كلمات من القلب

عقدة النقص... والتزوير

كثير منا من ينصدم بحقيقة الناس عندما يقترب منهم أكثر، أو عندما تكشفهم المواقف، تماماً كأن يكون شخص واقف أمامك بهيئته الجميلة وبلباس غالي الأثمان، ولكن ولسوء حظه تعرض لموقف طارئ وانكشف أن هناك ملابس مشققة ومتبهدلة تحت هذه الملابس الخارجية، التي تحمل علامات وماركات عالمية، ولأن الحياة والمظاهر تتطلب أن يكون لباسه ومظهره الخارجي واجهته وأسباب قبول واحترام الناس له، ويعتقد أنه عندما يلبس الماركات سيقال عنه ابن كبرى العائلات، لذلك هو اهتم بالمظهر الخارجي على حساب مظهره الداخلي.
في الحقيقة هؤلاء الأشخاص فارغون من الداخل، والبعض منهم يعاني من شعور النقص ولديه عقدة الكرسي والمنصب، وكيفية الوصول إليهما بأقصر الطرق والمحافظة عليهما أطول فترة زمنية ممكنة، والبعض حياتهم عقد وتناقضات ونقص. ولكي يغطوا عقدة النقص الاجتماعي يقومون بلبس الماركات، وتتولد لديهم عقدة شراء الماركات العالمية، حتى لو اقترضوا من البنك، المهم أن يمتلك الواحد منهم الساعة الفلانية أو يشتري الحقيبة الفلانية أو السيارة العالمية، ومنهم من يبيع بيته (منزله) لشراء واجهة اجتماعية تظهره أمام الناس بأنه ابن عائلات.
فعقدة النقص لديهم لا تتوقف عند شراء الماركات، بل تعدتها إلى شراء الشهادات وتزوير الألقاب تحت مسميات المستشار وسفير النوايا والسلام والمدرب المعتمد والدكتور. وازدادت الحالة لدى بعض الأشخاص إلى عقدة جديدة تسمى (الألف واللام) هي أن يستبدل آخر اللقب في العائلة من الألف واللام (أل) بالألف واللام (آل) آل فلان. والمصيبة الكبرى لدى المعقدين من أسماء عوائلهم هو الانتساب إلى عوائل كبيرة معروفة في مجتمعاتهم، وذلك بوضع لقب العائلة بعد الاسم الرابع من الجد، وذلك لأن الجد الرابع اسمه يشبه اسم إحدى العوائل الكبيرة، فيقوم بوضع الألف واللام عند اسم الجد، وبقية اسماء الأجداد من العائلة سقط سهوا.
إن حياة هؤلاء تمثيل في تمثيل كم هي صعبة حياة الممثلين، يعيشون في شخصية غير شخصيتهم ويمثلون أدواراً في الحياة أعلى من مستواهم، ويمثلون في حياتهم أصعب من ممثلي السينما والمسرح، الذين ينتهي تمثيلهم بانتهاء المشهد ويعودون إلى حياتهم الطبيعية، ولكن ممثل الحياة يعيش في هذه الشخصية طوال حياته، لا ينتهي منها سوى عندما يكون وحيداً وبينه وبين نفسه يعلم أنه كاذب ومزيف ومخادع.
كم هي حياة متعبة ومتناقضة... وأنا عن نفسي أشفق عليهم من التمثيل والتزييف، وللأسف في هذا الوقت هم من يصلون إلى أعلى المراكز والمناصب وبعضهم شخصيات كبيرة ومؤثرة في المجتمع ويشار إليهم بالبنان، ولكن عندما تخالطهم في الواقع وتناقشهم أو تواجههم كاميرا الإعلام ينكشفون، ولأنه صاحب منصب، فالكل يقول له أنت صح!
نحن من ساهمنا في تفشي ظاهرة التزييف، سواء في الألقاب أو العوائل أو الشهادات، لأننا ننظر إلى لبسهم قبل عقولهم، فهؤلاء المزيفون والمزورون لديهم قاعدة تقول: (كلما زادت شهاداتك المزورة وكثرت ماركاتك ارتفع مكانك، وكلما زاد علمك وعقلك وتعبت على نفسك بقيت كما أنت في مكانك)، وأنا اقول لهم: كلما زاد علمك واحترامك لنفسك ارتقت أخلاقك، وكلما ارتقت أخلاقك زاد احترام الناس لك.

NAJAT-164@HOTMAIL.COM