مشاهد / ميلان كونديرا (1)
| يوسف القعيد |
«ميلان كونديرا»... روائي وكاتب قصة قصيرة كان من كُتاب أوروبا الشرقية... حيث الدول التي كنا نقول عنها من باب التعريف المختصر من قبل: «دول المنظومة الاشتراكية»، ثم مرت بتلك المنطقة الحرجة بين تطرفين. ولا أعرف ان كانت قد رست على بر الرأسمالية أم لاتزال متأرجحة.
التطرف الأول: هو العودة عن النهج الاشتراكي أو الشيوعي ان شئنا الدقة في التعبير. باحثة عن طريق آخر. هو حتى الآن: الطريق الغربي في نطم الحياة السياسية القائمة- أساسا- على التعددية السياسية والاقتصاد الحر والأحزاب الكثيرة... وكأن ثوابت الجغرافيا أكثر قوة من جميع حقائق التاريخ. فقد أدركت هذه الدول أنها جزء من أوروبا وهي تطالب الآن بحقها في أن تكون دولا أوروبية.
والتطرف الثاني: ان اللوبي الصهيوني. ولا نقول اليهودي، يحاول أن يقطف ثمار هذا التحول من ناحية. مناصفة مع رؤساء هذه الدول... الذين كانوا يعيشون في أوروبا دونما أي أمل سوى القدرة على مواصلة الحياة فقط. ولكن ها هي التطورات التي لم تكن في حسبان أحد تجعلهم يفكرون الآن في أحلام الحكم من جديد.
ميلان كونديرا وصل الينا في الوطن العربي، تسبقه حالة من الشهرة غير العادية. وهذه الشهرة جاءت من أوروبا الغربية. اما من خلال كم هائل من الجوائز الأدبية التي حصل عليها. أو عبر عدد من المقالات المهمة. التي تنشر عنه بأقلام كبار نقاد الغرب الآن. نحن العرب لم نبدأ مع كونديرا من الصفر. ذلك أن قراءته بدأت ونحن أسرى لحالة من الكتابة عنه.
تقول: هذا روائي من أوروبا الشرقية مدهش ومهم ولا بد من قراءته.
بحثت عن أي أعمال لهذا الكاتب. وقد عثرت على عملين له. الأول هو روايته الطويلة: «الحياة هي في مكان آخر». التي ترجمتها الى العربية: رنا ادريس، ابنة الدكتور سهيل ادريس. ونشرتها بالطبع دار الآداب في بيروت. والعمل الثاني نص يقف في منتصف المسافة ما بين الرواية ومجموعة القصص القصيرة. وعنوانه: «غراميات مرحة» وترجمه الى العربية: فوزي شعبان.
لم أفكر لحظة واحدة في ارتفاع سعر الكتابين. ذلك أن آل ادريس. حسبوا السعر بالدولار. وترجموا الدولار الى الجنيه المصري من خلال أسعار السوق السوداء في مصر الآن. اشتريت الكتابين وفي نفسي حالة من الاعجاب الحقيقي بتلك القدرة اللبنانية الفريدة على العمل والابداع رغم ظروف المشهد اللبناني منذ ستة عشر عاما حتى الآن. وهناك عواصم عربية أخرى تشكو من الملل، ويأكلها النعاس ولا تفعل أكثر من الراحة والاستقرار والنوم.
كل ما أعرفه عن ميلان كونديرا. أنه مولود في براج كما نكتبها في مصر، أو براغ كما يكتبها أهل الشام. وأنه استقر في باريس ابتداء من العام 1975 حتى الآن. وأن روايته: «الحياة هي في مكان آخر»، قد فازت بجائزة مرسيس للكتاب الأجنبي العام 1973، وحصل على جائزة «البريمو مونديللو» الايطالية عن روايته: «فالس الوداع» العام 1978.
ونال العام 1981 احدى أهم الجوائز الأميركية، وهي جائزة «الكومون ولث آورد» عن روايته: «كتاب الضحك والنسيان». كما أنه فاز العام 1982. بجائزة «أوروبا ليتراتور» عن مجموعة أعماله الأدبية مع اشارة خاصة الى كتابه «غراميات مرحة».
هذا هو الكاتب. أما روايته الكبيرة: «الحياة هي في مكان آخر» التي تقع في 260 صفحة من القطع الكبير، فهي هجائية فنية تعتمد على الشكل الروائي للحياة في بلد الكاتب، من خلال محاولة تقديم قصة حياة شاعر موهوب من لحظة ميلاده حتى وفاته. والشاعر اسمه جاروميل.
وقصة حياته تجرى مقارنتها بقصص حياة شعراء آخرين، مثل ليرفتوف وماياكوفسكي وبوشكين من روسيا القيصرية والاتحاد السوفييتي فيما بعد والشاعر الرومانسي بايرون.
وخلال رحلة الشاعر الشاب يكتشف أن الأناقة جريمة سياسية برجوازية. ومن يقف ضد النظام الاشتراكي يصفى تماما. حتى لو كان وقوفه في خياله فقط، وأن من يكتب لابد أن يكتب من خلال الواقعية الاشتراكية، ومن يكتب معتمدا على شكل فني آخر هو برجوازي يخون الثورة. وأنه عندما تبدو بعض ملامح الحرية، هنا وهناك، يقول عنها البطل: تلك الحرية الكئيبة... ويتساءل موجها التساؤل الى الآخرين:
- هل تسمعون الموت الذي يتململ من فرط نفاد الصبر في البعيد؟!
وهكذا تصبح كل تفاصيل الرواية عبارة عن شرك منصوب للبطل. وعلى طريقة المآسي الاغريقية فان البطل كلما حاول البعاد عن هذا الشرك. فان كل محاولة للابتعاد لا تؤدي سوى للاقتراب من الشرك، حتى لحظة الوقوع فيه.
وفي النهاية فان النص الروائي يحاول أن يقول:
- ان الحياة الحقيقية هي في مكان آخر غير هذه البلاد. هذا ما يتوصل اليه جاروميل بعد رحلة طويلة من العناء والتعب والارهاق والاحباطات، سواء في العمل أو فرص الحياة أو الحب. ولن يكون من الأبعد علينا أن نعرف المكان الآخر الذي توجد فيه الحياة الحقيقية، حيث النمط البديل لتجربة الحياة، ألا وهو النمط الأوروبي الغربي الرأسمالي.
التطرف الأول: هو العودة عن النهج الاشتراكي أو الشيوعي ان شئنا الدقة في التعبير. باحثة عن طريق آخر. هو حتى الآن: الطريق الغربي في نطم الحياة السياسية القائمة- أساسا- على التعددية السياسية والاقتصاد الحر والأحزاب الكثيرة... وكأن ثوابت الجغرافيا أكثر قوة من جميع حقائق التاريخ. فقد أدركت هذه الدول أنها جزء من أوروبا وهي تطالب الآن بحقها في أن تكون دولا أوروبية.
والتطرف الثاني: ان اللوبي الصهيوني. ولا نقول اليهودي، يحاول أن يقطف ثمار هذا التحول من ناحية. مناصفة مع رؤساء هذه الدول... الذين كانوا يعيشون في أوروبا دونما أي أمل سوى القدرة على مواصلة الحياة فقط. ولكن ها هي التطورات التي لم تكن في حسبان أحد تجعلهم يفكرون الآن في أحلام الحكم من جديد.
ميلان كونديرا وصل الينا في الوطن العربي، تسبقه حالة من الشهرة غير العادية. وهذه الشهرة جاءت من أوروبا الغربية. اما من خلال كم هائل من الجوائز الأدبية التي حصل عليها. أو عبر عدد من المقالات المهمة. التي تنشر عنه بأقلام كبار نقاد الغرب الآن. نحن العرب لم نبدأ مع كونديرا من الصفر. ذلك أن قراءته بدأت ونحن أسرى لحالة من الكتابة عنه.
تقول: هذا روائي من أوروبا الشرقية مدهش ومهم ولا بد من قراءته.
بحثت عن أي أعمال لهذا الكاتب. وقد عثرت على عملين له. الأول هو روايته الطويلة: «الحياة هي في مكان آخر». التي ترجمتها الى العربية: رنا ادريس، ابنة الدكتور سهيل ادريس. ونشرتها بالطبع دار الآداب في بيروت. والعمل الثاني نص يقف في منتصف المسافة ما بين الرواية ومجموعة القصص القصيرة. وعنوانه: «غراميات مرحة» وترجمه الى العربية: فوزي شعبان.
لم أفكر لحظة واحدة في ارتفاع سعر الكتابين. ذلك أن آل ادريس. حسبوا السعر بالدولار. وترجموا الدولار الى الجنيه المصري من خلال أسعار السوق السوداء في مصر الآن. اشتريت الكتابين وفي نفسي حالة من الاعجاب الحقيقي بتلك القدرة اللبنانية الفريدة على العمل والابداع رغم ظروف المشهد اللبناني منذ ستة عشر عاما حتى الآن. وهناك عواصم عربية أخرى تشكو من الملل، ويأكلها النعاس ولا تفعل أكثر من الراحة والاستقرار والنوم.
كل ما أعرفه عن ميلان كونديرا. أنه مولود في براج كما نكتبها في مصر، أو براغ كما يكتبها أهل الشام. وأنه استقر في باريس ابتداء من العام 1975 حتى الآن. وأن روايته: «الحياة هي في مكان آخر»، قد فازت بجائزة مرسيس للكتاب الأجنبي العام 1973، وحصل على جائزة «البريمو مونديللو» الايطالية عن روايته: «فالس الوداع» العام 1978.
ونال العام 1981 احدى أهم الجوائز الأميركية، وهي جائزة «الكومون ولث آورد» عن روايته: «كتاب الضحك والنسيان». كما أنه فاز العام 1982. بجائزة «أوروبا ليتراتور» عن مجموعة أعماله الأدبية مع اشارة خاصة الى كتابه «غراميات مرحة».
هذا هو الكاتب. أما روايته الكبيرة: «الحياة هي في مكان آخر» التي تقع في 260 صفحة من القطع الكبير، فهي هجائية فنية تعتمد على الشكل الروائي للحياة في بلد الكاتب، من خلال محاولة تقديم قصة حياة شاعر موهوب من لحظة ميلاده حتى وفاته. والشاعر اسمه جاروميل.
وقصة حياته تجرى مقارنتها بقصص حياة شعراء آخرين، مثل ليرفتوف وماياكوفسكي وبوشكين من روسيا القيصرية والاتحاد السوفييتي فيما بعد والشاعر الرومانسي بايرون.
وخلال رحلة الشاعر الشاب يكتشف أن الأناقة جريمة سياسية برجوازية. ومن يقف ضد النظام الاشتراكي يصفى تماما. حتى لو كان وقوفه في خياله فقط، وأن من يكتب لابد أن يكتب من خلال الواقعية الاشتراكية، ومن يكتب معتمدا على شكل فني آخر هو برجوازي يخون الثورة. وأنه عندما تبدو بعض ملامح الحرية، هنا وهناك، يقول عنها البطل: تلك الحرية الكئيبة... ويتساءل موجها التساؤل الى الآخرين:
- هل تسمعون الموت الذي يتململ من فرط نفاد الصبر في البعيد؟!
وهكذا تصبح كل تفاصيل الرواية عبارة عن شرك منصوب للبطل. وعلى طريقة المآسي الاغريقية فان البطل كلما حاول البعاد عن هذا الشرك. فان كل محاولة للابتعاد لا تؤدي سوى للاقتراب من الشرك، حتى لحظة الوقوع فيه.
وفي النهاية فان النص الروائي يحاول أن يقول:
- ان الحياة الحقيقية هي في مكان آخر غير هذه البلاد. هذا ما يتوصل اليه جاروميل بعد رحلة طويلة من العناء والتعب والارهاق والاحباطات، سواء في العمل أو فرص الحياة أو الحب. ولن يكون من الأبعد علينا أن نعرف المكان الآخر الذي توجد فيه الحياة الحقيقية، حيث النمط البديل لتجربة الحياة، ألا وهو النمط الأوروبي الغربي الرأسمالي.