«تم إنشاء متحفين في جزيرة فيلكا سنة 1961 أحدهما للآثار وآخر للموروث الشعبي»

عبدالرحمن الصفي ... حطّت رحاله موانئ الهند وأفريقيا

تصغير
تكبير
• كان بوم
أحمد طاهر
يطلق عليه
لقب «تيسير»

• جلبنا خشب الكندل من زنجبار

• بدأت دراستي عند الملا عبدالقادر سرحان ثم التحقت
بمدرسة فيلكا

• كنا نزرع القمح على مياه الأمطار

• ركبت البحر
تباباً مع النوخذة محمد طاهر وغصنا
في هيرات البحرين
نلقي اليوم الضوء على محطات في حياة أحد رجال الرعيل الأول عبدالرحمن صالح الصفي حيث يصحبنا مع ذكرياته المليئة بعبق الماضي فيذكر لنا حياته البحرية التي اوصلته إلى موانئ الهند وافريقيا بعد ذلك يحدثنا عن دراسته وعمله في المتحف فلنترك له ذلك.

والدي ركب البحر سفرا وغوصا وهو كان متعدد المهن البحرية «سكوني ونهام وسيب» دائما كان يذهب للكويت يوم كنا في فيلكا يرافق النوخذة راشد بوقماز والعسعوسي ... في الغوص حينما يبحر سنبوك الغوص الخاص في النوخذة راشد بوقماز كان الوالد هو النوخذة الذي يكون به فلا يأتي اليهم راشد بوقماز إلا بعد شهر من دخولهم للغوص.


والدي في الغوص لم يكن يسوب بل يكون على الخرب «الحبال» يتابع نزول الغاصة حيث يطول الخرب مما يجعل الخشب «السفينة» تتحرك من مكانها فالخشب يكون ممسوكا بالسن الذي متصل بحبل الذي يطلق عليه الخرب وكلما كان المحار كثيرا رفع الحبل حتى يتحرك الخشب من مكانه.

تباب

دخولي للبحر في الغوص كان تبابا لان عمري كان لا يتجاوز عشر سنين والعمل المنوط فيني هو مساعدة السيوب حين يفلقون المحار فالعمل في الغوص على ظهر الخشب «السفينة» يكون من الصباح الباكر حتى يبدأ فلق المحار ثم نزول الغاصة في البحر... وانا بما أنني صغير في السن عملي تباب اساعد السيوب حيث قد يقفلون عن بعض المحارات التي فيها سحاحيت وهي اللالئ الصغار فأنا الاحظ على المحار المفلوق فقد يكون به شيء ... كان ريوق البحرية قهوة وتمرا وهناك بحرية صغار يطلق عليهم رضيف وهو يساعد السيوب في سحب الغاصة من «القوع» وهو قاع البحر

اخر

والوالد في آخر دخوله للغوص كان مع النوخذة محمد طاهر من اهل فيلكا وكان معه الوالد سكوني وكذلك نهام من نفسه فالوالد له تقدير عند كل من دخل معه البحر والهيرات التي غصنا بها هي هيرات البحرين وكانت قريبة منا اذكر من هيراتهم ابو عمامه وكثامه والحمد لله حصلنا على فضيلة من البحر وخيرا وفي ذلك الوقت اللي يحصل على 50 روبية أو 100 روبية فقد حصل على شيء كثير واما وفاة الوالد فكانت 1957 وكان كثير قراءة القرآن الكريم وعنده تثويبة وقد اخذت مقتنياته وجعلتها في متحف فيلكا.

الهند

اول دخولي للبحر سفارا كان مع النوخذة فهد بوزبر سنة 1952 وعمري كان لا يتجاوز 17 عاما ونواخذة السفر لابد لهم من الذهاب للبصرة من اجل تحميل التمور منها ومدة السفرة كانت تعود لحال البحر وحال الهواء والريح فاذا كان الهواء شمال الرحلة لا تتجاوز عشرة ايام وإذا كان الهواء ليس شمالا تأخذ الرحلة اكثر من الشهر فالسفن التي تذهب للسفر هي سفن شراعية تسير على دفع الهواء ونحن وصلنا الى اول الموانئ الهندية ثم رجعنا وليس معنا شيء لكن اخذ منا طريق العودة اكثر من شهر لاننا حينما وصلنا إلى مضيق هرمز كان هواء شمال قد هب نحو جهتنا لذلك تأخرنا.

اما الاجر فكان عند الوالد فهو الذي اتفق مع النوخذة والوالد رحمه كان يأتي بالاجر الذي هو (القلاطه) ويقول ما تريد خذه منها.

الثانية

كان يريدني النوخذة فهد بوزبر أن ارافقه مرة ثانية في سفر لكن اعتذرت منه حيث ابلغني الوالد برغبة بوزبر وقال ان نوخذاك يريدك ... بعد ذلك رافقت النوخذة احمد طاهر وهو من اهل فيلكا ومعه كثير من شباب فيلكا من الاقارب والاصدقاء فكنا من منطقة واحدة والسفر معهم فيه متعة وكانت الرحلة أي «الطرشه» بلغة اهل السفر إلى افريقيا وهي من الرحلات الطويلة التي تأخذ عاما كاملا انطلقنا من فيلكا إلى البصرة حيث اخذنا حمل تمر ثم توجهنا إلى عدن ونزلنا حمولة التمر وحملنا حمل ملح ثم ابحرنا إلى المكلا والشحر ومنها اخذنا معنا مجموعة من الركاب المسافرين إلى زنبجار ثم واصلنا سفرنا إلى امباسا وهي ميناء في كينيا ... وكان ضمن المرافقين معنا نوخذة من اهل الصور التي في عمان اخذه النوخذة احمد طاهر لانه يعرف طريق افريقيا البحري...

امباسا

وفي امباسا نزلنا الملح والركاب المسافرين الذين رافقونا من عدن ثم توجهنا إلى زنجبار لكي نحمل من «سوبرونغا» خشب كندل وفعلا حملنا خشب الكندل ثم انتظرنا حتى يهب هواء «اسهيل» فالسفن الشراعية الكويتية التي تذهب الى افريقيا لا تعود إلا حينما يبدأ تيار هواء «اسهيل» بالهبوب لأنها شراعية تعتمد على الهواء في الدفع ومن المعروف ان بوم «تيسير» الذي نحن فيه يتميز بالسرعة الفائقة وقد رافقتنا سفينتان كويتيتان لكن نظرا لاصابة بحريتنا بمرض الحمى لم نغير شراع السفينة لأنه ثقيل فكان شراعنا شراعا متوسطا واستمررنا في طريق العودة نحن والسفينتان المرافقتان لنا لكن كنا نحن نسير اقل من سرعتهما فقلنا لهما اذهبا لا نريد ان نؤخركم وفعلا انطلقوا وذهبوا عنا... واصلنا الابحار لوحدنا ومرض السكوني الذي يقود دفة السفينة وامرني النوخذة ان امسك السكان بدلا منه وكان عمري لا يتجاوز 17 عاما والسفينة من نوع البوم الكبير رغم ذلك مسكت السكان وقدت السفينة وقد قال لي النوخذة احمد طاهر ان «والدك احمد صالح شيخ النواخذة والسكونية».

... ثم اصبحت مع نوبة السكونية من دون مقابل بل فزعة وتعاون

مسقط

وبعد 15 يوما وصلنا الى «مسقط» وقد سئلنا عن تلك السفينتين اللتين كانتا معنا مرافقتين لنا فقالوا لنا انهما قد مرا قبل يومين بدلنا شراعنا بالشراع العود ثم واصلنا سفرنا وكان نوخذة يأمرني ان اركب الدقل لأرى السفن التي امامنا لأنه يريد ان يلحق تلك السفينتين، وكنت اركب الدقل واخبره بالسفن التي امامنا فأنا كانت عندي القدرة على النظر وتميز الاشياء البعيدة فالشوف عندي قوي ومن سرعة البوم سبقنا جميع السفن التي كانت امامنا فلقد مررنا على كثير من السفن وسبقناها، النوخذة عنده منظار «دربيل» لكن يعتمد على شوفي اكثر وحينما وصلنا الى هرمز رأينا السفينتين اللتين ابحرت معنا في طريق العودة فسلمنا عليهما وتركناهما وراءنا وصلنا الى الكويت قبلهما بيومين.

الطرشة

... وآخر طرشة لي وهي الثالثة خلال عملي في السفن الشراعية كانت للهند لكن على لنج ماكينة وكنت فيها سكونيا ومع احمد طاهر وسفرتنا كانت من الكويت مباشرة للهند لأن معنا حمولة ذهب.

الدراسة

دراستي بدأت في بيت الملا عبدالقادر السرحان فهو مستقطع جزء من بيته وجاعله مدرسة وقد درست عنده القرآن والقراءة والحساب والدراسة كانت صبحا وعصرا انا معي ابناء الجزيرة الذين من جيلي وبيتنا كان في منطقة الوسط واغلب الذين حولنا كانوا من اهلنا أعمامي وأقاربي وكذلك بيت علي فرج وبيت بندر وطالب وشعيب وكذلك امير فيلكا احمد خلف فهو زوج بنت عمي ولا تزال موجودة عمرها فوق 100 سنة...

الاستمرار

دراستي استمرت عند الملا عبدالقادر السرحان سنتين ثم فتحت مدرسة المعارف في جزيرة فيلكا فالتحقنا بها وكان موقعها بيت شعيب وفي هذه المدرسة اسند التدريس فيها لمجموعة مدرسين جميعهم كويتيون اذكر منهم عبدالقادر ومعروف السرحان ملا حاجي واحمد الحجي وياسين ولد الملا معروف وعبدالله شعيب بالاضافة الى مدرسين اتي بهم من الكويت الدوب وكان يعلمنا النشيد والملا عيسى مطر يدرسنا مواد أخرى ومسؤول عن المدرسة هو الملا معروف السرحان وهي فتحت سنة 1947 وتعتبر خامس مدرسة في الكويت قبلها المباركية والاحمدية والنجاح والصباح والدراسة صبح وعصر وكانوا يضعون على ارجلنا حبرا حتى لا نذهب للبحر... درسنا سنة ومدرسة في ديوانية شعيب ثم بنيت مدرسة جديدة متكاملة في الصفوف وبها خدمات من تغذية وملابس خلصت المرحلة الابتدائية ولم أواصل دراستي في الكويت.

العمل

اول عمل لي كان كاتبا عند امير فيلكا لأنه بحاجة الى من يكتب المخاطبات والمكاتيب ويراسل المسؤولين في الكويت فكنت كاتباً واستقبل المراجعين الذين يأتون لأمير فيلكا احمد، والمخاطبات والمراسلات كنا نرسلها على مركب الى الكويت، وكان الشيخ عبدالله السالم اذا جاء لنا في فيلكا يرسل لنا خطابا يخبرنا بوصوله فهو كثير ما يأتي للجزيرة.

المبارك

كنت مرة ألعب مع شباب فيلكا بالقرب من بيت امير فيلكا في ذلك الوقت احمد الخلف فرأيت لنجا فوقه علم يأتي من بعيد باتجاه الجزيرة ومن بعده لا يكاد يرى لكن انا كان نظري وشوفي قويا فتيقنت أنه أحد الشيوخ لان في تلك الايام لا ترفع الاعلام إلا فوق لنجات الشيوخ فذهبت مسرعا ورفعت العلم الذي فوق الكشك وهو لا يرفع إلا في قدوم الشيوخ ويوم الجمعة وفي المناسبات ثم ابلغت امير فيلكا بالامر فجاء لكي يستقبل من هو قادم فوق ذلك اللنج فاذا هو الشيخ عبدالله المبارك فوضع له خيمة وجلس بها ثم سأل الشيخ كيف عرفتم أننا قادمون اليكم فأخبره امير فيلكا في ذلك الوقت احمد خلف وقال ولدنا عبدالرحمن الصالح كان يلعب مع الشباب فرأى لنجكم من بعيد ولما تأكد ذهب مسرعا ورفع العلم فقال الشيخ تعال في المساء لكي تتناول معنا العشاء وات به معك ابلغني احمد خلف بما قال الشيخ فأتيته وسألني كيف عرفت أننا سوف نأتي فقلت له رأيت اللنج من بعيد عليه العلم وتأكدت منه فذهبت مسرعا ورفعت العلم فوق الكشك ثم اعطى الشيخ عبدالله المبارك مئة روبية الى أمير فيلكا أحمد خلف وقال له اعطيه اياها فأخذتها منه وهي مبلغ كبير في ذلك الوقت والشيخ عبدالله المبارك كان معروفا بكرمه.

الكويت

انتقلت إلى الكويت لكي اعمل كاتبا ومشرفا على العمال في التربية سنة 1958 وبعد مضي وقت في العمل بها جاءت البعثة الدنماركية من اجل التنقيب عن الآثار في جزيرة فيلكا فانتقل عملي معها وبعد أن انتهت من المهمة التي جاءت لاجلها استقررت في الجزيرة لان اهلي بها واصبحت مسؤولا عن العمال الذين يعملون في الزراعة وبعض المهنيين لانهم في تلك الايام كانوا يتبعون وزارة التربية... فأنا من يعمل لهم الكشوفات ويتسلم رواتبهم والبعثة طلبت عمالا يقومون بمتابعة نظام الاثار فكنت مسؤولا عنهم مع عمال التربية...

المتحف

بعد أن تسلم متحف الاثار طارق فخري نقل المتحف من التربية إلى الاعلام ثم اسسنا متحف الجزيرة واكتمل بناؤه وكان طارق فخري يأتي الينا بين فترة واخرى وقد ساعدتنا الاشغال في ذلك خصوصا مكتبها الذي في الجزيرة مع البلدية وعملنا مبنيين لنا مبنى للادارة ومبنى للمتحف واستطعنا أن نوفر من مصروفات الوزارة التي تعطى لنا وننشئ المتحف بالتعاون مع مكاتب الاشغال والبلدية التي كانت في الجزيرة وكان طارق فخري يأتي الينا باستمرار ... كنا نعمل إلى الساعة الثانية صباحا انا مع الموظفين حتى جهز المتحف بكل ما به من اثار وفتح سنة 1961 واصبحت امينا لمتحف فيلكا وهذا بعد انتقالنا إلى الاعلام...

الشعبي

بعد ذلك جهزنا أحد قصور الشيوخ المتواجدة عندنا في الجزيرة وجعلناه متحفا شعبيا اهليا كل محتوياته من الموروث الكويتي فكنت اذهب انا وعيسى خلفان للاهالي ونجمع ما عندهم من مقتنيات شعبية وكانوا متعاونين معنا إلى اقصى حد ولم يكونوا يأخذون منا شيئا... واصبح عندنا في الجزيرة متحفان للآثار وللموروثات الشعبية... واثناء ذلك الوقت واصلت دراستي للمرحلة المتوسطة في الفترة المسائية وتعلمت الطباعة.

التثمين

بعد تثمين بيوتنا في الجزيرة انتقلت للكويت سنة 1965 وسكنت السالمية فتحول عملي إلى المتحف الوطني واصبحت به امين صندوق وزاد راتبي لان فيه بدلا وتقاعدت سنة 1982.

الزواج

تزوجت سنة 1951 والحمد لله رزقت بثمانية اولاد توفي منهم اثنان ابن وابنة والذي عقد لي القران الملا عبدالقادر السرحان.

كان بيتنا على البحر كأنه شاليه فيه عرزاله ويفرش بها الحصحص وهو رمل ابيض حباته كبيرة لا تلصق في الجسد وكان الوالد يضع له اكواما من الحصحص على شكل مخدة ويتوسدها حينما يضطجع على جنبه وتأتيه ابنتي عائشة توقظه من نومه عندما تسمع الاذان والوالد كان يحب حفيدته عائشة حبا جما.

الزراعة

اهلنا كانوا اهل بحر وزراعة انا ادركت فترة الزراعة وهي القمح كنت اساعد اخواني والقمح كنا نزرعه على ماء المطر والندى الذي يرطب الارض نحرث شهر 10 ونحصد شهر 3 وكثير من اهالي فيلكا يزرعون معنا حتى وقت الحصاد كنا نتعاون في حصد القمح وكل مزارع يأخذ ما يكفيه والبقية عن حاجته يبيعها في الكويت... وهناك مزارع للخضراوات والبطيخ جهة الجنوب لكن ليس على ماء المطر بل على الابار وقد انتهت زراعة القمح مع خروج النفط.

النقاش

سألت والدي لماذا لا نذهب للكويت؟ وذلك حين ظهور النفط حيث ذهب بعض اقاربنا لها فرد عليّ رحمه الله بقوله هل عندهم ماء صافي زلال يخرج من الارض قلت لا قال هل عندهم سمك مثل سمكنا... إذا قالت امك ليس عندنا سمك انا ألقي السالية فأملؤها من السمك... وهل عندهم وقود وخشب مثل الذي عندنا هل عندهم زراعة وخضرة طازجة نحن عندنا كل شيء حتى الغوص والسفر.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي