عائشة عبدالمجيد العوضي / في العمق

لماذا نتحاور؟

نجلس في مجالس كثيرة سواء اخترنا ذلك أم فُرِض علينا، نخوض في أحاديث أكثر، نلاحظ انسجام المتفقين في حوارهم، نلمس على النّقيض مشادّات المختلفين في أفكارهم، ونتعجب أحياناً من استمرارية وجود أشخاص بعقليةٍ تفكّر أن الحوار معركة، فنجدهم يقاتلون بكل ما أوتوا من حجة -قوية أو واهية- لنيل الانتصار الذي رسمته أمخاخهم!

لماذا نتحاور؟ من شأن الإجابة الواعية على هذا التساؤل أن ترشد الحوار نحو مسلكه الصحيح بعيداً عن وحل الجدل الذي يجرّد الكلام من رقيّه، ربما يكون البحث عن حلٍّ لمشكلة ما، مناقشة حدث معين، محاولة نصح، أو المتعة والاستفادة، أسباب وراء الحوار، إلا أن كل هذه الأهداف الحوارية وغيرها تتطلب منهجية تفكيرية معينة تقرّب المسافة الفاصلة بين المتحاورين وهدفهم، وليس التصلب الفكري سبيلاً لها.

أمورٌ عديدة لو مارسناها بتقصّدٍ واعٍ نصل خلالها إلى درجةٍ متقدمةٍ من النضج الحواري، فكرة «المخالِف هديّة» تتيح للإنسان داخلياً فرصة الاستمتاع بالحوار مع مخالفيه، وفي موقفٍ كهذا ذكّر نفسك بفوائد مثل هذا الحوار، إنه يثري الأفكار، يكشف الأخطاء، يوسّع الأفق والمدارك، يبيّن أموراً ما كانت لتستبين في حوار مع مؤيد، وكذلك قد يسهم بتعميق إيمان الفرد بفكرته حين تتجلى له مثالب الآراء المخالفه، فكرة أخرى «طوبى لمن ترك المراء» أي الجدال كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم، فبمجرد خروج الحديث من دائرة الحوار ولوجاً إلى الجدال يكون الانسحاب عين الحكمة، ومن علامات الجدل، تكرار الكلام ذاته مرة تلو مرة، علو الصوت، رفض الاقتناع حتى بالأمور البديهية، فكرةٌ ثالثة «الخطأ ممكن» تجعل من الحوار أداة تنقيب عن الصواب بذاته غاضين الطرف عن قائله إذ أنه لا عصمة للأفكار من الخطأ ومن قال بغير ذلك وقع في شراك العبودية الفكرية التي تُبعِد صاحبها عن نقد الأفكار وتقييمها، ممكن أن يكون الصواب معي وبذات الاحتمالية ممكن أن يكون معهم.

الأفكار في ذلك كثيرة، لكل شخصٍ أن يستحدث لائحة حوارية خاصة به يكتب خلالها أفكاراً تحفزه على الاستمتاع بالحوار، اقتناص الفوائد، والأهم الارتقاء بذلك التواصل اللفظي بيني وبين الآخرين ضمن حدود الأدب والأخلاق بعيداً عن الانفعال قريباً من الهدوء.

Twitter: @3ysha_85

A.alawadhi-85@hotmail.com