ماذا يجري في منطقة عبدالله المبارك اليوم؟ استنفار منظم بكل ما تعني الكلمة من معنى، ابتداء من التوجه إلى صفحات الجرائد وبصورة دورية لنشر وثائق فيها الكثير من اللبس والكيدية، يرافقه عمل دؤوب في استثمار عريضة احتجاج موقعة من عشرات المواطنين أُعدّت لاستخدامها في وزارة الأوقاف والمجلس البلدي والقطاع النفطي، وأخيراً التوجه إلى المحاكم ورفع دعوى قضائية بصفة الاستعجال، ذلك كله بهدف الحيلولة دون بناء مسجد هناك للمواطنين الشيعة يحمل اسم الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)!، هذا المسجد الذي حصل على تولي ترخيص بنائه الدكتور حسن جوهر بأمر من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد لخدمة مئات العوائل والأسر هناك، واضطرت وزارة الأوقاف ومعها المجلس البلدي إلى تخصيص الأرض خارج تنظيم الهيئة العامة للإسكان مراعاة للحساسية بين الناس والتي، وللأسف الشديد، باتت ثقافة استشرت في أوساط الغلاة.
منطقة مبارك العبدالله المقسّمة إلى تسع قطع تحتوي على أكثر من خمسة آلاف وحدة سكنية، يتوزع، بينها أكثر من ثلاثين مسجداً تخدم المواطنين السنّة، إضافة إلى مسجد غير مرخص بني من «الجينكو» على أطراف المنطقة، بينما لا يوجد أي صرح ليخدم أكثر من ثلث سكان المنطقة من المواطنين الشيعة سوى مسجد الصديقة فاطمة الزهراء. هذه المعلومات نفيدها للوقوف على حيثية غاية في الأهمية وهي حال الشعور التي تنتاب مئات الأسر الشيعية من أبناء المنطقة، حين يتم استهداف مسجدهم الوحيد بتلك الصورة التي لا يمكن إلا أن تمس روح التعايش الإيجابي بين الناس بمختلف طوائفهم وتعدد مشاربهم!
وما يؤسف أن تكون مبرّرات الاستهداف غير مستساغة عقلاً، وغير مقبولة منطقاً، ولا يقرّها القانون الذي قنّن مبدأ التعددية وجاء لحماية الأقليات وصون معتقداتهم وحفظ حقهم في عبادة الله تعالى التزاماً باجتهادات علمائهم وفقهائهم. تبريرات تبدأ أولها بالخوف على المواطنين الشيعة الذين سيصلون في مسجد قريب من خط أنبوب نفطي، في وقت يمر الخط النفطي نفسه قرب وحدات سكنية في القطعة 9 ولم يحتج أحد على ذلك! ناهيك عن الوحدات السكنية الكثيرة المنتشرة في معظم أنحاء الكويت والقريبة من أنابيب نفطية!، ولا أعرف في الحقيقة سبب هذا الحرص كله على حياة المصلين الشيعة والاستماتة في إيقاف بناء مسجدهم لهذا السبب!
وثاني هذه التبريرات احتجاجهم على العنوان الذي نَسَبَ المسجد إلى القطعة 6، بينما هو واقع في الأراضي المقابلة لها! وأتساءل هنا: هل يعقل هذا الاستنفار كله والسعي إلى إيقاف بناء هذا المسجد والاتجاه لرفع دعوى قضائية ضده لهذا السبب، وهل هؤلاء الموقّعون على العريضة بهذا الحرص على التزام الدولة تطبيق خرائط تنظيم المناطق والمدن وعناوين كل منشأة فيها، وإن كان الأمر كذلك، فلماذا لم يحركوا ساكناً باتجاه المنشآت الأخرى المحيطة بالمنطقة ومنها مسجد «الجينكو» غير المرخص وغيره؟ وما يلفت أن بقية التبريرات كلها تعيش تناقضات صارخة وفيها كيل بمكيالين كالاحتجاج على كبر حجم ومساحة المسجد المستهدف بوجود مساجد أكبر منه حجماً ومساحة في المنطقة نفسها! وكتخوفهم من أنه قد يخلق «الزحمة»! في وقت يعرف سكان المنطقة كم تسبب الزحمة في بقية المساجد التي بنيت بين المساكن نفسها!
إنها فتنة أشعلت المنطقة بأسرها، وكم كنا نتمنى من الأخوة موقعي عريضة الاحتجاج أن يكونوا أكثر حكمة في التعاطي مع مسألة غاية في الحساسية كتلك، خصوصاً أن منطقة عبدالله المبارك تعتبر من المناطق النموذجية التي عوّل عليها الكثيرون من المواطنين بأنها ستكون مثالاً للتعايش الإيجابي بين المواطنين حيث تقارب الفئة العمرية بين السكان وتمثيلهم للطبقة الناضجة والعاقلة التي يعول عليها في التغيير والتطوير. وكم كنا نتمنى لو امتدت الأيادي في جلسات حوار مع المتولي نفسه للحديث بروح المصلحة الواحدة، بعيداً عن خلق روح التوتر والتشنج الذي حصل، وللأسف الشديد، اليوم. والله من وراء القصد.
د. سامي ناصر خليفة
أكاديمي كويتي
[email protected]