مشهد / نافذة على الإعلام الإلكتروني

| u062f. u0632u064au0627u062f u0627u0644u0648u0647u0631 |
| د. زياد الوهر |
تصغير
تكبير
كان ولا يزال سلاح الإعلام هو أكثر الأسلحة فعالية وتأثيرا في الساحة الدولية، وقد أثبتت أحداث الربيع العربي ذلك بكل وضوح في ترجيح كفة أحد الأطراف على خصمه بسبب قدرته على تطويع الإعلام وخدمة أغراضه شريفة كانت أم خبيثة.

تَصّدر الإعلام الإلكتروني وفرض واقعا جديدا لا يختلف على دوره اثنان، وبخاصة الدور الفعال لوسائل التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل اليوتيوب والفيس بوك وتويتر وانستغرام، ولن أضيف جديدا حين أؤكد أهمية هذه الوسائل في حياتنا اليومية بعد أن أصبح كل منا يحمل وسائله الإعلامية في جيبه وهي رهن أصابعه وأفكاره فيضع فيها ما يضع لتجوب العالم في ثوان معدودات. كان دور الإعلام الإلكتروني كبيرا وعظيما في نقل الأحداث الجسام التي تمر على وطننا العربي الكبير، وفقد التلفزيون والصحف اليومية بريقهما الذي استمر لعقود وحل مكانهما هذا الضيف والذي استطاع أن يلغى القيود ويتجاوز الحدود وسمح للمواطن بالمشاركة بفعالية بعد أن كان دوره محصورا فقط في المشاهدة أو القراءة.

بعد هذه الثورة الإعلامية بدأت حكومات الدول محاولات مستميتة من أجل لجم هذا الفرس الجامح وتحديد فعاليته وضبط سلوكه من خلال فرض بعض القوانين المنظِّمة (في شكلها الظاهر) والمقيِّدة في حقيقتها، وقام المشرّعون والحقوقيون بتلمس الجوانب الإيجابية والسلبية في أي مشروع قانون ينظم الإعلام الإلكتروني مع طغيان «الحس الأمني» الذي فرض عليهم نوعا من القيود من أجل الخروج بصيغة توافق عليها السلطات التشريعية والتنفيذية.

ولا شك أن هذا الحس الأمني مطلوب وبشكل كبير بعد أن أدركت الدول فعالية هذا السلاح في محاربة كياناتها وتهديد أمنها واستقرارها. ولا يغيب عن ذهن القارئ كيف استطاع الكيان الصهيوني تجهيز جيش من المهندسين والفنيين من أجل مراقبة وسائل التواصل في العالم العربي والتأثير فيها من خلال نشر الأكاذيب وبث الإشاعات والشبهات واختلاق المشاكل وبأسماء عربية وهمية ليستطيع أن يسيطر على الفضاء كما يسيطر على الأرض.

أدركت وسائل الإعلام التقليدية أهمية هذا السلاح فاستعملته وبدأت في نشر أخبارها ومقالاتها وتعليقاتها على تويتر وفيس بوك في محاولة منها للحاق بالركب وعدم فقدان متابعيها وضمان متابعتهم وبفعالية.

وقد كان للكتاب المطبوع أيضا نصيب وافر من الضرر حيث بدأ القراء ينفرون من قراءة الكتب الورقية وتوجهوا للقراءة الإلكترونية والتي توفر لهم كل الكتب بنسخ مجانية أو بقيم رمزية، هذا بالإضافة إلى سهولة تحويلها للأصدقاء أو الزملاء من دون أي عناء يُذكَر.

وترتكز أي مؤسسة إعلامية في تمويلها عادة على التمويل الحكومي أو الخاص وبالتأكيد تشكل الإعلانات التجارية وإعلانات الوفاة والزواج مصدر دخل كبير يدر مبالغ خيالية لتلك المحطات والصحف، هذا الزحف التجاري بدأ يغزو أيضا شبكات التواصل الاجتماعية بشكل كبير لا تخطؤه العين والذي يستهدف ملاحقة الزبائن بأي وسيلة ممكنة لجني الأرباح وفق المتاح من وسائل التكنولوجيا الحديثة، بل وصل الأمر إلى أن العديد من المعارضين لحكوماتهم قد انطلقوا من هذه المنصات نحو خصومهم فأسقطوا بها العديد من الأنظمة من خلال حشد المناصرين لهم والمعارضين لسياسات هذا الحاكم أو ذاك مثل ما حصل في ربيعنا العربي في العام 2011.

وقد يأتي الوقت؛ وهو ليس ببعيد، عندما تتوقف معظم الصحف المطبوعة ليحل محلها الصحف الإلكترونية نظرا للكلفة العالية للورق والطباعة والأرشيف وتكاليف الجيش الجرار من الموظفين، بالإضافة إلى مبنى الصحيفة الضخم وأجهزة الطباعة وغيرها، بيد أن الصحف الإلكترونية تقدم كل ذلك بأقل كلفة وجهد. ولهذا سوف لن نرى الصناديق المعدنية على الأبواب وسنفتقد مندوبي الصحف وهم يتجولون فجرا بين البيوت والعمارت يوزعون صحفهم بكل همة ونشاط، وسينشأ جيل جديد لم يشاهد الصحف في حياته أبدا وتصبح هذه التجربة نسياً منسيا.

بزغ فجر التكنولوجيا وجلب معه الخير العميم ومضى زمن الصحف المطبوعة والمجلات التي بدأت تختفي هي الأخرى عن أرفف المكتبات إلا ما ندر، وعلينا أن ندرك؛ قبلنا أم لم نقبل أن التغيير سُنّة الله في خلقه ولا مفر منه ولن تعود عقارب الساعة أبدا للوراء حين كان رب الأسرة يرتشف قهوته الصباحية وهو يتصفح صحيفته كل صباح ويحوم حوله صغاره عابثين بأوراقها ومتطفلين، وسنفتقد صفحة الكلمات المتقاطعة التي يشارك فيها كل أفراد الأسرة، ولن تقرأ بعد ذلك «حظك اليوم» وبالتأكيد سوف لن تعاني من التخلص من تلك النسخة المطبوعة كما نعاني جميعا بسبب ما فيها من كلمات مثل لفظ الجلالة أو آيات من القرآن الكريم.

هذه دعوة لتقبّل هذا التطور السريع وعدم اعتراضه، فسوف لن يفلح أحدٌ في وقفه أو التقليل من سرعته وأتمنى أن نحسن استغلاله ونسخّره في خدمة الإنسان وتلبية احتياجاته وتيسير أموره، وأن ندير حملاتنا الإعلامية الإلكترونية بكل كفاءة واقتدار من أجل خدمة ديننا وقضايانا العادلة... وبكل لغات العالم.

خاطرة: يقول المثل الإنكليزي.. لن تستطيع اكتشاف محيطات جديدة إذا لم تكن لديك الجرأة لمغادرة الشاطئ.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي