وفاة الكاتب الروسي الكسندر سولجينتسين وزوجته ناتالي تصف حياته بـ «الصعبة والسعيدة»

تصغير
تكبير
موسكو، باريس، برلين - ا ف ب، د ب ا - توفي الكاتب الروسي الكسندر سولجينتسين، رمز معارضة النظام السوفياتي وصاحب الضمير الاخلاقي والمجهودات العظيمة في تصوير فظائع معتقلات القمع في عهد جوزف ستالين، ليل الاحد - الاثنين في منزله في موسكو.

وقال ستيفان، نجل حائز جائزة نوبل للادب ستيفان، ان والده البالغ من العمر 89 عاما، توفي نتيجة ازمة قلبية في الساعة 19.45 بتوقيت غرينتش.


وقالت ناتاليا سولجينتسين زوجة الروائي والمؤرخ الكبير، «عمل كعادته طيلة أمس وفي المساء شعر بأنه ليس على ما يرام». وأضافت: «كان يأمل في أن يموت في الصيف وها هو يموت في الصيف. كان يأمل في أن يموت في المنزل وها هو يموت في المنزل... عاش الكسندر سولجينتسين حياة صعبة، لكنها كانت سعيدة».

واعلن مسؤول في بطريركية موسكو، ان سولجينتسين سيوارى الثرى غدا في مقبرة دير دونسكوي في موسكو. وقال نيكولاي بالاشوف «ان الكسندر سولجينتسين اختار بنفسه في حياته هذا المكان». واضاف ان «بطريرك موسكو وعموم روسيا الكسي الثاني حفظ للكاتب بناء على طلبه مكانا في مقبرة دير دونسكوي».

ولم يكن سولجينتسين يظهر علنا الا نادرا، وكان التلفزيون يعرض صوره اثناء استقبال ضيوفه في منزله شمال غربي موسكو على كرسي متحرك.

واعلنت الناطقة باسم الرئاسة ناتاليا تيماكوفا، ان الرئيس ديمتري مدفيديف قدم تعازيه لعائلة الاديب.

حاز سولجينتسين على جائزة نوبل للادب في 1970 عن اعماله التي كشف فيها واقع معسكرات العمل في ظل النظام السوفياتي من خلال مؤلفاته «يوم في حياة ايفان دينيسوفيتش»، و«الدائرة الاولى»، و«ارخبيل الغولاغ». وقال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، امس، تعقيبا على وفاة سولجينتسين، ان غيابه «خسارة كبيرة لعموم روسيا»، مشيدا بالتزامه «مثل العدالة». وتابع: «سنتذكره كشخصية قوية شجاعة وجليلة». كما اشاد بالتزامه «مثل الحرية والعدالة والانسانية».

ووصف الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيوف، الكاتب الراحل، بـ «رجل عرف مصيرا فريدا» وكان من اوائل المنددين «بصوت عال بالطابع اللاإنساني للنظام الستاليني».

وقال مهندس «البريسترويكا»، ان «الكسندر سولجينتسين اجتاز محنا صعبة على غرار الملايين من مواطني البلاد». واضاف: «كان من اوائل المتحدثين بصوت عال عن الطابع اللاإنساني للنظام الستاليني ومن اوائل الذين عرفوه لكنهم لم ينكسروا».

ووجه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، التحية لذكرى الكاتب، وقال انه «احد اكبر الضمائر الروسية في القرن العشرين».

وتابع ان سولجينتسين «المولود بعد عام من الثورة الروسية، جسد «المعارضة»، طيلة سنوات الرعب السوفياتي الطوال». واضاف: «الكسندر سولجينتسين هو الذي فتح اعين العالم على حقيقة النظام السوفياتي عندما اعطى تجربته بعدا عالميا».

وقال ان سولجنيتسين «رفض مغادرة بلاده حتى يتمكن من فضح ممارسات السلطة بصورة افضل، فنشر مخاطرا بحياته «جناح مرضى السرطان» ثم «ارخبيل الغولاق» اللذين شكلا مقاومة للقمع». واعتبر ان «تصميمه ومثاليته وحياته المديدة والمضطربة تجعل من الكسندر سولجينتسين وريثا لدوستويفسكي. انه ينتمي الى كبار الادباء العالميين. اني اوجه التحية الى ذكراه».

ونعت المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل، سولجينتسين، ووصفته بأنه «أديب عظيم ومواطن له هدف».

وأرسلت ميركل ببرقية عزاء لمدفيديف، أكدت فيها أن الحكومة الالمانية ستظل تحمل ذكرى طيبة لسولجينتسين.

وقد لعب الكاتب سولجينتسين، دورا تاريخيا من خلال كشفه للروس وللعالم اجمع الجانب اللاإنساني لمعسكرات الاعتقال السوفياتية، التي سماها «ارخبيل الغولاغ».

فهذا الكاتب الذي يبدو بلحيته الطويلة اشبه بكبار مفكري القرن التاسع عشر، والوطني بامتياز الذي يملك من القوة التنبؤية والتصميم والصلابة ما يقربه من كتاب امثال دوستويفسكي، كرس حياته لمحاربة التوتاليتارية الشيوعية.

ولد في 11 ديسمبر 1918 في القوقاز واعتنق المثل الثورية للنظام الناشيء ودرس الرياضيات. حارب بشجاعة ضد القوات الالمانية التي هاجمت روسيا في 1941. لكن العام 1945 حكم عليه بقضاء ثماني سنوات في معسكر اعتقال بعدما انتقد كفاءات ستالين الحربية في رسالة الى احد اصدقائه.

الا ان التجربة طبعته الى الابد وجعلته يسلك طريقا استثنائيا. فبعد ما افرج عنه في 1953 قبل بضعة اسابيع من وفاة ستالين نفي الى آسيا الوسطى حيث بدأ الكتابة، ثم عاد الى الجزء الاوروبي من بلاده الشاسعة ليصبح مدرسا في ريازان على بعد 200 كيلومتر من موسكو.

واعطى القائد السوفياتي الجديد نيكيتا خروتشيف، الضؤ الاخضر لنشر «يوم من حياة ايفان دنيسوفيتش» في المجلة الادبية «نوفي مير»، وهي رواية حول معتقل عادي في الغولاغ نشرت في 18 نوفمبر 1962. وبصدور هذا النص، حطم الكاتب احد المحرمات فعمت الصدمة الاتحاد السوفياتي، واهتزت الاوساط المؤيدة للسوفيات في العالم اجمع، وشعر ملايين الاشخاص الذين قضوا فترات في معسكرات اعتقال، بانه تم تحريرهم مرة ثانية.

لكن جو الانفراج الذي سمح به خروتشيف لم يدم طويلا، خلافا لمعسكرات الاعتقال الذي استمر وجودها.

وواصل سولجينتسين الكتابة لكن روايتيه «جناح المصابين بالسرطان» ثم «الدائرة الاولى» لم توزعا الا عبر الشبكة السرية التي كانت تروج لاعمال منشقين سوفيات وفي الخارج حيث حققتا نجاحا كبيرا.

وكان الكاتب لا يزال في تلك الفترة يحظى بالحماية بفعل مكانته، لكن عندما نال جائزة نوبل للاداب في العام 1970 عدل عن الذهاب الى ستوكهولم لتسلمها، خشية عدم التمكن من العودة الى الاتحاد السوفياتي في ظل حكم ليونيد بريجينيف.

وبين ضغوط اجهزة الاستخبارات (كي جي بي) وصعوبات مهمته، بقي الكاتب على حدة اطباعه ومواقفه وانتهى زواجه الاول الى الطلاق.

وانهى سولجينتسين في تلك الفترة كتابة أهم مؤلفاته «ارخبيل الغولاغ»، وهو عمل تاريخي ادبي حول معسكرات الاعتقال نشر في باريس في السبعينات، ولقي من جديد اصداء مدوية في العالم باسره. وهذا ما دفع الكرملين والاتحاد السوفياتي الى ابعاد المواطن سولجينتسين الى الغرب، فعاش اولا في سويسرا ثم اقام في الولايات المتحدة، في فرمونت.

واكتشف الغرب عندئذ، ان الرجل الذي جعل موسكو ترتعد هو في الواقع محافظ متشدد متمسك بانتمائه السلافي، وغالبا ما انتقد في شدة مجتمعه الاستهلاكي.

في 1994 عاد سولجينتسين الى روسيا الجديدة، لكنه ظل متشائما في الغالب وقد وجد صعوبة في الاندماج في الواقع الجديد لحقبة ما بعد الشيوعية، حتى وان عبر عن وجهات نظر يتشاطرها مع مواطنيه اذ طالب بعقوبة الاعدام للارهابيين وأيد تدخل الجيش في الشيشان.

قلده بوتين في 2007 جائزة الدولة الروسية الارفع شأنا. وقال حينها، «في آخر ايامي، آمل ان تشكل المادة التاريخية التي جمعتها جزءا من وعي وذاكرة مواطني». واضاف: «تجربتنا الوطنية المريرة ستساعدنا، في حال تعرضنا لظروف اجتماعية مضطربة، في تفادي التعرض لاخفاقات مؤلمة».

عبر سولجينتسين عن تأييده لحكم بوتين الذي تولى الرئاسة بين العام 2000 و2008 ثم عين رئيسا للوزراء وكان مؤيدا لروسيا قوية معتزة بنفسها، رغم كونه ضابطا سابقا في جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي). وكتب في ابريل ان «بوتين ورث بلدا منهوبا جاثما على ركبتيه غالبية سكانه يشعرون بالاحباط وغارقون في البؤس (...) بدأ باعادة بنائه شيئا فشيئا، وببطء. لم تظهر جهوده او يتم تقديرها على الفور».

اتهم سولجينتسين في 2006 حلف شمال الاطلسي، بالسعي الى فرض «حصار كامل على روسيا وتجريدها من سيادتها» من خلال «تعزيز آلته العسكرية في شرق اوروبا». وقال عنه بوتين في 2007 عندما زاره لتسليمه جائزة الدولة انه رجل «كرس حياته للوطن. الملايين في العالم يربطون بين اسم واعمال الكسندر سولجينتسين ومصير روسيا». واضاف: «كما قالها بنفسه: روسيا هي نحن. نحن لحمها ودمها، نحن شعبها».

وتصدى ايضا لموضوع اخر حساس يكاد يكون من المحرمات ايضا، وهو العلاقات بين اليهود والروس، مؤكدا رغبته في تشجيع التفاهم المتبادل. لكن مسؤولا في المؤتمر اليهودي الروسي انتقد في شدة كتابه «قرنان معا»، معتبرا انه قد يقدم ذرائع جديدة لمعادي السامية.

يبقى ان سولجينتسين سيظل في الذاكرة مؤرخا كبيرا وكاتبا سياسيا وقد جعلته موهبته الادبية عرضة لاحكام واراء متباينة، فبعض النقاد يعتبرونه نابغة على هذا الصعيد ايضا، فيما يرى اخرون مثل الكاتب المنشق سابقا فلاديمير فوينوفيتش، ان نبوغه ما هو سوى «وهم».
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي