قيم ومبادئ

التواضع والعمل السياسي

تصغير
تكبير

العمل السياسي له نشوة ولذة يصعب التخلص منها بعد مفارقتها، كيف لا وأبواب الشهرة تتفتح لك على مصراعيها وتتجمل لك الدنيا، وتجد من يستقبلك ويرحب بك أينما ذهبت لقضاء حوائجك وحوائج غيرك، إذا كنت عضواً في البرلمان، لكن هذه الشهرة لها ضريبة وآثار سلبية على تكوين شخصية الإنسان، بحيث يرى نفسه فوق الآخرين ولا يستمع للنصح إلا شزراً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد ولا يبغي أحد على أحد»، وقال صلى الله عليه وسلم في الترغيب في التواضع: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم» فقال له أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة». وقال صلى الله عليه وسلم: «لو دعيت إلى كراع شاة أو ذراع لأجبت». هكذا تكون أخلاق كرام النفوس لا تهمهم المظاهر ولا الرسوم بل يستمرون على فطرتهم وسجيتهم.
وسنة الله جل جلاله جارية في رفع المتواضعين له، ووضع المتكبرين، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق على الله ألا يرتفع شيء في الدنيا إلا وضعه». والمسلم عندما يصغي بأذنه وقلبه إلى مثل هذه الأخبار الصادقة من كلام الله جل جلاله «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».


وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في الثناء على المتواضعين مرة، وفي ذم المتكبرين مرة أخرى. كيف لا يتواضع ولا يكون التواضع خلقاً له، وكيف لا يتجنب الكبر ولا يمقت المتكبرين؟
وقد رأينا كما رأى غيرنا من الناس الخروج غير المشرف من المسرح السياسي، لكثير من الزعماء السياسيين وقادة الطوائف والأحزاب شرقاً وغرباً، لفضائح مالية أو أخلاقية أو قانونية، وما ذاك إلا بسبب ما ذكرنا من تطرفهم وغلوهم وسعيهم وراء أهوائهم ومصالحهم الخاصة، وإن غلفوا ذلك بالصالح العام، ولبسوا غير ما ينم عن حقيقة حالهم.
وفي هذا قال عثمان بن عفان «ما كتم أحد سريرة إلا أبداها الله في فلتات لسانه». وهذه سنة الله تعالى جارية في خلقه سواء في المؤمنين أو الكفار بذم الكبر والمتكبرين. فهذا قارون خرج على قومه في زينته وأعجب بنفسه وأعجب به قومه فخسف الله تعالى به الأرض، فهو يتجلجل بها إلى يوم القيامة، فهذا عذاب المتكبرين الذي ينتظرهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ». وأما في الدنيا فقد طواهم الزمان وأصبحوا مرتهنين بأعمالهم.
مذكرات السياسيين:
أحصى أحد الباحثين قرابة 113 كتاباً لسياسيين من كافة الاتجاهات العروبية والقومية على مدى 30 عاماً سجلوها لأسباب مختلفة، منها مثلاً التشهير بالنظام السياسي أو تسجيل بطولة وأمجاد شخصية أو الاحتفاء بحزب ديني أو جماعة سياسية كانوا ينتمون إليها، ولكنهم كثيراً ما كانوا يخلطون بين الذات والموضوع، فتضيع معالم الحقيقة ويصبح السياسي دائماً هو البطل صاحب الرأي السليم أو القرار الشجاع أو هو الضحية المظلومة، وهذا يؤكد مرة أخرى حقيقة عدم وجود حزب سياسي واحد يملك القدرة على الإدارة والحكم في بلادنا العربية!

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي