قيم ومبادئ

القضاء والتنفيذ

تصغير
تكبير

اختلف القضاء في يومنا هذا عما كان في العصور الأولى، وتشعبت مسائله وكثرت متعلقاته تبعاً لاختلاف الزمان وأحوال الناس، ولقد اعتنى الفقهاء بأدب القضاء فضبطوا مسائله وحرروا مباحثه وأحكموا أصوله وفروعه، كما اعتنوا عناية خاصة بالقاضي وضبطوا أقواله وأفعاله سواء في مجالس الحكم أم في خارجها وبينوا سمته وهديه والواجب عليه والمستحب والآكد بحقه، كل ذلك حماية لهذا المنصب وصيانة له مما يشوبه وقد اعتبر بعض أهل العلم أن حرمة القضاء من حرمة الله تعالى، لأنه الحاكم بأمر الله تعالى، بما أدى إليه اجتهاده سواء كان في القضاء الشرعي أو في المعاملات، ويُعد القضاء من أرفع المناصب شأناً وأخطرها، فالقاضي ينوب عن الله جل جلاله ويخلف رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا سبب تحذير وتنبيه الرسول الكريم إلى خطورة هذا المنصب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار».
ولهذا قال الفقهاء إنه لا يولى القضاء من يطلبه أو يحرص عليه وعليه وضعوا شروطاً له.
شروط تولية القضاء:
الإسلام - خصوصاً في عهوده الأولى - لا يولى القضاء إلا من توافر فيه الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعلم بالكتاب والسنة ومعرفة ما يقضى به والعدالة.

صفات القاضي:
أن يكون قوياً من غير شدّة، وهيناً من غير ضعف، ولا يهاب الصاحب والسلطان، وحليماً من غير مهانة، وذا أناة وروية في غير مماطلة ولا إهمال، وفطنا ذا بصيرة.
كما يجب على القاضي عدم الحكم في حال الغضب، أو في حال تأثره بمرض أو تعب أو غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان». وعلى القاضي ألا يحكم لنفسه، أو لمن لا تقبل شهادته لهم، كالولد، والوالد، والزوجة، وليس له أن يحكم في أي حال دون شهود.
ولا يجوز للقاضي أن يقبل رشوة أو هدية على حكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم». وقال صلى الله عليه وسلم: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول».

الفرق بين الفتوى والقضاء
فرّق علماء الأصول بين أقوال وأفعال وتقريرات الرسول صلى الله عليه وسلم وأمعنوا النظر فيها وفرقوا بين أقواله التي تأخذُ حكم القضاء، وأقواله التي هي من قبيل الإفتاء، فقالوا القضاء هو الحكم في خصومة ما وهو خاص بها ولا يتعدى إلى غيرها من شبيهاتها إلا بحكم يصدر في شأنها والحكم في واقعة ما ليس تشريعاً عاماً، ولا يلزم الأمة العمل به وقد فصل ذلك العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى.
أما الفتوى فقالوا هي: تشريع عام يشمل جواب السؤال وغيره، مما تتوفر فيه نفس الظروف والدواعي فيأخذ نفس الحكم.
واعتبروا الفتوى تشريعاً عاماً يلزم الأمة كلها الأخذ به ولذا حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كثرة السؤال خشية أن يشرع شيء يشق على الأمة.

الخلاصة:
منصب القضاء يعكس هيبة الدولة، وتنفيذ الأحكام جزء لا يتجزأ من الحكم فإذا فَصَل القضاء وتراخى الناس في التنفيذ، أدى هذا إلى إضعاف هيبة الدولة، وبالتالي استمراء المخالفات والتهاون بالأنظمة وتضييع الحقوق، فيختل توازن المجتمع وتضعف القيم والثوابت.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي