قيم ومبادئ

التجانس الحكومي والمجلس!

التجانس يعني تماثُلاً بين كلمتَيْن في الإملاء وفي اللفظ مع اختلاف المعنى، والتجانس الحكومي طموح قديم حرص عليه الدستور، لكنه اليوم باتَ أكثر إلحاحاً خصوصاً بعد تجربة كورونا وفقدان الأرواح وكثرة الإصابات، وتنوع الخسائر الاقتصادية، ونقص السيولة والاقتراض الحكومي، إلى جانب نمو الوعي السياسي وقوة الرأي العام الذي كشف عمّا انطوت عليه النفوس من تَذمّر لأي إخفاق حكومي أو من المجلس، ولا وسيلة دستورية لمعالجته مع تراكم ما تكتم الصدور في الغالبية الصامتة ولا متنفس لها بالطرق الصحيحة، سوى ما يعتلج بين رواد الدواوين وكنتيجة لذلك انتشرت الحسابات المشبوهة التي تكشف الأسرار والمخالفات وكثُرتْ الإحالات للنيابة وخاصة في ظل إخفاق المجلس الحالي رغم تمثيله الغالبية وتوالت الاستجوابات للترقيع ؟ وإذا استمر عدم التجانس فسيستغل الطابور الخامس هذه الظروف، فتكون القلاقل ويكون الاضطراب في حياة الدولة والذوق العام وهذا ما حرص دستور الكويت على تجنبه وتجنيب الكويت أسبابه.
وهذا ما يضاعف مسؤولية الشيخ صباح الخالد في رئاسة الوزراء، وذلك أنّه مسؤول بالتضامن معهم أمام الأمير عن السياسة العامة للدولة، والتي تتمحور بما يلي:
1 - التوجيه العام للحكم.
2 - التنسيق بين الوزارات واتجاهاتها.
3 - الرقابة الذاتية والمباشرة من الرئيس على أداء كل وزير.
وهذه المهام من شأنها تحقيق التجانس إذا طُبِّقت بموضوعية وتجرّد، ويجب أن تكون واضحة أمام المجلس ولا مانع من تلاوتها بصورة دورية كلّما تطلب الأمر، لمتابعة الإنجاز ولتوضيح مهام رئيس الوزراء، التي طالما كانت مثار جدل سياسي ودستوري قد يؤدي إلى شطب أي استجواب قادم!
لقد عاش المجتمع الكويتي قبل النفط بنسيج اجتماعي متلاحم مع الأسرة الحاكمة قرابة 300 عام تقريباً، ويمكن الوصول إلى غاية تحقيق التجانس الحكومي اليوم بصورة مُقاربة لما قبل النفط، إذا أزلنا المعوقات التي تعوق الطريق إليه مثل:
- المصالح الخاصة والشح المُطاع والهوى المُتّبع.
- الانتماء الحزبي والاختلاف المؤدي إلى تصدّع الصف.
- تصيّد الأخطاء لإشاعتها داخل وخارج الكويت.
فإذا تمكّنا يوماً ما من إزالة هذا اللوث السياسي المتعارض مع المصلحة الوطنية العُليا، يمكننا تحقيق هدف التجانس ومن ثم العمل فالإنجاز، ولكن هذا الهدف النبيل يبدو بعيداً اليوم لمتلازمة الديموقراطية فحيثما حلّت في مجتمع، نجد طغيان المصالح الخاصة والصراع الطبقي - كما هو الصراع بين الأحزاب في أوروبا وأميركا - وحيثما حلّت في مجتمع أوجدت فيه الاصطفاف القبلي والطائفي - كما في اليمن والعراق وليببا والصومال - وحيثما حلّت في مجتمع شاعَ فيه تَصيّد الأخطاء والفضائح المالية أو الأخلاقية - كما هو الحال في لبنان والسودان وباكستان وماليزيا وأندونيسيا - والسؤال الآن:
هل يملك رئيس الوزراء كلّ هذه الملفات وهو فرد وحيد وسط هذه الأمواج المتلاطمة ؟
الجواب: بعد الاستعانة بالله والتخلي عن الحَول والطول والقوة، نعم وذلك لوجود مقومات النجاح اللازمة للتجانس الحكومي وأولها القسم وهو بداية العمل الوزاري والنيابي.
- وضوح القوانين وصرامتها في مكافحة الفساد وليس أمامنا إلّا التنفيذ.
- الوقوف بالحياد بين التيارات المتصارعة أو أجنحة الأُسرة، من حيث المسافة مع وجوب الحكم بالعدل رَضيَ مَنْ رَضي وسخط مَنْ سخط.
- مُلاءمة خطط وزارة التخطيط مع سياسة الترشيد وإيقاف الهدر.
- الموازنة بين الأولويات وخاصة مع تزاحمها وضيق الوقت مع قلة الكوادر والموارد، وهذا يتطلّب رأي الخبراء كلٌّ في مجاله، ولكي لا يطغى السياسي على الفني والمهني.
- عدم المساس بالعملية التربوية والتعليمية فمناهجها - ولله الحمد - تضارع مثيلاتها في أوروبا، ومن الخطأ تغيير المناهج تبعاً لتقلّبات المصالح السياسية أو النظام العالمي، لأننا إذا فتحنا هذا الباب فإنَّه لن يُغلق، ولا يمكن رهن تربية الأجيال لموجات التغريب العالمية المُستهدِفة للأمن الوطني والروح الوطنية.

الخُلاصة:
في النهاية التجانس الحكومي لا اعتقد أنَّ هناك مَنْ يُعارضه، ولكن قبل كلِّ شيء الملاءمة السياسية تُعبّر عن واقع المرحلة مع تخيّر أقدر الأصول النظرية في الإدارة السياسية، لالتزام الحد الأدنى والضروري لمقتضيات عالم ما بعد «كورونا».