28 أغسطس 2008
12:00 ص
615
خلاصة قول «الفطام» هذا يمكن أن يكون عنوانه: «العودة إلى الشركات» ولكن كيف؟ هذا ما يحتاج توضيحاً وشرحاً في إطار مناقشتي المستمرة منذ أيام لطبيعة علاقة الدولة بالرأسمالية.
إن الكثيرين من رجال الأعمال، خاصة أولئك الذين تشابكوا مع الحياة السياسية، يتكلمون عن ضرورة أن توجد قواعد قانونية حاسمة، فاصلة ما بين العام والخاص... على الأقل لكي تحميهم تلك القواعد هم أنفسهم من الاتهامات التي توجه إليهم، وتتناثر حولهم في وسائل الإعلام والأوساط السياسية.
وإذا كان هذا ليس مطلبهم فقط وإنما هو مطلب عام أيضاً، خاصة بعد انضمام عدد لا بأس به من رموز القطاع الخاص إلى الحكومة والبرلمان والحياة الحزبية، فإن على الدولة أن تستجيب.
الصحيح بالطبع أن هناك قوانين واضحة، وقواعد لا تقبل الشك، وهي تضع أطرا قادرة على أن تفصل بين العام والخاص. والصحيح بالطبع، أيضاً، أن الدولة لا تحقق نفعاً شخصياً لمسؤوليها من هذه الاستعانة بكوادر القطاع الخاص في مؤسساتها. والصحيح ثالثاً أنه ليس من المنطقي أن تبقى الحياة العامة مغلقة الأبواب أمام الاستعانة بخبرات ناجحة عديدة في هذا القطاع لأن من حق الدولة أن تستثمر جميع طاقات المجتمع.
هذه الصحائح الثلاث تمثل جانباً، ولكن الصحيح الرابع من جانب آخر أن التقولات صارت واسعة النطاق، والشائعات التي لا تعبر عن أي واقع أو حقيقة تضرب الآفاق، وقد تُركت حتى تضخمت وهناك أصحاب مصالح يغذونها إلى أن يقتنعوا بها ويحولوها إلى حصانات وهمية، ومن ثم وجب أن يتم اتخاذ إجراء أكثر وضوحاً لفرض النزاهة المؤكدة ووأد تلك الإشاعات.
إن هذه الإشاعات لا تضر المجتمع السياسي، وتقول عليه بما ليس فيه فحسب، وإنما أيضاً تضر الرأسماليين المصريين الذين تعبوا وكدّوا وحققوا نجاحات متوالية من خلال جهدهم الحقيقي وليس من خلال ما تنسبه لهم الإشاعات.
وإذا كانت هناك قواعد واضحة في القانون فلابد أن تُفَعَّل بإيجابية، وإذا كانت هذه القواعد قاصرة فليتم اتخاذ إجراءات لكي تلتئم ثغراتها، ومن ثم على كل من يعمل في القطاع الخاص ويريد أن يشارك في الحياة العامة أن يقبل الفصل العلني بين موقعه العام وبين مؤسساته الخاصة، وأن يترك مهامه بوضوح شديد وصريح وأن تطبق عليه قوانين متعارف عليها في العالم الرأسمالي تسمى «البليند ترست»، أي أن يترك إدارة تلك الشؤون الخاصة لمن لا علاقه لهم على الإطلاق بالشأن العام.
هذا سيكون لصالح القطاع الخاص ولصالح العمل العام، وسوف يضمن أن تجتذب الحياة العامة الراغبين من القطاع الخاص بإخلاص في أن يقدموا من وقتهم وجهدهم وخبرتهم لصالح بلدهم أو مايؤمنون به، كما أنه سوف يقضي على ركام من الإشاعات التي كادت أن تخنق من أطلقوها وتسيء لقواعد التنافس، وتشوه مناخ السوق.
إن الحل ببساطة، بخلاف هذا الفصل بين السياسي والخاص لحظة تولي الخاص لموقع عام، هو أن تتحقق العودة للشركات، وتلك العودة لها معنيان.
الأول: أن يصر الأفراد في القطاع الخاص على تحويل أعمالهم إلى مؤسسات، أي شركات، لا تقوم على الطبيعة الفردية وإنما تستند إلى الطبيعة المؤسسية المتكاملة التي تطبق فيها معايير الحوكمة، شفافية، ومحاسبية، والتزاماً داخلياً بالقواعد المتعارف عليها في الشركات، وخارجياً بالقوانين المطبقة في جميع الدول.
مؤسسات لا تهتز حين يتعرض قائدها إلى أي مشكلة، لا تقع إذا ما أصيب مالكها بنزلة برد، أو واجه مأزقاً من أي نوع، وتعتمد على أصولها، وليس على مواقفه الشخصية، وتخضع إلى وزنها المالي وليس إلى تفاعلاته الاجتماعية والسياسية، على قدرة موظفيها وإنتاجهم وليس على مدى اعتلال الملياردير الذي كونها.
والمعنى الثاني لفكرة العودة للشركات يتعلق بمعنى الرجوع أي إنه إذا لم يكن الملياردير بقادر على أن تطبق عليه معايير الفصل بين العام والخاص إذا ما تولى منصباً عاماً فإن عليه أن يترك الحياة العامة ويعود إلى شركته حراً مختارا لقراره.
غير أن هذا التطوير في العلاقة بين رجال الأعمال والرأسمالية عموماً وبين الدولة «الذي أسميه فطاماً» له زاوية أخرى وأخيرة، ولهذا سوف أكمل غداً.
عبدالله كمال
رئيس تحرير «روزاليوسف» ومستشار «الراي» بالقاهرة