الأجوبة المفيدة عن أسئلة العقيدة

u0627u0644u0623u0633u062au0627u0630 u0627u0644u062fu0643u062au0648u0631 u0648u0644u064au062f u0627u0644u0639u0644u064a
الأستاذ الدكتور وليد العلي
تصغير
تكبير
زاوية نعرض من خلالها لكل ما يعن لقراء «الراي» الأعزاء من أمور تتعلق بالعقيدة الاسلامية، وتحتاج الى توضيح وبيان، يجيب عنها الأستاذ الدكتور وليد محمد عبدالله العلي، امام وخطيب المسجد الكبير، والعميد المساعد بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية جامعة الكويت.

وللتواصل أرسلوا بأسئلتكم عبر إيميل الجريدة ([email protected]) أو فاكس رقم: (24815921)

الأمن الفكري (1)

عباد الله تعالى المُؤمنون، ما زلتم بحبل الله مُعتصمين:

انَّ وقاية الأفراد والمُجتمعات من الانحراف العقليِّ والانجراف النَّفسيِّ: له أثرٌ بالغٌ في تنعُّمهم بمشيئة الله سُبحانه وتعالى بالأمن الاجتماعيِّ، فهي الغاية التي يسعى للوُصول اليها الأفراد والمُجتمعات، ويُذلِّلون لادراكها ونيلها كافَّة ما يعترضهم من الصُّعوبات، مُستشعرين ان الوسيلة الجليلة، المُوصلة الى هذه الغاية النَّبيلة: هي بالحفاظ على هذا النَّتاج الثَّقافيِّ الأصيل، من أيِّ فكرٍ ورأيٍ ونهجٍ وسُلوكٍ وافدٍ ودخيلٍ، لذا فانَّ من الواجب المُناط على عاتق المسؤولين: الحفاظ على أمن المجتمع والقيام بحماية المُواطنين، والاجتهاد في تحصين العُقول من ان تغتالها الشُّبهات، والحرص على تحذير النُّفوس من تَقَحُّم أبواب الشَّهوات.

فالمُجتمع المُسلم بأمسِّ الحاجة الى حراسة عُقول أبنائه وحماية نُفوسهم في ظلِّ مُتغيِّرات العصر وما فيه من التَّحدِّيات، ممَّا يُحقِّق للمُسلمين الأمن الفكريَّ الذي يعصمهم من الوُقوع في شيءٍ من براثن الشُّبهات أو أدران الشَّهوات، فتأمين الأفكار لا يقلُّ أهميةً عن تأمين الأموال والأعراض، حتَّى تُصان العُقول والنُّفوس فلا تُتَّخذ غرضاً من الأغراض.

لذا فانَّ الأمر يتطلَّب التَّدخُّل الوقائيَّ والعلاجيَّ من قبل مُؤسَّسات الدَّولة والجهات الأهليَّة، لتُبصِّر الأفراد والمُجتمعات بما هو مطلوبٌ منهم في زمنٍ قد تفشَّت فيه مظاهر التَّقليد والتَّبعيَّة، حتَّى تتمكَّن الأُمَّة من ايجاد جيلٍ يُعيد لها باذن الله تعالى ذكريات مجدها التَّليدة وأيام عزِّها الفاخرة، ويسعى للتَّصدِّي لكُلِّ فكرٍ دخيلٍ يُحاول هدم عقيدتِها والاجهاز على أخلاقها وقِيَمِها الأصيلة الزَّاخرة.

لذا فانَّ الحديث عن ضرورة الأمن في المُجتمع من الموضوعات العصريَّة الحيويَّة والمهمة، لان أمن المُجتمع وصلاحه مِمَّا قد يشوبه من فسادٍ كفيلٌ بصلاح أفراد المُجتمع عامَّة، فالأمن يُعدُّ حصناً حصيناً للمُجتمع لما يُمكن ان يُهدِّد أيَّ عقلٍ مُتذبذبٍ أو نفسٍ مُنجرفة، وبغيابه تنساق العُقول وتنقاد النُّفوس مع ما يعترضها من التيَّارات الفكريَّة الخارجيَّة المُنحرفةٍ.

ولا ريب ان الحاجة الى الأمن شديدةٌ جداً في ظلِّ هذه الأيَّام والأحوال، فالاضطراب والحيرة والقلق مُسيطرٌ على البشريَّة ويُخيِّم عليها في كُلِّ مجالٍ، فالأمن همُّ وهاجسٌ يحيك في صدر كُلِّ حيٍّ، لانه ينشد الحياة الآمنة التي لا يُهدِّدها شيءٌ.

واذا تحدَّثنا عن أثر الاسلام في أمن المُجتمعات واستقرارها في الأوطان، فانَّ حديثنا يتناول جميع انواع الأمن المُتنوِّعة الأشكال المُتباينة الألوان، فيدخل في ذلك: الأمن الاجتماعيُّ، والأمن الاقتصاديُّ، والأمن التَّربويُّ، والأمن السِّياسيُّ، والأمن الصِّحيُّ، والأمن الغذائيُّ، والأمن الفكريُّ، والأمن النَّفسيُّ.

وانَّ من جوامع الكلام، الذي أُوتيه خير الانام: عليه الصَّلاة والسَّلام: ان أدخل جميع انواع الأمن الرَّفيعة القدر، في الحديث النَّبويِّ الشَّريف الآتي الذِّكر: (من أصبح منكم مُعافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قُوت يومه: فكانما حيزت له الدُّنيا) أخرجه التِّرمذيُّ وابن ماجه عن عبيدالله بن مِحصنٍ الخطميِّ الانصاريِّ رضي الله عنه.

ثَلاثَةٌ يُجْهَلُ مِقْدَارُهَـا الأَمْنُ والصِّحَّةُ والقُوتُ

فَلا تَثِقْ بالمَالِ مِنْ غَيْرِهَا لَوْ انهُ دُرٌّ وَيَاقُــوتُ

فاذا أراد المُجتمع المُسلم ان ينعم بنعمة الأمان، وان يطمئنَّ بان يأتيه رزقه رغداً من كُلِّ مكان: فليعلم ان الشُّكر قيد النِّعم، وان الكُفر هُو بريد النِّقم، قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِانعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ.

فسكون القلب البشريِّ وطمأنينته هي نعمةٌ انَّما تتحقَّق بالايمان، فلا يُتصوَّر ان يكون هناك مُؤمنٌ وليس عنده سكينةٌ واطمئنانٌ، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.

فالأمن والسَّكينة والاطمئنان: انَّما هي ثمرةٌ من ثمرات الايمان، كما ان الكُفر والفُسوق والعصيان: يمنع الأمن والسَّكينة والاطمئنان، قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا ان فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ الَيْكُمُ الايمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ الَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ.

فالبراءة من الشِّرك والتَّنزُّه من البدع والعصمة من الفُسوق أمارةٌ على الأمن الفكريِّ، وأمن المُسلم الفكري هُو سلامتُه من الانحراف العقليِّ وحمايتُه من الانجراف النَّفسيِّ.

ولذلك زكَّى ربُّ البريَّة، نبيَّه مُحمَّداً خير البشريَّة، عليه أزكى صلاة وتحيَّة، بقوَّتيه العقليَّة والنَّفسيَّة، فقال: وَالنَّجْمِ اذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. فزكَّى عقله من الضَّلال الذي يُورد القَلْب في الشُّبهات، وزكَّى نفسه من الغواية التي تُوقع القَالَب في الشَّهوات.

ونظير هذه التَّزكية الرَّبَّانيَّة: جاءت التَّزكية النَّبويَّة، للخُلفاء الأربعة الرَّاشدين، والأئمَّة الحُنفاء المهديِّين، أُولي الفضل الجليِّ والقدر العليِّ: أبي بكرٍ وعُمر وعُثمان وعليٍّ، رضي الله عنهم وأرضاهم، ورضي عمَّن أحبَّهم وتولاهم، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبوداود والتِّرمذيُّ وابن ماجه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً بعد صلاة الغداة موعظةً بليغةً، ذرفت منها العُيون، ووجلت منها القُلوب، فقال رجلٌ: انَّ هذه موعظةُ مُودِّعٍ، فماذا تعهد الينا يا رسول الله؟ قال: أُوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطَّاعة، وانْ عبدٌ حبشيٌّ، فانَّه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وايَّاكم ومُحدثات الأُمور، فانَّها ضلالةٌ، فمن أدرك ذلك منكم: فعليه بسُنَّتي، وسُنَّة الخُلفاء الرَّاشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنَّواجذ). فزكَّى عُقُول الخُلفاء الرَّاشدين بما هو ضدُّ الضَّلال وهي الهداية، وزكَّى نُفُوس الأئمَّة المهديِّين بالرَّشاد الذي هو ضدُّ الغواية.

فكُلُّ انحرافٍ في الفكر انَّما هو بسبب ضلال العقل ووقوعه في الشُّبهات التي هي خُروجٌ للقلب عن الهداية، أو هو بسبب ابتلاء النَّفس بحُبِّ الشَّهوات وعدم سُلوكها سبيل الرَّشاد الذي يعصم الجوارح من سُبل الغواية. فأمن الانسان وصحَّته بالحقيقة انَّما هي بتحقُّق سلامته وأمنه الفكريِّ، وخوفه مرضُه وسُقمُه واعتلالُه انَّما هو في خُروجه عن اعتداله السَّويِّ.

فتطرُّق الشُّبهات الى العقل مرضٌ، ووُقوع النَّفس في الشُّبهات مرضٌ، وقد وقعت الاشارة الى المرض الأوَّل وهو مرض شُبهات العُقول في قول الله تعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، كما وقعت الاشارة الى المرض الثَّاني وهو مرض شهوات النُّفوس في قول الله تعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء انِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي