وجهة نظر / أسعار النفط المرتفعة... إلى أين؟
من المعروف أن قطاع النفط في الدول المنتجة يمثل عصب الحياة وشريانها الاقتصادي وتعد منتجاته من السلع الاستراتيجية الأولى التي لها تأثير عالمي سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية.
لذا فمن الطبيعي أن تشغل أخبار أسعار النفط اهتمام الأوساط الدولية من مستهلكين ومنتجين وصناع قرار ورجال المال والأعمال، فالنفط له أدواره التاريخية في الحياة الاقتصادية التي تلعب دوراً أساسياً في نمو اقتصادات العديد من الدول المستهلكة و المنتجة على السواء، فبالنسبة للدول المنتجة فقد ساهمت أسعاره وعوائد بيع منتجاته في تكوين أموال هائلة تم استخدامها في إقامة مشروعات اقتصادية ذات البنية التحتية مثل مشروعات البنية الأساسية والمرافق والمطارات ما ساهم في إحداث طفرة في التنمية الاقتصادية لهذه الدول، أما الدول المستهلكة وهي الدول الصناعية فقد لعب فيها النفط دوراً بالغ الأهمية في تحقيق نهضة صناعية شاملة وضعتها في مصاف القوى الاقتصادية العالمية والمتابع لحركة أسعار النفط العالمي في الوقت الحالي، يلاحظ أن الأسعار تتجه تصاعدياً نحو الزيادة، فلم يكن يتوقع أحد أن يتجاوز سعر البرميل حاجز 133دولارا بل إن أساتذة الاقتصاد لم يكن يدور في خاطرهم أن تصل الأسعار إلى هذا الحد، ولم يكن أكثر المتشائمين يتصور أن تتخطى الأسعار حاجز المئة دولار، فمن المعروف أن أسعار البترول تكون مجزية جداً للمنتج والمستهلك على السواء عند سعر 75 دولاراً للبرميل. وفي خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام الحالي قفزت أسعار النفط بمعدل 28 في المئة من أسعاره في العام الماضي حيث بلغ سعر برميل النفط العربي الخفيف نحو 125.64 دولار وتجاوز الخام الأميركي 126 دولاراً وتجاوز خام برنت 133 دولاراً. وهناك بعض التقارير التي تشير إلى أن سعر النفط في فترة قصيرة يمكن أن يصل إلى 150 دولاراً إذا ما أخذنا في الحسبان نسبة الزيادة الحادثة في السعر خلال الثلاثة أشهر الماضية التي تجاوزت 25 في المئة.
ومن هنا يأتي التساؤل الذي يفرض نفسه حول ما الأسباب التي تقف وراء ارتفاع أسعار النفط بهذه الصورة؟
وللإجابة على هذا التساؤل سوف نستعرض بعض العوامل التي ساعدت على حدوث ارتفاع أسعار النفط ومنها، زيادة الطلب الحالي على النفط من جانب الدول الصناعية المستهلكة فمن المعروف أن سوق البترول يقوم على قاعدة اقتصادية مهمة هي العرض والطلب اما الطلب فزيادته على النفط أدت إلى ارتفاع أسعار البترول حتى وصل سعر الخام إلى حوالي 125.64 دولار وهذا يتطلب دفع جانب العرض للزيادة وهناك ضغوط كبيرة جداً تمارس من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الدول المنتجة للبترول لزيادة إنتاجها لمواجهة الزيادة في الطلب والضغط على السوق حتى تنخفض الأسعار لأنه من المتوقع أن يزيد الطلب العالمي على النفط بمقدار 290 ألف برميل يومياً لتصل الزيادة السنوية في الطلب إلى 1.8 مليون برميل يومياً.
وتأتي زيادة النمو الاقتصادي في الصين من أهم أسباب ارتفاع أسعار النفط حيث بلغت معدلات نمو الاقتصاد الصيني في المتوسط حوالي 8 في المئة ما يعني طلب كميات مضاعفة من النفط ومن المتوقع أن يزيد الطلب الصيني على البترول بنسبة قد تصل إلى 33 في المئة ومن الأسباب أيضاً عدم قُدرة مصافي النفط العالمية على الوفاء بمتطلبات المستهلكين المتزايدة. كما أن تأخر فصل الشتاء أدى إلى انخفاض مخزون المشتقات النفطية خصوصا وقود التدفئة.
ومن الأسباب الأخرى التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، زيادة عمليات المضاربة في الأسواق العالمية للبترول من قبل المضاربين فمن المعروف أن البترول يمثل مصدراً مهما للدخل بالنسبة إلى القطاعين العام والخاص في الاقتصاد الغربي، وهو ما تعكسه عمليات المضاربة على هذه السلعة في أسواق الطاقة وأسواق الأوراق المالية، كما أن سياسات الإنتاج المتبعة في دول الأوبك (OPEC) من زيادة وتخفيض تساهم في رفع الأسعار.
أما عن أثر ارتفاع أسعار النفط على الدول المنتجة فيمكننا القول ان ارتفاع الأسعار قد يكون له تأثيرات إيجابية على الدول المنتجة في المدى القصير وسلبية على المدى الطويل، وخير شاهد على ذلك ما حدث في السبعينات حيث استمرت أسعار النفط بالارتفاع لمدة تسع سنوات حتى تجاوزت 40 دولاراً للبرميل وذلك بعد بداية الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980 وكان لهذا الارتفاع أثر إيجابي وسميت تلك الفترة بـ (سنوات الطفرة) وأدت هذه الأسعار إلى إجبار الدول المستهلكة على اتباع سياسات تقشفية وسياسات أخرى مثل تشجيع المصادر البديلة والاعتماد على التكنولوجيا البديلة مما أدى إلى انخفاض الطلب على النفط بشكل عام ونفط الشرق الأوسط بشكل خاص فزاد المعروض وانخفضت الأسعار. ولكن في الوقت الحالي يلاحظ أنه حتى مع زيادة الإنتاج فإن الأسعار في ارتفاع.
أما عن جهود منظمة الأوبك (OPEC) في هذا الشأن فنجد أنها لا تملك الطاقة الإنتاجية الكافية لزيادة حصص الإنتاج وبالرغم من ذلك فقد واصلت إنتاجها إلى 29 مليون برميل يوميا متجاوزة بذلك معدلات إنتاجها في نفس الوقت من العام الماضي بـ 350 ألف برميل في اليوم، وبمعدل زيادة في السنة الماضية بلغ 1.2 في المئة.
كما تجدر الإشارة إلى جهود المملكة العربية السعودية في هذا الشأن باعتبارها من أكبر الدول إنتاجاً للبترول في العالم كما أنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي يشكــل أكثر من 25 في المئة من الاحتياطي العالمي ويبلغ حجم إنتاجها اليومي 10.5 مليون برميل، حيث أعلنت المملكة أنها تسعى حالياً إلى رفع طاقة الإنتاج إلى 12.5 مليون برميل يومياً خلال الفترة من 2006 إلى 2009م كما قامت ببناء طاقة إنتاجية عالية تنتج أكثر من مليوني برميل يومياً غير مستغلة لمواجهة نقص الإمدادات كما قامت بالمشاركة في محطات تكرير البترول في الأسواق الرئيسية وبناء أسطول ناقلات ضخم لغرض ضمان استمرار تدفق الزيت إلى تلك الأسواق وبذلك تظل المملكة ملتزمة بالوفاء بحاجة السوق كما كانت ملتزمة في السابق وهناك جهود مكثفة لحث الدول الأعضاء في أوبك على رفع سقف الإنتاج لمواجهة أزمة ارتفاع الأسعار.
وفي ظل هذه الظروف يجب أن نعي جيداً أن سعر النفط المنخفض يؤثر على إيرادات الدول المنتجة مما يؤدي إلى إعاقة فرص التنمية خاصة في مراحل الصناعة البترولية وهذا بالطبع سيؤثر على سلامة وأمن الإمدادات كما أن السعر المرتفع يؤثر على اقتصاديات الدول المستهلكة وعلى نمو الطلب العالمي لذا فإن التغييرات الحادة في الأسعار لا تخدم على الإطلاق الدول المنتجة أو المستهلكة ولا الاقتصاد العالمي ككل مما يستدعي تكاتف الجهود لتحقيق الاستقرار في السوق البترولية.
* خبير وأكاديمي سعودي