صخب على صخب

المثقفون والقيم

No Image
تصغير
تكبير

إن المثقف الحقيقي هو الذي يجعل من سلوكه علامة على القيم والأخلاق التي ينادي بها، فهو ليس من فئة الشعراء الذين تصفهم الآية الكريمة: «ألَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ»، وإنما من فئة الشعراء الذين يرون أن «من الشعر حكمة». وساعتها ستصبح كلمات المثقف والأديب حية، لأن قائلها صادق مع نفسه، يحقق في سريرته ما ينادي به في علانيته، وعلى استعداد للتضحية والذود.

***
وحسنا ما وصف به الشاعر أحمد فؤاد نجم حال قلة من المثقفين في قصائده الساخرة، والتي انتشرت على الألسنة، عندما غنّاها صديقه المطرب الشيخ إمام في ظاهرة فنية راقية في عقد السبعينات من القرن العشرين، يقول «نجم»:
«يعيش المثقف...على مقهى ريش
مزفلط محفلط... كثير الكلام
عديم الممارسة... عدو الزحام
بكام كلمة فاضية... وكام اصطلاح
يفبرك حلول المشاكل قودام»
 مقهى «ريش» هو مقهى شهير في وسط القاهرة، قريب من ميدان التحرير، ومعلوم أن مشاهر المثقفين والأدباء تلاقوا فيه، وتبعهم في ذلك الكهولُ والشباب. أما تعبير «مزفلط محفلط» فهو مستلٌ من القاموس الشعبي المصري، ويعني في مجمل دلالته: الشخص المرفّه المتنعم والمتبرّم في آن، ومع ذلك يدعي الفهم والإفتاء في كل شيء، ومترفع عمن حوله. بضاعته كلام، و نضاله ثرثرة، وخصوماته جدال، وصراعاته سفسطة.

***
وهناك فئة أخرى من المثقفين، تغيرت قليلا فامتلكوا الأموال إما بمناصب نالوها، أو من هبات ومنح تساقطت عليهم، ومع ذلك فهم لا يكفّون عن النضال أيضا، وإن كان بطريقتهم الخاصة، التي يعبر عنها «نجم» بقوله:
«ما رأيكم؟ دام فضلكم
يا جورسونات
يا بتوع نضال آخر زمن
في العوامات»
 وهناك القلة القليلة، التي هي آكلة على كل الموائد، بارعة في القفز على مختلف الحبال، تتنقل من الماركسية إلى الليبرالية إلى الناصرية إلى الدينية دون أدنى مشكلة، بل إن لديها قاموسا مبدعا من المصطلحات المرنة، التي هي حمّالة أوجه، فلا ممسك عليهم ولا مأخذ. وقد نعتهم «نجم» منذ عقود بأبيات شعرية استمرت حيةً إلى يومنا:
«يتمركس بعض الأيام
ويصاحب كل اللئام
بيتكتك لا تقول بركان
ولا بوتاجاز ولا حلّة»
وهؤلاء بارعون في معسول الكلام، الذي يتلون حسب تياره الفكري، وهم على استعداد لأداء نفس الدور، شريطة أن تستمر منافعه المادية، وإلا تحول إلى الهجاء.

***
 في رحلة من رحلات المغامرين المستعمرين الأوروبيين لأعماق القارة الأفريقية، كان معهم أحد المؤرخين المثقفين ليسجل ما يشاهدونه عن عادات القبائل هناك.
 فوجئ المثقف الأوروبي في إحدى جولاته برجل أفريقي بسيط، كان جالسا يقرأ كتابا، تطلع المثقف إلى الكتاب بيد الرجل الأسود، فتبين له أنه كتاب دين (القرآن الكريم)، فقال المثقف بعنجهية: ما هذا الذي تقرأ فيه يا رجل؟!
 تطلع إليه الأفريقي بهدوء، ثم نهض وأومأ إليه ليتبعه في صمت، فذهب المثقف وراء الأفريقي إلي الجهة الأخرى من الكوخ، حيث وجد كومة من العظام والجماجم، عندها قال الأفريقي: لولا هذا الكتاب لكان مصيرك الآن كمصير هؤلاء... ولكن اشكر ربك لأن هذا الكتاب قد علمني ألا آكل لحوم البشر، وإنما علمني أن أحبهم وأعاملهم بالحسنى.

* كاتب وناقد مصري
[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي