نافذة... الأمل / «غيرنيكا دمشق»

تصغير
تكبير
720 متراً مربعاً ليس رقماً عادياً لجدارية تشكيلية، إنها مساحة أكبر جدارية مصنوعة من المواد المعاد تدويرها «صحون مكسورة، قطع زجاج، اقداح الشاي، مرايا،اطارات دراجات وغيرها من المواد...»، بحسب ما أوردته موسوعة «غينيس»، التي اعتبرتها أضخم جدارية فنية مشغولة بالفضلات البيئية، التي تحولت إلى زخرفات تجريدية وفسيفساء من الألوان، والأغرب أن هذه الجدارية ليس في دولة أوروبية تهتم بالبيئة وتحافظ عليها، بل في مدينة عربية يصحو أبناؤها كل يوم على أصوت المدافع والمتفجرات، وينامون وسط بحور من الخراب... إنها «دمشق»!!

لكن الحرب لا تنسينا أن دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، فطم أبناؤها على الإبداع، وتنفسوا الشعر برائحة الياسمين، وجُبلت حياتهم مع الفنون بجميع أشكالها... وأخيراً ها هم يخلقون من الدمار فناً جميلاً، ليؤكدوا أن رغبتهم في الحياة تسبق الصباح،وأن قلوبهم تشرق على قاسيون لتحتضن دمشق، كل دمشق!

«اركبي الشمس يا دمشق حصاناً

ولكٍ الله... حافظٌ وأمينُ (نزار قباني).

تذكرنا الجدارية بـ«غيرنيكا» بابلو بيكاسو التي أبدعها عام 1937، بعد خمسة أعوام من العمل، وباتت من أشهر الجداريات التي جسدت مأساة الحرب الأهلية في اسبانيا، وتجسد معاناة أي شعب في العالم، وتحولت إلى معلم مهم، ورمز لمناهضة الحرب، وتجسيد للسلام.

ولكل جدارية طعم ومذاق وتعبير ولون، فمدينة نابلس زينت أيضا بأكبر جدارية تجسد تاريخ القضية الفلسطينية، تبلغ مساحتها حوالي 1000 متر مربع، وبذلك تكون أكبر جدارية في الوطن العربي، ورابع أكبر جدارية في العالم، رسمت على سور ملعب البلدية، وما يميزها فعلاً أنها شيدت بأيادي النواعم (21 فنانة و4 فنانين رجال). ما أقوى المرأة الفلسطينية! العالم حافل بالجداريات، التي حاربت العنف بالفن، فالفنان أراد لريشته أن تكون أقوى من الرصاص،فالرصاصة تقتل وتموت، لكن الإبداع يحيي ويبقى حياً، مع أنه يولد من رحم الموت.ولا ننسى ما فعلته المانيا بعد هدم جدارها الفاصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية، «جدار الموت» كما كانوا يطلقون عليه، عام 1989، بعد أكثر من 28 عاماً من العزل، عندما حولت ما تبقى من الجدار (1300 متر) إلى جدار ينبض بألوان الجمال... فالجمال لا يوجد إلا مع الحياة!! وقد دعت الحكومة الألمانية 118 فناناً من العالم، ليعبروا بريَشهم عما عاناه الشعب من انقسام وتمزق، فتحول معنى الجدار، وصار عنواناً للجمال، ومعلماً سياحياً مهماً، وبرهاناً على صمود الشعب الألماني ورغبته في الحياة والعيش بسلام...

أتذكر قول الأديب المغربي محمد الصباغ: «بلد يندر فيه الشعراء والفنانون، يسأم فيه الربيع ويشقى».

هكذا هي الجداريات، فن يواجه المستحيل، الحرية قانونه الداخلي، نبضه ينتفض على آلام الشعوب، أكسجين آخر في عالم يعوم على بحار من التلوث، ثقافة إنسانية تعبر عن العصر الذي نعيشه، وحدة متكاملة تمزج الإبداع بالإرادة، فتحية عطره بلون الياسمين إلى أهل الياسمين، إلى كل من واجه الحروب بالفن الجميل!

تحية إلى فريق عمل الجدارية بقيادة الفنان موفق مخول،الذي لم يكن أعضاؤه مجرد فنانين يمارسون إبداعهم،وينفذون جدارية على سور مدرسة في حي المزة،ويمضون مدة ستة أشهر من أعمارهم،إنما كانوا جنوداً حاربوا مشاهد القتل والجريمة بالفن،والهدم بالجمال،والخوف بالعمل،ليقدموا لوطنهم جدارية تستحق أن نسميها «غيرنيكا دمشق».

* كاتبة صحافية

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي