ظهرت تباشيرها عالمياً في العقد الأخير

مطارات الشعراء... تكريم للكلمة واحتفاء بالمبدعين (1)

تصغير
تكبير
دأبت معظم دول العالم على تسمية مطاراتها بأسماء أكبر مدنها كالعواصم والحواضر وغيرها، أو على أسماء بعض ساستها خاصة كأولئك القادة المؤسسين من بناة نهضتها الحديثة. ولكن أن تتم تسميتها بأسماء أشهر شعرائها فتلك لفتة جميلة بلا شك، وتشكل ظاهرة حضارية مستحدثة لوحظ تدفق تباشيرها بالعقد الأخير فقط من القرن الحالي في بعض البلدان، ممن تولي شعوبها ذات الذائقة الشعرية المتفتقة أهمية فائقة للأدب خاصة والثقافة عامة، ولعلها تأتي من باب التكريم هنا والاعتراف بمكانتهم السامية التي احتلوها بجدارة في ضمائر بني جلدتهم، مثلما قد يرى فيها البعض دعماً لترويج السياحة الفكرية، وإنعاشاً لذاكرتها التراثية عبر تخليد المكان الذي شهد ميلاد واحدٍ من أكبر شعرائهم ذات يوم.

وفي هذا التقرير الموجز والمرتب بحسب تسلسل الأحداث المتعلقة بالموضوع نسلط الضوء، ومن باب الاحتفاء على أهم تلك المطارات حول العالم، والتي تشرفت بحمل مسميات لبعض كبار الشعراء ممن رحلوا عن دنيانا، وظلت أسماؤهم حية كدليل على عظمة إبداعهم التي لم ولن تنضب.

محمد إقبال

في البدء ومن باب السبق وحفظاً لحقوق الآخرين وحتى قبل دخول العقد الأخير بسنتين، يمكن اعتبار باكستان وللوهلة الأولى كأول دولة في العالم تسمي ثاني أكبر مطاراتها من حيث حركة المرور للمسافرين وهو مطار لاهور الدولي بإقليم البنجاب زمن فترة حكم الرئيس الأسبق الجنرال برويز مشرف عام 2003 على اسم واحدٍ من أهم شعرائها على الإطلاق وهو الشاعر والفيلسوف الراحل محمد إقبال (1877 - 1938)، وقد حمل اسم مطار العلامة إقبال الدولي، رغم أن هذه التسمية التكريمية ربما لم تأتِ تقديراً لدوره الأدبي الرائد فقط والمتمثل بكتابة قصائد خالدة، وإنما جاءت كاعتراف بأهميته البارزة كقائدٍ قومي وزعيم مؤسس للبلاد حيث هو ملهم فكرة ضرورة الشروع بإنشاء وطن مستقل للمسلمين وفق رؤية استشرافية حتمتها الظروف الدامية في بلاده بذلك الوقت، مما عجل بميلاد دولة باكستان الجديدة وانفصالها عن الهند عام 1947 والتي مات قبل أن يراها - أي فكرته - مطبقة على أرض الواقع باستقلال بلده باكستان بعد اندحار الاستعمار البريطاني آنذاك.

ديوزدادو ماكاغابال

والشيء بالشيء يُذكر بالنسبة لمطار ديوزدادو ماكاغابال الدولي الواقع في مدينة بامبانغا بإقليم لوزون الأوسط في الفيلبين، وحيث تم تغيير اسمه من مطار كلارك الدولي عام 2003 إلى الاسم الجديد بناءً على طلبٍ رسمي من الرئيسة السابقة غلوريا ماكاغابال أرويو ليحمل اسم والدها الرئيس الراحل ديوزدادو بانغان ماكاغابال (1910 - 1997)، والذي كان يشغل منصبه كرئيس ثامن للجمهورية، وهو بالمناسبة شاعر كان يكتب قصائده باللغتين الصينية والإنكليزية بالإضافة إلى لغاتٍ محلية، وقد نشر العديد منها في كتب متفرقة.

وفي 2012 أعيدت تسمية المطار مرة أخرى إلى اسمه القديم، وهو مطار كلارك الدولي.

خوسيه مارتي

غيرت الحكومة الكوبية اسم مطارها القديم رانتشيو بويروز في العاصمة هافانا عام 2005 إلى مطار خوسيه مارتي، تيمناً باسم واحدٍ من أهم شعرائها القدامى المعروفين بكونه قائداً ثورياً وبطلاً قومياً، وهو الشاعر الوطني الراحل خوسيه مارتي (1853 - 1895)، الذي كتب قصائد حماسية في حب الوطن، وأصدر مجموعات شعرية خلدت مسيرته النضالية كأديب ملهم للأجيال اللاحقة، وقد ساهمت إبداعاته المتنوعة بين الشعر والنثر بدفع حركة الاستقلال ضد الاستعمار الإسباني في بلاده.

فيديريكوغارسيا لوركا

أما في ما يتعلق بالعقد الأخير، فيمكن اعتبار إسبانيا رسمياً أول بلدٍ تطلق اسم أحد شعرائها الكبار في العصر الحديث على واحدٍ من أهم مطاراتها المكتظة بحركة المرور الجوي، فلقد تم تغيير اسم مطار غرناطة الدولي رسمياً إلى مطار فيديريكو غارسيا لوركا إحياء لذكرى مرور 108 سنوات على ميلاده بالقرب من مدينة غرناطة والتي صادفت عام 2006. كما أُلحقت التسمية بإضافة كلمة خاَين وهي المنطقة التي يقع بها المطار في مقاطعة الأندلس ذات الحكم الذاتي والمشتق اسمها من اللغة العربية وتعني باللغة الأندلسية القديمة مفترق الطرق أو نقطة عبور القوافل تحديداً.

ورغم رحيل الشاعر لوركا (1898 - 1936) المبكر، وهو في سن الثامنة والثلاثين حيث تم إعدامه على أيدي الثوار القوميين زمن الحرب الأهلية في عام 1936 آنذاك، إلا أن إرثه الأدبي ما زال خالداً حتى اليوم عبر ترجمات أعماله إلى الكثير من اللغات العالمية. وتعتبر قصيدة «شاعر في نيويورك» من عيون كنزه الشعري، بالإضافة إلى مسرحيتي «عرس الدم» و»بيت برناردا ألبا» وغيرها.

خوسيه جوكوين دي أولوميدو

يقع مطار خوسيه جوكوين دي أولوميدو بمحافظة غواياس في الإكوادور، والذي تمت تسميته في نهاية 2006 على اسم الرئيس الإكوادوري الأسبق والشاعر الراحل المعروف خوسيه جوكوين دي أولوميدو (1780 - 1847)، وهو مؤلف أول نشيد وطني لبلاده وعنوانه «أغنية إلى الثامن من أوكتوبر». وكان قد ألهب به حماس جماهير شعبه المتعطش للحرية آنذاك، مثلما أن له دواوين شعرية بالإضافة إلى إصدارات أدبية أخرى في مجالات متنوعة كالرواية والمسرح وغيرها.

أوديسياس إيليتيس

أطلقت الحكومة اليونانية العام 2012 اسم شاعرها الراحل أوديسياس إيليتيس (1911 - 1996) على واحدٍ من أهم مطاراتها الواقعة في مدينة ميتيلين عاصمة جزيرة لسبوس، وهو مطار أوديسياس إيليتيس الدولي نسبة إلى الاسم الأدبي المعروف به الشاعر اليوناني أوديسياس أليبوديليس الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1979، والذي يعد من رموز الحداثة في عصره، وله دواوين شعرية تُرجمت إلى أكثر من ستين لغة عالمية.

غازي نظر الإسلام

اُفتتح رسمياً في خريف عام 2013 في مدينة أندال القريبة من كولكاتا عاصمة ولاية غرب البنغال الهندية، مطار غازي نظر الإسلام المحلي والمسمى على واحدٍ من أهم شعراء اللغة البنغالية، وقد حضر حفل انطلاق مراسيم افتتاحه رئيس الوزراء نارندرا مودي، والذي أصر بإلحاح على أن يكون أول راكبٍ يغادره مسافراً إلى العاصمة نيودلهي من مدرج المطار الجديد عبر إقلاعه على متن طائرةٍ من طراز بوينغ 737 تابعة للقوات الجوية الهندية.

ورغم أن الشاعر نظر الإسلام (1899 - 1976) رحل عن دنيانا وهو يحمل جنسية بلاده بنغلاديش التي توفي في عاصمتها داكا عام 1976 بعد انفصالها عن الهند أولاً، ثم باكستان لاحقاً إثر تقسيم بلدان شبه القارة الهندية، إلا أن تراثه الأدبي بقي محفوظاً أيضاً كرصيدٍ وافر لأعماله الإبداعية في مسقط رأسه الهند، وما زالت أشعاره وقصائده المغناة تحظى بتقدير كبير هناك.

تالابا أناماتشاريا

وفي الهند أيضاً، كان وزير الطيران الاتحادي أشوك غاجاباتا راجو أعلن وفي فترةٍ سابقة مع بداية حلول عام 2015، وخلال حفل تدشينه مراسيم افتتاح مطار كادابا المحلي الجديد والواقع بمقاطعة رايالسيما في ولاية أندرا براديش عن مفاجأة تسميته بمطار الشاعر تالابا أناماتشاريا، والذي يعد أحد أكبر شعراء لغة التيليغو، وهي اللغة المحلية للولاية الجنوبية التي ولد بها.

ويعتبر الشاعر أناماتشاريا (1408 - 1503) والمعروف باسم أنامايا في بلاده قديساً بنظر كثير من مريديه الهندوس هناك، وينتمي إلى طبقة البراهمة حيث كرس حياته باكراً ومنذ ولادته بالقرن الخامس عشر في خدمة الأدب الغنائي عبر أناشيده الملحمية ذات النزعة الدينية، والتي يحاول من خلالها الدفاع عن حقوق الطبقات الأخرى المتدنية والمضطهدة بشدة في زمانه من أبناء طائفته كالمنبوذين والداليت وغيرهم، وما يعانوه من حرمانٍ مطبق عبر العصور.

* صحافي وأديب ومترجم

وناقد كويتي

bader_otaibi@hotmail.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي