مصر ... ليست في خطر

تصغير
تكبير
مصر جريحة في هذه الأيام. حادثة الطائرة الروسية عصفت بقطاع السياحة الذي يعتبر موردها الأول للعملة الصعبة. الروس وحدهم كانوا ثلث السائحين الأجانب بأكثر من 3 ملايين في 2014، يليهم البريطانيون بأكثر من نصف مليون. هؤلاء طاروا. العناصر الأخرى التي يستند إليها الاقتصاد المصري تعاني أيضا. سعر النفط منخفض، ويؤثر على عائدات البلاد من انتاجها الخاص، كما على المساعدات الخارجية التي تأتي في معظمها من دول الخليج التي قد لا تسمح ميزانياتها العمومية حاليا، بمثل المساعدات السخّية التي سبق أن قدمت إليها، فضلا عن ان هذا الانخفاض يضغط أيضا على تحويلات المغتربين المصريين الذين يعمل غالبيتهم في هذه الدول.

حتى يخفّف المصريون من وطأة هذه الكارثة، عليهم ان يتعاملوا بشفافية في قضية التحقيق في سقوط الطائرة، ومن ثم أن يتخذوا الإجراءات الأمنية الكفيلة بتبديد مخاوف السياح، ولا سيما في المطارات، لا أن يرفضوا ما استنتجته الدول الأخرى المعنية بأمن السياح، بداعي ان هناك من يسعى للنيل من مصر.


ليس في مصلحة مصر ان تنشر الصحافة الغربية، كما بدأت تفعل، مقارنات بين تعاملها مع حادثة هذه الطائرة، ومع كارثة الطائرة المصرية التي سقطت في البحر قبالة نيويورك في العام 1999، حين انسحبت من التحقيق المشترك مع الأميركيين ورفضت ما خلص إليه التحقيق من ان مساعد الطيّار المصري جميل البطوطي «توكّل» وأسقط الطائرة عمدا. كما لا تعالج القضية بإجراء تحدٍ مثل ترقية مدير مطار شرم الشيخ الذي اتخذ بعد الحادث، بمعزل عن أحقية الرجل من عدمها.

صحيح أن هناك من يسعى للنيل من مصر، ولكن ليس من خلال إجلاء رعايا هذه الدولة أو تلك، ولا من خلال وقف هذه الشركة أو تلك رحلاتها. النيل من مصر كان عندما بايع قطّاع الطرق في شبه جزيرة سيناء الذين يعتاشون منذ عقود على التهريب والنهب والقتل، هذا الاختراع الذي اسمه «داعش». والأدهى أن الأمن على الجانب الإسرائيلي من الحدود الطويلة مع شبه الجزيرة، من إيلات إلى غزة، متوافر في وجودهم بدرجة قد لا يتوافر فيها في أماكن داخل إسرائيل نفسها، إما لأنهم متواطئون مع إسرائيل، وإما لأنهم لا يجرؤون على إلحاق الأذى بها.

الغرب لا يتساهل في أمور تتعلق بأمن مواطنيه. وإذا كانوا في دولة عربية، فإنه أدعى لأن يتصرف بحزم أكثر، خصوصا أننا نحن العرب لا نعرف كيف نتعامل معه بمنطق المصلحة بالمصلحة، وينتهي بنا الأمر دائما بأن نؤكل لحما ونُرمى عظما. ولهذا تصرف البريطانيون بضيق، ولم يحتملوا أن الطاقة الاستيعابية لمطار شرم الشيخ قد لا تسمح بإجلاء رعاياهم بالسرعة التي يريدونها، لا سيما وان إجراءاتهم الأمنية تقضي بإجلاء الركاب بشكل منفصل عن الحقائب.

مصر جريحة، لكنها ليست في خطر، لسبب بسيط هو أن شعبها الذي يرفض بطبيعته التطرف، ليس لديه خيار سوى الاستمرار في مكافحة هذا الإرهاب، الذي يحاربه في لقمة عيشه كما في أمنه، والعودة إلى الوراء ليست واردة بالنسبة إليه. وسبق لمصر ان نجحت في وقف الإرهاب إلى حد كبير في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، لكن الكلفة هذه المرة ستكون أعلى بكثير، لأن البيئة في مجمل منطقة الشرق الأوسط لا تساعد. فالسلاح موجود، وعدوى التطرف تنتشر بسرعة كبيرة، والمال الذي لا يتوافر للتنمية، متاح لشراء السلاح وتمويل الإرهاب.

من الخطأ، في المقابل، الاكتفاء بتصعيد العمل العسكري ضد الإرهاب. فهذا وحده لا يأتي بنتيجة. يجب عزل الإرهاب من خلال الحوار أولا، مع كل من يمكن معهم الحوار، أي الذين لا يؤيدون العنف، لا إقصاءهم ودفعهم دفعا إلى حضن الإرهابيين.

الانتخابات النيابية الأخيرة التي اختتمت بها خارطة الطريق، لم تكن خطوة موفقة كثيرا على طريق الاستيعاب، كنقيض للإقصاء. هكذا تقول المشاركة الضعيفة جدا في الاقتراع، وهكذا تقول النتيجة التي أعادت انتاج مجلس عهد حسني مبارك ... من دون بعض الرموز.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي