إضاءة / لا تنتظر شكراً
نواف العصيمي
ربما مر عليك من الناس من أغرقته طيبا وكرما وأسديته جمائل كثيرة، ينسى جميعها فجأة ومن دون سبب او حتى من موقف واحد بدر منك من دون قصد، ثم راح يكيل الاتهامات إليك ومن وراء ظهرك من دون ان يرد لك معروفا واحدا تجاه ما عملت له، او ربما تكون مجتهدا في عملك وتعمل وتنجز وتغيب عن بيتك واهلك ساعات طويلة، ثم لا تجد حتى كلمة شكراً.
حسنا، لا تتضايق ولا تستغرب وقد قال الله تعالى «وقليل من عبادي الشكور» فإذا كان حال بعض الناس ان قد رزقه الله بالمال والأولاد وكل ما يتمناه ويتصرف بها وكأنها حق أساسي ومشروع ثم لا يشكره، فما بالك في علاقاتنا مع البعض، مع البعض الذين ينكرون المعروف بسرعة، مع الذين يقيسون الحقائق والأمور حسب مايريدون.
يحتاج الانسان بطبيعته وخصوصا المنجز الى ان يسمع كلمات الإعجاب والثناء عليه احيانا كثيرة، اكثر من حاجته للدعم المادي، ولا ابالغ ان قلت ان كلمة شكراً او حتى جزاك الله خيراً على ما قدمت، هي بمثابة الوقود الذي يشحن طاقات المبدعين بعد تحقيقهم كل نجاح او إنجاز، لكن المشكلة في الحقيقة هي ان البعض يستكثر هذه الكلمات البسيطة على غيره من منطلق غير اخلاقي، ذلك على اعتبار ان كلمات الثناء ربما تجعل منه إنسانا مغرورا، او على اعتبار ان هذا الشخص ما قام الا بواجبه فهو بالنهاية موظف يتسلم اجره مثلا.
والان ما اثر نشر ثقافة التقدير والتكريم على مؤسسات المجتمع من ناحية وعلى الأفراد من ناحية اخرى؟ نحن في أمسّ الحاجة الى إشاعة التقدير في مجتمعنا وفي كل مكان، في كافة مؤسسات الدولة حتى بين أفراد الاسرة الواحدة، فكلمات الثناء والعرفان لها اثر عجيب في نفخ روح الإبداع في نفوس الشباب الذين اعتادوا سنوات طوال الاعتماد الكلي على حكوماتهم في تحقيق الإنماء والتطور، التقدير خانق اليأس والاحباط درع تحفظ روح المجتمع وشبابه الطموح من ضربات رماح البيروقراطية والمحسوبية الادارية التي تحصل في كل مكان وكل مجال.
وعلى النقيض فان شيوع ثقافة الجحود والنكران يؤدي الى فقدان الثقة والانكفاء النرجسي بين أفراد المجتمع، فلا نتخيل لو ان مجتمعا ما او مؤسسة ما، تسند المهام الى غير أهلها وتهب المزايا والمكافآت التشجيعية الى موظفين لا يستحقونها ان ينتشر بها الفساد الى الحد الذي يجعل من النفاق والتزلف الوسيلة الاسهل بين منتسبيها لإظهار القدرات، الامر الذي يجعل الفتن والصراعات اُسلوب المنافسة بين أفراد المنشأة.
يقول فولتير «ان تقديرنا لدور وانجازات الآخرين يجعل نجاحهم ملكا لنا»، اننا حينما نصل الى درجة الإيمان بأن كل منا له امكاناته الخاصة ودوره المكمل في تحقيق قيمة مضافة للمجتمع ذلك امر يجبرنا بطيب واقتناع على احترام وتقدير طموحات وانجازات الآخرين، ذلك امر يغير نظرة أفراد المجتمع تجاه العمل من كونه سلعة يجنون منها المرتب اخر الشهر الى ميدان مجتمعي يحقق فيه قيمة مضافة للمجتمع قبل المؤسسة التي ينتمي لها، ذلك امر يصحح نظرة بعض أفراد المجتمع تجاه الاعمال النفعية المجتمعية من كونها منابر لتحقيق وجاهة اجتماعية الى ميدان انساني واجتماعي لمن يعمل بحب واخلاص يضيف فيه للوطن».
لكن تبقى هناك نقطة أسمى وأهم، لا يعرفها من ينتظر شكراً أو من يسعى لخلق تبعية لنفسه مع الحياة، وهي ان افتقادنا المقابل الذي نتوقعه من المجتمع لا يعني اننا لا نمتلك ما يستحق التكريم وافتقادنا لفهم الآخرين لنا لا يعني أبدا اننا نفتقد المعنى، فقد يحل سوء الفهم حتى لو كان الجميع على صواب، وقد يحصل الربح في وقت لا نسعى اليه، فأن نكون أوفياء ونحن في قمة قوتنا وتحقيقنا لذاتنا تلك أعظم مكافأة نقدمها لأنفسنا وضمائرنا.
* كاتب وإعلامي كويتي
حسنا، لا تتضايق ولا تستغرب وقد قال الله تعالى «وقليل من عبادي الشكور» فإذا كان حال بعض الناس ان قد رزقه الله بالمال والأولاد وكل ما يتمناه ويتصرف بها وكأنها حق أساسي ومشروع ثم لا يشكره، فما بالك في علاقاتنا مع البعض، مع البعض الذين ينكرون المعروف بسرعة، مع الذين يقيسون الحقائق والأمور حسب مايريدون.
يحتاج الانسان بطبيعته وخصوصا المنجز الى ان يسمع كلمات الإعجاب والثناء عليه احيانا كثيرة، اكثر من حاجته للدعم المادي، ولا ابالغ ان قلت ان كلمة شكراً او حتى جزاك الله خيراً على ما قدمت، هي بمثابة الوقود الذي يشحن طاقات المبدعين بعد تحقيقهم كل نجاح او إنجاز، لكن المشكلة في الحقيقة هي ان البعض يستكثر هذه الكلمات البسيطة على غيره من منطلق غير اخلاقي، ذلك على اعتبار ان كلمات الثناء ربما تجعل منه إنسانا مغرورا، او على اعتبار ان هذا الشخص ما قام الا بواجبه فهو بالنهاية موظف يتسلم اجره مثلا.
والان ما اثر نشر ثقافة التقدير والتكريم على مؤسسات المجتمع من ناحية وعلى الأفراد من ناحية اخرى؟ نحن في أمسّ الحاجة الى إشاعة التقدير في مجتمعنا وفي كل مكان، في كافة مؤسسات الدولة حتى بين أفراد الاسرة الواحدة، فكلمات الثناء والعرفان لها اثر عجيب في نفخ روح الإبداع في نفوس الشباب الذين اعتادوا سنوات طوال الاعتماد الكلي على حكوماتهم في تحقيق الإنماء والتطور، التقدير خانق اليأس والاحباط درع تحفظ روح المجتمع وشبابه الطموح من ضربات رماح البيروقراطية والمحسوبية الادارية التي تحصل في كل مكان وكل مجال.
وعلى النقيض فان شيوع ثقافة الجحود والنكران يؤدي الى فقدان الثقة والانكفاء النرجسي بين أفراد المجتمع، فلا نتخيل لو ان مجتمعا ما او مؤسسة ما، تسند المهام الى غير أهلها وتهب المزايا والمكافآت التشجيعية الى موظفين لا يستحقونها ان ينتشر بها الفساد الى الحد الذي يجعل من النفاق والتزلف الوسيلة الاسهل بين منتسبيها لإظهار القدرات، الامر الذي يجعل الفتن والصراعات اُسلوب المنافسة بين أفراد المنشأة.
يقول فولتير «ان تقديرنا لدور وانجازات الآخرين يجعل نجاحهم ملكا لنا»، اننا حينما نصل الى درجة الإيمان بأن كل منا له امكاناته الخاصة ودوره المكمل في تحقيق قيمة مضافة للمجتمع ذلك امر يجبرنا بطيب واقتناع على احترام وتقدير طموحات وانجازات الآخرين، ذلك امر يغير نظرة أفراد المجتمع تجاه العمل من كونه سلعة يجنون منها المرتب اخر الشهر الى ميدان مجتمعي يحقق فيه قيمة مضافة للمجتمع قبل المؤسسة التي ينتمي لها، ذلك امر يصحح نظرة بعض أفراد المجتمع تجاه الاعمال النفعية المجتمعية من كونها منابر لتحقيق وجاهة اجتماعية الى ميدان انساني واجتماعي لمن يعمل بحب واخلاص يضيف فيه للوطن».
لكن تبقى هناك نقطة أسمى وأهم، لا يعرفها من ينتظر شكراً أو من يسعى لخلق تبعية لنفسه مع الحياة، وهي ان افتقادنا المقابل الذي نتوقعه من المجتمع لا يعني اننا لا نمتلك ما يستحق التكريم وافتقادنا لفهم الآخرين لنا لا يعني أبدا اننا نفتقد المعنى، فقد يحل سوء الفهم حتى لو كان الجميع على صواب، وقد يحصل الربح في وقت لا نسعى اليه، فأن نكون أوفياء ونحن في قمة قوتنا وتحقيقنا لذاتنا تلك أعظم مكافأة نقدمها لأنفسنا وضمائرنا.
* كاتب وإعلامي كويتي