هل يُكتب لدويلة أميركية في سورية... النجاح؟

No Image
  • الوضع يمكن أن يتغيّر عندما تبدأ الهجمات ضدّ الجنود الأميركيين

بعدما أصبح الاحتلال الأميركي واضح المعالم في شمال شرقي سورية وبالتحديد في منطقة الوجود الكردي - العربي وإعلان واشنطن أنها تنشىء «حرس حدود» وقوات قوامها 30 ألف مقاتل، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لهذه الدويلة الكردية أن تعيش وتستمرّ؟ وإلى متى؟
مما لا شك فيه أن أميركا لا تريد ترْك سورية للنفوذ الروسي ما دامت تستطيع أن تدقّ لنفسها مسماراً في المنزل السوري ليبقى «ملكها» بحيث تستطيع التواجد والدخول من خلاله إلى بلاد الشام وتكون على تماس مباشر مع روسيا وإيران في الشرق الأوسط.
ومما لا شك فيه أيضاً أن أميركا تستطيع حماية مصالحها في المنطقة التي تحتلها في الشمال الشرقي السوري من دون أن تستطيع أي قوة زحْزحتها وإخراجها ما دام المحيط الذي تتواجد فيه ليس معادياً ولن يثير حفيظة الشعب والسياسيين الأميركيين.
إلا أن هذا الوضع يمكن أن يتغيّر عندما تبدأ الهجمات ضدّ أميركا نفسها وجنودها على أرض سورية التي لا يرى الكثيرون في واشنطن فائدة منها إذا كلّفت حياة أميركيين وقتلت منهم الكثير.
ومما لا شك فيه أن إيران لديها خبرة وطول باع في هذا المجال في بلدان عدة ابتداءً من العصر الحديث، حيث أحرجتْ المجموعات العراقية المقاومة للإحتلال الأميركي العام 2003 واشنطن وساهمت في تكبيدها خسائر كثيرة، مع العلم أن الجيش الأميركي قد اكتسب خبرة كبيرة جداً بالتعامل مع هجمات التنظيمات غير الحكومية، التي تريد إخراجه من الشرق الأوسط.
وبإعلانها انها تؤلف قوة قوامها 30 ألف مسلح، أعلنت أميركا الثغرة الكبيرة لمشروعها الاحتلالي الجديد:
1 - حماية الحدود المصطنعة من القامشلي إلى اليعربية والبوكمال مع الجيش السوري وحلفائه.
2 - حماية الحدود من الحسكة - عين العرب - تل أبيض - منبج مع تركيا.
3 - حماية الحدود الطويلة مع العراق.
4 - مساحة السيطرة الاميركية - الكردية نحو 39 ألفاً و500 كيلومتر مربع.
وهذه الثغرة الكبيرة تتجسد بمحيط معادٍ «للدولة الكردية» التي تريد أميركا حمايتها. فدمشق لا ولن ترضى وتسكت وتعضّ على الجراح وتقبل باحتلال أميركا أراضٍ لها. ففي داخل محافظة الحسكة، هناك عشائر عربية متعددة تدعم وتقبض المال وتأخذ السلاح من واشنطن (مع تمويل من دول في المنطقة)، ولكن هناك أيضاً عشائر تدعم دمشق وترفض السيطرة الكردية حتى ولو أن واشنطن تحاول إيجاد تَوازُن بين هذه المجموعات.
وأنقرة لن ترضى أبداً وتسكت على إنشاء دويلة كردية على حدودها وستعمل مع حلفائها السوريين على الأرض على التنكيل بالأكراد في منطقة سيطرتهم.
والعراق - على الرغم من التزامه بتأمين حدوده وطرد «داعش» - لا يزال يتعرض ويعاني من تواجد منطقة تحت سيطرة التنظيم داخل جيب الحسكة - دير الزور تحافظ عليه أميركا لعدم رغبتها بإنهاء التنظيم كلياً لفائدته المستقبلية في المنطقة، تماماً كما فعلت العام 2012 عندما علِم أوباما بنيات التنظيم بالتمدد ولم تفعل إدارته شيئاً وكذلك العام 2003 عندما رفض الرئيس جورج بوش وجود أبو مصعب الزرقاوي ولم يقبل بقتْله وضربه في المناطق الكردية.
أما النقطة الأخيرة على مساحة «الدويلة الكردية»، فهي أن عدد 30 ألف مقاتل على مساحة 39 ألفاً و500 كيلومتر مربّع يعني أن كل مقاتل ينتشر على مساحة 1.3 كيلومتر مربع، ليحمي حدوداً مع 3 دول معادية وتنظيم «داعش» الموجود إذا قرر مهاجمة وسرقة سلاح وعتاد الأكراد ولم تلتفت إليه الطائرات المسيّرة الأميركية التي لا تغادر أجواء الحسكة.
ويعتقد بعض المراقبين أن أميركا إتخذتْ قرارها بالتخلي عن تركيا والتمسك بالكرد السوريين والإلتزام بمنطقة النفوذ الجديدة التي توجِدها في سورية. وهذه النظرية غير مكتملة لأن واشنطن لا تملك حلفاء دائمين لها بل مصالح، وهي ترى أن مستقبل الأكراد في محيطٍ عدائي مثل الذي يتواجدون فيه لا يستطيع أن يعيش طويلاً وإلى الأبد لأن كل الدول المحيطة بمحافظة الحسكة تريد تغيير الواقع عند أول فرصة اليوم وغداً وبعد سنة وبعد عشر سنوات. ولن تقبل سورية بالتخلي عن ثرواتها النفطية والغازية ولن تقبل باقتلاع أراضٍ لها، ولن يقبل حلفاء سورية ببقاء أميركا على مقربة منهم فتَضَعَهم بين فكّيْ كماشة في إسرائيل وفي سورية.
وهذا التواجد سيعطي حلفاء سورية - إيران و«حزب الله» والمقاومة السورية الاسلامية والوطنية - دفْعاً جديداً للتخطيط والتهيؤ لمرحلة ما بعد إنهاء نفوذ «داعش» و«القاعدة» في سورية واللذين يمثّلان حتى الآن الأولوية لدمشق وحلفائها.
أما روسيا فهي تتقرب كل يوم من تركيا، التي أصبحتْ حليفاً سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، على الرغم من محافظة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على الإمساك بالعصا من الوسط وحرْصه - لغاية اليوم - على عدم ترْك الجانب الأميركي والتقرب أكثر من الجانب الروسي. ويستطيع أردوغان الاعتماد على معاداة دمشق للأكراد للالتقاء على مصلحة مشتركة من دون أن يكون هناك حلف مُعلَن بين دمشق وأنقرة. وستعمل روسيا على جذْب أكراد سورية من خلال علاقتها الجيدة مع عفرين ومسؤوليها للتأثير أو على الأقلّ زعزعة الخطط الأميركية إذا استطاعت، وتخريب استقرار الجيش الأميركي في سورية.
لقد أقحمتْ أميركا نفسها - كعادتها - داخل وكر دبابير ووضعت أصابعها في داخله وهي تعتقد أنها تستطيع الاعتماد على عضلاتها العسكرية لتأمين مصالحها في سورية. والسؤال: هل نجحتْ القوة العسكرية الأميركية الهائلة في إنجاز الأهداف في أفغانستان؟ أو في لبنان؟ أو في العراق؟ فلماذا سيُكتب لها النجاح في المستقبل في سورية؟