مِن الآخر

رسالة من البحر

تصغير
تكبير
لم تكن هذه المساحة التي يُطلَق عليها «الخليج العربي» تجمعا مائياً تقوم عليه أنشطة مثل الصيد والتجارة والرياضة والغوص على اللؤلؤ والسفر فقط، بل هي عالم متكامل تقوم على شواطئه جماعات بشرية تستفيد من تلك الخيرات الكامنة في مياهه.

لقد اختلفت العلاقة بين الإنسان والبحر وتأرجحت بين جذب وإرخاء، لكن الثابت فيها أن البحر كان دائماً مصدر خير وإلهام لأبناء الخليج، وهذا ما نراه في علاقتهم به، فقد ظلوا فترات طويلة في علاقة مباشرة معه، وانعكست هذه العلاقة بدورها على حياتهم، فنقلت قبائل بدوية سكنت على حوافه إلى مجتمعات حضارية، وأصبح بالنسبة إليهم صديقا يحدثهم ويحدثونه، ويأخذون منه ويبوحون له بهمومهم، حتى صار كثير من مفردات أحاديثهم مستمداً من البحر وأخباره، ونسجوا حوله الكثير من الحكايات، منها الصحيح، ومنها الذي تغلب عليه المبالغة أحياناً، بل إن شخصية مجتمعات الخليج انطبعت بتلك الحكايات والقصص والعادات التي توارثها المجتمع، وتناولها المتخصصون، أدباء وعلماء، من حيث المضمون، ووضعوها في مقارنة مع ثقافات اخرى، مثل ثقافة الصحراء وثقافة الريف.


إن معرفة تفاصيل الحياة البحرية ضرورة لمعرفة الخلفية الثقافية لأهل البحر... لقد كان كثير منهم فقراء على البر، عبيداً في البحر! نظرا لأن حياة البحر كانت قاسية في أهوالها، علاوة على قسوة العمل، حيث النزول إلى الأعماق، والظلام الدامس، والمصير المجهول، والخطر الذي ينتظرهم في كل لحظة... أما من تميز من أهل البحر برغد العيش، فكان ينتقل إلى «طبقة التجار» التي تستغل - بدورها - أهل البحر أبشع استغلال، وتمارس عليهم أسوأ أنواع الانتهازية لتحقيق مكاسب على ظهورهم.

ولم يكن التاجر الظالم وحده من يمارس هذا الاستغلال، بل إن من النواخذة (قادة السفن) من كان يمارس أبشع طرق الابتزاز؛ لامتصاص عرق البحارة. إن الروائيين الإماراتيين رسموا بكتاباتهم لوحات قصصية مبنية على توظيف ناجح لعناصر سردية استخلصوها ممن خاض هذه التجارب، التي لخصها د. صالح الهويدي في كتابه «صورة النوخذة في الرواية الاماراتية الحديثة»... ومن هذه الروايات التي تطرقت لذلك رواية «شاهندة» لمؤلفها راشد النعيمي، وهي أول رواية إماراتية، وقد بينت في تفاصيلها كيف يقوم النوخذة بالضغط على طاقمه لاستخلاص اللؤلؤ وبيعه بأرخص الأثمان ليأخذ منهم ما عليهم له من ديون، بل إن من النواخذة من كان يأخذ من حصيلة البيع ما يوازي ثلاثة أضعاف ما يأخذه أفراد طاقم عمل السفينة، الذين يبذلون جهودا مضاعفة.

في الحقيقة من يعيش على شاطئ البحر او في المدينة، فلا يسعه إلا الصبر على مهنته. يقول المفكر علي الوردي، في كتابه الأخلاق: «إن الحضري يقدر الناس بمقدار براعتهم في مهنهم وما يربحون منها»، بل إن الحضري العريق في رأي الوردي «يصعب عليه العيش من غير مهنة، أو نوع من الإنتاج يحاول الحذق فيه»، ما يؤكد أن العمل والصبر والمثابرة هي قدر من يعيش على البحر، ويصبح قدره ومصيره أن يكون سجين هذا «المركب»، أو خاضعاً لهذا التاجر أو ذاك النوخذة، وهذه حياة أشبه بحياة من يعيش في ظل عبودية أو تمييز عنصري، كما حدث في أميركا ضد السود، غير أن التمييز هنا ليس على أساس اللون، بل يمكن القول إنه تمييز على أساس طبقي... بين فقير وغني. وهذه الطبقية أو الدرجات الموروثة، ترسم مستقبلنا الاجتماعي بألوان العادات والتقاليد، التي نعانيها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وتسببت في تراجعنا كثيرا.

إن الكويت بلد نشأ على ثقافة البحر، في مختلف المجالات، وكانت لهذه الثقافة تراكمات مجتمعية عكستها كثير من الاحداث، على سبيل المثال، أصبح من المسكوت عنه حين يشترط الخاطب في زوجة المستقبل أن يكون والدها «غنياً»، أو تاجرا! كأن الزواج جاء على أساس ما تملك أسرة الزوجة من مال، وليس على أساس «اظفر بذات الدين تربت يداك»، كما علمنا إسلامنا الحنيف.

وفي الجانب السياسي... وعلى الرغم من وجود قوانين تحرم استغلال المال انتخابيا، لكن واقع الحال يقول إنه لا توجد أي جدية في محاربة المتعاملين بالمال السياسي؛ لدرجة أن هذا المال أصبح جزءا من حياتنا، كأننا نسير في اتجاه ذلك الإقطاع الذي نشأ في البحر على أجساد البسطاء من البحارة، على مركب النوخذة، حيث الغني يأكل الفقير.

إننا ندعو إلى الحذر من السماح باستمرار نهج التمييز بين أفراد المجتمع، وأن يصبح صاحب المال هو صاحب كل شيء، في وقت يُغيَّب فيه المفكر والأديب والمثقف، والعامل والصانع. وهذا الحذر ليس حذرا اجتماعيا فقط، بل إنه يجب أن يكون حذرا سياسيا كذلك. يقول المفكر عزمي بشارة، في كتابه عن «الثورة والقابلية للثورة»: «قد لا تكون الثورة دورة مستمرة من البداوة إلى الحضارة... بل هي ترتبط بالجدة والانقطاع في مسار التطور التاريخي، إنها الانقطاع الذي يأتي بجديد»، أي بمعنى آخر، عندما يشعر الناس بـ «الملل» من هذه القيود المادية، وعندما يشعر الفقير، والمواطن العادي البسيط، بأن المال هو المجتمع، والمجتمع هو المال... تبدأ حينها شموع الثورة في الاشتعال.

إن للبحر رسائل حكيمة، عميقة الأثر، بعيدة النظر. وإن الحضارة ليست مباني وبهرجة وتباهي بالألوان. إنها الابتعاد عن كل ما يقيد الانسان عن الإبداع والعطاء والإنتاج والبحث عن نفسه، عن تلك القيود التي تمثل للفرد سجونا مخيفة، متحركة، لن يتحرر منها الفرد إلا بثورة مجتمعية تضع المادة تحت قدميها، وتؤمن بالإنسان وبإنتاجه، وتشعره بقيمته في هذا الوطن، من دون اعتبار لحجم حسابه في البنك! أو أي اعتبارات مادية أخرى.

Nasser.com.kw
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي