من زاوية أخرى

الحالة الكويتية المتفردة

تصغير
تكبير
في سلوك أضحى مألوفاً لدى مؤسسات الدولة، رضخت وزارة التربية لضغوط «تويترية» شعبية، لتعلن عن عطلة دراسية لطلبة المدارس صبيحة يوم الأربعاء الماضي، في ما كان الطقس يستقر والشمس تشرق بعد ليلة شهدت هطولات متفرقة للأمطار، فخرج وكيل الوزارة صبيحة اليوم المذكور في اتصال هاتفي مع تلفزيون الكويت ليعلن تعطيل المدارس، ثم يكتمل المشهد بإعلان الوزير نفسه مساء ذلك اليوم عن عطلة في اليوم التالي، الخميس، في ما كان الجو صحواً من اليوم السابق، ليصبح تعطيل المدارس ظاهرة تستحق الدراسة والبحث عن حل لها.

ولعل ما يؤكد أن التعطيل لم يكن له ما يبرره- إذا استثنينا بعض الحالات القليلة جدا التي تمثلت في تجمع المياه داخل مدارس لا يكاد عددها يتجاوز أصابع اليد الواحدة- فالطلبة صبيحة يوم الأربعاء كانوا قد توجهوا لمدارسهم، رغم الحملة الكبيرة التي شهدتها مواقع التواصل لدفع الوزارة نحو إعلان العطلة، ولما «رضخت» وأعلنت العطلة كانت البهجة عاملا مشتركا بين الطلبة الذين غيروا وجهتهم عن المدارس ويمموا شطر المجمعات التجارية ليقضوا فيها وقتهم الذي أصبح ضائعا.


ولعل ما يلخص المثل الشعبي «شر البلية ما يضحك» ما انتشر على مواقع التواصل من تغريدة تقول «على جميع المعلمين والإدارات المدرسية التوجه إلى الأفنيوز ومجمع 360 لمتابعة أبنائهم الطلبة»! ليؤكد هذا الامر أن مبررات الوزارة التي ذكرتها لإعلان العطلة بتلافي الاختناقات المرورية، كانت واهية ولا أصل لها، فالاختناقات- وفق رؤيتها- كانت قد حدثت إذا كان المطر سيسببها، قبل إعلان العطلة. فالناس تخرج من بيوتها لإيصال أبنائهم إلى المدارس قبل الساعة السابعة فيما كان الإعلان عن العطلة بعدها، ثم مبرر الوزير لعطلة الخميس بتحذيرات الأرصاد الجوية كذبته الشمس التي أشرقت صافية وجو اليوم كان رائقا لم يعكره سوى عدم وجود حركة فيه.

وتضامنا مع المدارس شهدت دوائر الدولة الأخرى حركة غيابات كبيرة، فكانت الصور القادمة من مجمع الوزارات تؤكد أنه في عطلة، إذ انعدمت الحركة فيه.

وإذا كانت بعض الدول تعطل بسبب المطر، فإن التفرد الكويتي في موضوع تعطيل المدارس أنه يكون على حساب العملية التعليمية، التي لم تكد تبدأ هذا العام حتى ضربتها العطل المتوالية، بدءا بعطلة عيد الأضحى التي أكلت من الأسبوع السابق ثلاثة أيام ومن الأسبوع اللاحق يومين، مرورا بعطلة رأس السنة الهجرية التي كانت الأربعاء فأخذت معها الخميس، وصول إلى عطلة «عيد المطر» التي أكلت الأربعاء والخميس ولا ندري إن كانت ستأكل أياما أخرى لاحقة، في ما المناهج والكتب تندب حظها، وخطة التعليم أصبحت «في خبر كان» بينما اختبارات الفترة الأولى ستبدأ الخميس المقبل، والطلبة لم يستقروا على مقاعدهم، فأي اختبارات تلك التي ستجرى؟ وماذا سيكون مطلوبا من الطلبة في المنهج بعدما مزقت العطلة دوامهم؟ وهل سيتم حذف دروس كانت مقررة لهم؟ وفي كل الأحوال فإن اختبارات الفترة ستكون «ممسوخة» وسيكون التقويم تقديريا لن يعتمد على أي أسس علمية للمعلمين والمعلمات، لأنهم لم يأخذوا فرصتهم كاملة في عملية التعليم والتقويم، وكل ذلك يصب في مصلحة الطالب من حيث النتيجة لا العلم، ومن المؤكد أنه لن يكون هناك أي تعويض للأيام الضائعة في ما بعد، فما يمضي ينتهي في وقته ولا عودة له، وستأتي التعليمات للمدارس والمعلمين بأن يؤقلموا المنهج والموضوعات المقررة مع الفترة المتبقية، وعندها ستكون العملية التعليمية أقرب إلى «الكروتة» منها إلى الأسس العلمية التي بنيت عليها!

لا شك أن السياسة التعليمية في البلاد تحتاج إلى إعادة نظر، ليس من قبيل المناهج وصلتها بالإرهاب كما يروج البعض الذي يدعو لتنقيحها، رغم خلوها من كل التهم الباطلة، ولكن في ما يتعلق بالتعليم، بدءا من أيام الدوام التي تتناقص عاما بعد عام، مرورا بالخطة التعليمية ومدى استيفاء الخطة للمادة العلمية، وصولا إلى الاختبارات من حيث توقيتاتها وطريقتها ومضامينها، وأعتقد أن ذلك يستدعي إقامة ورش عمل وندوات ودراسات يشارك فيها متخصصون من وزارة التربية ووزارة التعليم العالي، وحتى من وزارات الدولة الأخرى كوزارة التخطيط ووزارة الشباب، لعلنا نستدرك واقعنا التعليمي، ونوقف انحداره نحو الحضيض.

h.alasidan@hotmail.com

@Dr_alasidan
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي