4 سيناريوات لـ «مُعضلة» كوريا الشمالية • الحرب • الإذعان• الانقلاب • التفاوض

No Image
تصغير
تكبير
تعتبر الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، الأعقد على مستوى العالم والأكثر خطورة، نتيجة نفاد الخيارات أمام المجتمع الدولي للتعامل مع واقع أن بيونغ يانغ مصرة على استكمال تعزيز ترسانتها الصاروخية والنووية، من دون بروز أي بوادر توحي بإمكانية تحقيق خرق قريب.

وإذا كان مجلس الأمن صوّت بالإجماع، الثلاثاء الماضي، على فرض حزمة ثامنة من العقوبات على كوريا الشمالية، في إطار تضييق الخناق عليها بعد تجربتها النووية الأخيرة في الثالث من سبتمبر الجاري (السادسة من نوعها والأقوى بينها)، فإن هذا «الإجماع» يبقى «اضطرارياً» أكثر منه واقعياً وصلباً، لأسباب عدة أبرزها:

1- إن مشروع القرار الذي طرحته الولايات المتحدة في البداية، نص على إجراءات صارمة أقساها فرض حظر نفطي شامل على كوريا الشمالية وتجميد أرصدة زعيمها كيم جونغ أون، إلا أن الأميركيين اضطروا للتراجع خطوات عدة إلى الوراء، إرضاء للروس والصينيين، وطرح مشروع قرار معدل «بلا أنياب»، ولا يؤدي إلى قلب الموازين، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى القول إنها مجرد بداية لمسار طويل سيكون أكثر صرامة.

2- إن روسيا لا يمكن أن تُغامر بالسماح بعقوبات تؤدي عملياً إلى خنق نظام كيم جونغ أون، من دون تحقيق مكاسب مُقابلة، على غرار رفع العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب الأزمة الأوكرانية، وهو الهدف نفسه الذي تسعى إلى تحقيقه عبر الإمساك بالورقة السورية.

3- إن مدى تطبيق الصين العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية، يبقى موضع تساؤل لدى دوائر الأمم المتحدة والدوائر الغربية، خاصة أن بيونغ يانغ تعتمد في التجارة على بكين بنسبة 90 في المئة.

أكثر من ذلك، لا يمكن للصين أن توافق على عقوبات قاسية قد تسفر عن سقوط «غير مُنظّم» لنظام بيونغ يانغ، لما لذلك من تداعيات مباشرة على أمنها، سواء لجهة الفوضى التي قد تضرب الحدود المشتركة بين البلدين (ألف و416 كليومتراً)، أو لجهة قيام نظام ديموقراطي في كوريا الشمالية يكون أكثر قرباً للولايات المتحدة والدول الأوروبية.

4- تختلف رؤية الصين وروسيا لحل الأزمة عن رؤية الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا، خاصة كوريا الجنوبية واليابان، إذ تقترح موسكو وبكين «خريطة طريق» تقوم على وقف البرنامجين النووي والبالستي لكوريا الشمالية مقابل وقف المناورات المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية (التي يشارك فيها عشرات آلاف الجنود)، الأمر الذي ترفضه واشنطن وسيول بشكل قاطع، على اعتبار أن هذه الخطوة (إذا تمت الموافقة عليها بغياب حل شامل) ستكون مقدمة لخروج القوات الأميركية لاحقاً من شبه الجزيرة الكورية، وفي هذه الحالة لا ضمانات بعدم لجوء كوريا الشمالية إلى استفراد جارتها الجنوبية، واجتياح أراضيها.

أمام هذه المعطيات المتشابكة، تصبح أزمة كوريا الشمالية أشبه بـ«معضلة» عصيّة على الحل، وهو ما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً إلى التحذير من أن الحل قد يكون «مستحيلاً» إذا لم تفتح الولايات المتحدة باب التفاوض مع كوريا الشمالية، على اعتبار أن الخيار العسكري سيكون مكلفاً للجميع ولا أحد يستطيع التكهن بنتائجه.

ومع اعتبار الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا وأوروبا أن العقوبات كفيلة بدفع كيم جونغ أون لرفع الراية البيضاء، وتأكيد الصين وروسيا أن ذلك لن يُجدي نفعاً وأن لا بديل عن التفاوض، تصبح الحلول لأزمة شبه الجزيرة الكورية محصورة في أربع سيناريوات:

- السيناريو الأول هو الحرب، التي يمكن أن تندلع بسبب لجوء الولايات المتحدة إلى الخيار العسكري، أو نتيجة حادث غير محسوب في ظل الاستفزازات المتتالية لكوريا الشمالية، عبر إجراء تجارب نووية وإطلاق صواريخ بالستية بعيدة المدى.

وهذا السيناريو يبدو مُستبعداً في ظل النتائج الكارثية المتوقع أن تنتج عنه. فصحيح أن الولايات المتحدة لديها عشرات آلاف الجنود في كوريا الجنوبية واليابان مع ترسانة من أحدث الأسلحة الجوية والبرية والبحرية، لكن كوريا الشمالية أيضاً لديها أسلحة نووية وكيماوية وصواريخ بالستية وجيش قوامه مئات آلاف الجنود. بالتالي، فإن الولايات المتحدة وإنْ كانت قادرة على الفوز بالحرب في النهاية (نظرياً)، إلا أن بيونغ يانغ قادرة على إلحاق دمار هائل في مدن كوريا الجنوبية واليابان خصوصاً.

هناك من يطرح احتمال توجيه ضربات عسكرية لمواقع محددة في كوريا الشمالية على ارتباط بالبرنامجين النووي والصاروخي، إلا أنه لا توجد أي ضمانات بأن لا تنزلق الأمور نحو حرب شاملة، لا سيما أن نظام بيونغ يانغ متهوّر ولا يمكن التنبؤ بردود أفعاله.

- السيناريو الثاني يتمثل بأن تؤتي العقوبات ثمارها وأن ترضخ بيونغ يانغ للضغوط الدولية، وتالياً توافق على تفكيك برنامجها النووي العسكري عبر مفاوضات إذعان مع الدول المعنية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

وبغض النظر عما إذا كان هذا السيناريو واقعياً أو مُمكناً، فإنه يحتاج لفترة طويلة ربما لسنوات، لأنه يعتمد على مدى تأثير العقوبات المفروضة وقدرتها على إلحاق أضرار كبيرة باقتصاد كوريا الشمالية تدفع نظامها إلى المجيء لطاولة التفاوض رافعاً الراية البيضاء.

البعض يعتبر أيضاً أن موسكو وبكين لا تشجعان كثيراً هذا السيناريو، على اعتبار أن استسلام بيونغ يانغ ورضوخها أمام واشنطن، ربما يجعل الأميركيين يطمعون بما هو أكثر من ذلك، وتحديداً تغيير النظام «الستاليني» لصالح نظام ديموقراطي على الطريقة الغربية.

- السيناريو الثالث، يقوم على أساس أن ترفع الصين الغطاء عن النظام في كوريا الشمالية وتعمل على تغييره، عبر «انقلاب أبيض»، يؤدي لإقامة نظام يكون موالياً لها أيضاً، لكنه أكثر عقلانية وقدرة على التفاوض للتوصل إلى حلول.

هذا السيناريو يحتاج أولاً إلى دعم روسي، في ظل العلاقات الوثيقة بين موسكو وبيونغ يانغ، لكنه يتطلب أيضاً إبرام صفقة مع الولايات المتحدة، على اعتبار أنها المستفيد الأول من تغيير النظام في كوريا الشمالية.

وبالتالي، هناك سؤالان أساسيان: ما هي الأثمان التي يمكن أن تطلبها بكين (وبدرجة أقل موسكو) من واشنطن لرفع الغطاء عن كيم جونغ أون؟، وإلى أي مدى تستطيع تطبيق هذا السيناريو، «سلمياً»، في ظل الولاء المطلق الذي يحظى به زعيم كوريا الشمالية من قبل الجيش والصفوة الحاكمة؟

- وإذا كان السيناريو الأول مُرعباً والثاني شبه مستحيل والثالث مُستبعداً، فإن السيناريو الرابع يبقى الأكثر احتمالاً وواقعية، ويقوم على إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف، على غرار المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى.

على أن هذا السيناريو لا يمكن تطبيقه ما لم تصل جميع الأطراف إلى قناعة تامة بأنه لا يمكن لأحدها تركيع الآخر والانتصار في المواجهة، وبالتالي لا بد من البحث عن حلول وسط تكون مقبولة من الجميع وكفيلة بطمأنتهم.

ويؤكد مراقبون أن ضمان نجاح المفاوضات لا يتوقف فقط على الكوريتين (أي الشمالية والجنوبية، وهما الطرفان الأساسيان المعنيّان) واليابان، وإنما أيضاً على مسار العلاقات بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة ثانية.

فكوريا الشمالية هي ساحة من ساحات صراع النفوذ والإرادات بين الأميركيين والصينيين (معهم الروس)، وأي حل لأزمتها يفترض انفراجات أو بوادر حلول في ملفات أخرى شائكة بين الجانبين، على غرار أزمة بحر الصين الجنوبي والعلاقات التجارية.

ويبقى التعويل الأكبر على تغيير في موقف موسكو وبكين يدفع نظام بيونغ يانغ إلى إعادة حساباته، وسلوك طريق الحوار بحثاً عن صفقة مرضية لجميع الأطراف.

لكن أمام واقع وجود ترامب، المُحاط بالأزمات، في البيت الأبيض، وسعي بوتين لإعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي، ورغبة الرئيس الصيني شي جينبينغ بإنجاح استراتيجية بلاده القائمة على تعزيز النفوذ، من بوابة الاقتصاد، لا يبدو أن هناك تقاطعاً مصلحياً، أقله في الوقت الراهن، بين الدول العظمى الثلاث لإيجاد حل للأزمة في شبه الجزيرة الكورية.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي