشياء أم أشخاصاً قبل أن يتحولوا إلى معوقات للحياة التي أعادها لنا «كورونا» حين ظننا أنه سلبها منّا.
تعلّمنا أن نغتني بالاستغناء، أن نتخلّى قبل أن يتمّ التخلي هنا بكل الصور حتى الأشياء التي نشتريها تذهب لمشتر جديد، ولا تنتظر أن ندخر لأجلها، ثم اكتشفنا أنها لا تستحق ادخارنا، فكلُّ ما في أدراجنا فانٍ، اعتدنا فك الارتباط وعدم التعلّق بكل شيء.
تخلّصنا من المجاملات، والزيارات الثقيلة، والاستقبالات الأثقل، وودعنا الكذب لخلق الأعذار، فعذرنا «كورونا».
صرنا نستيقظ على صوت الطيور، ننام من دون صوت إزعاج السيارات، نمشي أكثر، نصلي أكثر، نقرأ أكثر نشاهد التلفاز أكثر ونثرثر أقل، وحين عدنا لما كنا عليه قبل «كورونا» رجعنا إلى السهر على أصوات الموتورات التي أخرست الطيور، تلك التي طارت بأرزاقها، مثلما طارت أرزاقنا إسرافاً في تعويض ما فاتنا، بعضنا انفجر ثرثرة وبعضنا فرّ من بيته، بل إنه هجرَ حتى صلاته، لكن كثيرين وزنوا حياتهم وتقمّصوا نمطاً جديداً بين الحياة قبل «كورونا» وأثناءه وبعده.
هل قلت بعد «كورونا»؟
في تلك الأيام سنذكر «كورونا» بخير، ونحن نردّد الله لا يعوده، فهي أيام تنذكر «ما بتنعاد».