حين قلت لكثير من معارفي الذين سافروا إلى جنوب أفريقيا إنني سأقضي يومين في بريتوريا امتعضوا، وتأففوا، وأعطوني انطباعاً كما لو أنني سوف أتناول «شربة زيت خروع»، يتلوها يوم عصيب للجهاز الهضمي، وقال الجميع: أجمل مدينة هناك هي كيب تاون... يا أجمل مدن الدنيا يا كيب تاون، وتوالت قصائد المديح منهم، التي تشهد التقاء المحيطين العظيمين: الهندي والأطلنطي، وعليك أن تتجرع «شربة زيت خروع» وأنت تبتسم!
«شربة الخروع» نفسها أي بريتوريا قد تتفوق على ما لا يقل عن عشر مدن عربية من حيث النظام، والجمال، وروعة الطبيعة، وتنظيم الطرق، وقد يكون توافر مدينة مثلها في السودان حلماً بعيد المنال، أقول السودان لأنه يمكن أن يحتملنا، ويستطيع أن يأخذ ويعطي معنا في حين أن غالبية الدول الأخرى لن تحتمل تذكيرها بأن بريتوريا أفضل بكثير وأنها بالنسبة لهم لا يمكن أن يحلموا بها، حتى وهي «شربة زيت خروع».
لكن الحلو لم يكتمل فهذه المدينة التي تمثل الوجه السياسي لجنوب أفريقيا تصنف محلياً بأنها أخطر مدينة في الدولة، وأهم إنجازاتها أنها تتصدر قائمة أخطر عشرين حياً في جنوب أفريقيا بثلاثة أحياء على الأقل، وإذا ما استخدمت علوم الرياضيات وطرق المقارنات وراجعت جميع الإحصاءات سوف تكتشف أنك الآن في واحدة من أخطر مدن العالم، حيث تم «تثبيت» سفير دولة عربية مشرقية آسيوية منذ أسابيع، واضطر إلى أن يخلع ملابسه لكي ينجو بحياته.
و«التثبيت» كلمة تستخدم في العامية المصرية معناها: اثبت محلك... واخضع للأمر، وصارت متداولة مع نشوء نوع من الجريمة والعنف في بعض الأحياء العشوائية، أو بفعل ساكنيها، يقوم فيه شخص بتهديد آخر بالمطواة مثلاً، وهي واقعة لو تكررت في يوم واحد لكانت خبراً جديراً بالذكر في الصحف المصرية. لكن هذا الخبر لا يكتب إطلاقاً في صحف جنوب أفريقيا ببساطة لأنه يحدث كما يتناول أي شخص طعامه. إن بعض القبائل في هذا البلد يأكل ويشرب ويتنفس ويسرق ويقتل بالإكراه، ويمكن القول ان العنف من بين وظائفه الحيوية.
وإذا كان المصريون يتمتعون بخفة الظل، وأسموا السرقة بالإكراه بهذا الاسم الذي لا يشير إلى ما في الجريمة من عنف، فإن الوضع مختلف تماماً في جنوب أفريقيا، فما بالك بمدينة «شربة الخروع» حيث «التثبيت» قد يصل إلى «التمويت»، وحيث لا يستخدم اللصوص «المطاوي» وما شابه من أسلحة الأطفال الرضع وإنما أحدث أنواع الطبنجات وأكثرها كفاءة، ومثلها قد تجده في يد من يأكل عيشه من «التثبيت المميت»، وقد تجده بالطبع في يد من يتمنى أن ينجو بحياته من أي عملية تثبيت متوقعة في أي وقت.
إن الأمن والإحساس بالأمان، هو نوع من خصائص الواقع الذي لا يمكن أن تعرف معناه إلا حين تكابد ما يشير إلى نقيضه، حتى لو كانت القاهرة مدينة مليئة بالعيوب... فإن أجمل ما فيها أنني يمكنني أن أتجول في شوارعها في أي وقت من دون أن أضطر لتأجير حارس شخصي يقبض مئة دولار في اليوم لكي يبقيني على قيد الحياة حتى ينتهي راتبه، والله أعلم بما سيحدث بعدها.
وبالتالي، والأهم، تمثل جنوب أفريقيا نموذجاً قد لا يكون متكرراً بين مختلف دول العالم، على أن الأرقام وحدها ليست دليلاً على مستوى التقدم ورفاهية الشعوب، إذ حتى لو كان متوسط دخل الفرد هنا يصل إلى ما يزيد على عشرة آلاف دولار فإنه لا يمكن أن يضمن حياته لليوم التالي حتى يستمتع بهذا الدخل، كما أن البلد الذي يعتبر الأكثر تقدماً في القارة السوداء، علماً وتنظيماً واقتصاداً، هو نفسه الذي يوجد به ما لا يقل عن خمسة ملايين مريض بالإيدز... أي ما يقترب من عُشر الشعب، وهو ما لم يمنعه من إعلان قبول زواج المثليين قبل أشهر عدة.
إن تلك الدولة التي لم تحصل على الصفر الذي ظللنا نعاير به أنفسنا، ونسلخ ذواتنا، بعد أن كسبت منا في مصر سباق الفوز بتنظيم كأس العالم، قد لا تنظمه، وسوف تكون الفضيحة بجلاجل لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم ليس سعيداً، ويرى الأمور في أوضاع خطرة أمنياً وتنظيمياً، وقد طلب من دول عدة أن تستعد للاستضافة البديلة. وقد أحاول أن أكون خفيف الظل وأقول لك إن جنوب أفريقيا، في هذا الموقف الذي لا تحسد عليه، تبدو كما لو أنها «قد التثبيت» لكن حقيقة الأمر هي أن مستقبل تلك الدولة مرهون بما سوف يحدث في 2010 فإن نظمت كأس العالم طال عمر الدولة وتأجل انهيارها بضعة أعوام أخرى، أما إذا لم تنظم البطولة فسوف يبدأ العد التنازلي فوراً.
عبدالله كمال
رئيس تحرير «روزاليوسف» ومستشار «الراي بالقاهرة»، وهذا المقال ينشر بالتزامن مع جريدة «روزاليوسف» اليومية القاهرية