في العام 1923 ولد في الغرب الفيلسوف الإنكليزي السير آنتوني فلو بميول ديموقراطية. في الشرق ولد معه أيضاً الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف بميول أخلاقية، وتزامناً مع هذه الولادة العابرة للقارات كان عالم النفس الروسي إيفان بافلوف قد انتهى من تجاربه على الكلاب ليتعرف على الإنسان وطبيعة نفسه البشرية وكيف يتعلم؟... لقد كانت تجارب بميول داروينية.
قرر الفيلسوف أن يصبح ملحداً، وملأ الدنيا ضجيجاً ومقالات وندوات يزدري فيها الدين، بينما كان يخاف أفكاره، فدفعه ذلك إلى تأليف كتب بلغت الثلاثين كتاباً يقول فيها «ليس هناك إله». لقد كان هذا الرجل واثقاً كما لم يثق أحد من قبل، أو مهووس بما ينكره.
أما الشاعر، فملأ الدنيا شعراً يسمو بالإنسان، ويأخذه لمساحات الغيب، ولا يحتقر شيئاً في الحياة ولا يخاف إلا نفسه، ولا يطلق الرصاص على الماضي لعلمه أنه بذلك قد اختار أن يضربه المستقبل بمدافعه.
لقد تأمل هذا الرجل نفسه جيداً ونظر إلى السماء وقدماه في الطين.
أما السيد بافلوف، فظل يبحث عن المشتركات بين الحيوان والإنسان في لعاب الكلاب حتى تلطخت يداه ولم يكن لديه الوقت ليمسحهما أثناء خروجه للمؤتمر الصحافي التعليمي الذي لم يعلن فيه «إن لعاب الكلاب في التجربة كان يبدأ بالسيلان بمجرد دخولنا المختبر بأجهزة التجربة، وليس مع صوت الجرس».
ومرت السنون... سنون كثيرة ربما بلغت الخمسين أو الستين، فقرر الفيلسوف الذي كانت كتبه أجندة كل ملاحدة العالم أن يتوقف عن الكلام ويؤلف كتاباً واحداً أسماه «هناك إله»، ثم غرق في صمت واعٍ.
أما الشاعر، فقد قال بعد طوال التجربة: «إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام وإلى ستين سنة لكي يتعلم الصمت».
ومازال هناك من يعتقد أن أقصر الطرق لمعرفة الإنسان ورقيه وتطوره هي دراسة السلوك الحيواني.
إن الاستناد على دراسات توضح أن لدى بعض الحيوانات ميولاً مثلية في الجنس كالزرافة أو الحمار الوحشي وبعض أنواع الفيلة، وأن زعيم القردة أسفل الوادي يمارس القتل الرحيم مع كبار السن، أو أن السناجب في حديقة البيت الأبيض لا تمارس الزواج بشكله الزوجي، بل بشكله التشاركي والجمعي على الأشجار وفي الكهوف وأسفل منصات السياسيين، ثم تصدير أفلام وثائقية مليئة بمتخصصين تنتهي تخصصاتهم بكلمة «لوجيا» من علوم مختلفة، ليظهروا على الشاشة ويبدو عليهم أن لديهم ما يقولونه للبشرية لنجد الهراء السائل نحو كيف ينبغي للإنسان أن يتصرف بناء على دراسة الحيوان وسلوكه الشاذ... كل هذا يكشف إلى أي مدى هؤلاء القوم يؤمنون بالتطور كفكرة في العلن ويكفرون بها كتطبيق في المختبر، جاهلين بحقيقة الزفة التي يسيرون ضمن طليعة موكبها الداعي إلى الضلال والمتناسي حقيقة ماذا يعني السير بشموخ وباستقامة.
يجلس السيد المنحني في الفراغ الوثائقي ويقول: «لقد لاحظت الدراسات أن سرباً من الأسماك يتحول إلى ذكر مرة وإلى أنثى مرة، ألا تعتقد أن هذا يعني أن هذه الممارسة وجدت في أمنا الطبيعة كسلوك قابل للتداول؟ أعتقد أنك تؤمن بالتسامح والتعايش»!
أحاول أن أقول للسادة الذين يطالبون ليل نهار بحق التفكير من دون أن يستخدموه والمتعاطفين حد التخمة مع السلوك البشري الأعرج مع حالة خلط بين مفاهيم التعايش والتسامح، حتى لو كان الإنسان أصله سمكة أو قرد، فينبغي ألا يعود إلى ذلك الأصل سلوكياً أو بيولوجياً، وإذا لم يكن لديكم ما تقولونه فلا تصدروا لنا سلوك الحيوان، بينما نحن في حاجة إلى ما يجعلنا مختلفين عنه، وإذا كانت كلماتي تتسم بالوقاحة، فأعتذر من باب التسامح والتعايش... ولكن تعلموا الصمت، فقط حفاظاً على كلمة «عيب» التي سمحت لنا بألا ننقرض.
كاتب كويتي
moh1alatwan@