أبعد من التخلص من «توفيق» وانتخاب بوتفليقة...
ليس طبيعيا استمرار الوضع الجزائري على ما هو عليه. ليس طبيعيا ألا يجد النظام الجزائري من متنفس له سوى الاستعانة بمليارات الدولارات التي جمعها من بيع النفط والغاز لاخماد الغضب الداخلي، بشكل موقّت، بدل الانفتاح على العالم وعلى مشاريع التنمية الحقيقية بغية ايجاد فرص عمل للشباب الجزائري. وهذا يعني بطبيعة الحال الاستثمار في المستقبل بدل البقاء في أسر عقد الماضي التي يرمز اليها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة المصرّ أكثر من أيّ وقت على الترشح للرئاسة لولاية رابعة!
كذلك، ليس طبيعيا ألا يجد النظام من مخرج لازمته سوى التصعيد بين الحين والآخر مع المغرب ومتابعة حربه غير المعلنة على البلد الجار عن طريق اداة اسمها جبهة «بوليساريو». يرفض الاعتراف بواقع أليم يتمثّل في أن الاستثمار في «بوليساريو» هو استثمار في المتاعب التي بدأت على الجزائر...
ليس طبيعيا أيضا بقاء الحدود بين الجزائر والمغرب مغلقة منذ عشرين عاما من منطلق أن اغلاق الحدود يحول دون تدفّق الجزائريين على المغرب ومشاهدة نمط من الحياة لا يعجب في طبيعة الحال القيمين على النظام وتلك الطبقة التي تنهب ثروات الجزائر منذ استقلّت في العام 1962.
كان الحديث الذي ادلى به السيد عمّار سعدني الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، وهو الحزب الحاكم، سابقا، في الجزائر الى أحد المواقع الالكترونية بمثابة دليل على أن ما تحتاج اليه الجزائر يتجاوز بكثير الحساسيات القائمة بين الرئيس بوتفليقة من جهة و«الرجل القوي» الجنرال محمّد مدين المعروف باسم «توفيق» من جهة أخرى. و»توفيق»، الذي يتهرّب من الكاميرات، هو المسؤول عن جهاز الامن والاستعلام الذي يعتبر الجهاز الاهمّ في الجزائر.
بغض النظر عن أهمّية سعدني، أو عدم أهمّيته، فانّ مثل هذا الحديث لا سابق له في التاريخ الحديث للجزائر. ولو كان البلد بلدا طبيعيا، كان مفترضا برئيس الجمهورية ازاحة «توفيق» من موقعه بدل الاكتفاء بتقليص صلاحياته وترك رجل مثل سعدني يتهجّم عليه بوقاحة ليس بعدها وقاحة. وصل الامر بسعدني الى اتّهام «توفيق» بالتقصير في كلّ المجالات بدءا بعدم حماية الرئيس محمّد بوضياف والزعيم النقابي عبدالقادر حمودة والقصر الحكومي في العاصمة. كذلك، يتهم الجهاز التابع لـ»توفيق» بالتدخل في صفقات مشبوهة وحملات على رجل مثل وزير النفط السابق شكيب خليل الذي دين أخيرا في قضايا فساد قد يكون محيطون ببوتفليقة متورّطين فيها.
هذا غيض من فيض ما ورد في الحديث الذي ادلى به الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الذي كان في الماضي القريب من الحزب الحاكم في الجزائر وصاحب اليد الطولى في كلّ الامور باستثناء تلك التي تخصّ المؤسسة العسكرية التي يعتبر «توفيق» أحد رموزها.
في كلّ الاحوال، تعكس تصريحات المسؤول الحزبي الذي يؤكّد العارفون بالوضع الجزائري أنّ هناك من يحرّكه من داخل الدائرة القريبة جدا من بوتفليقة، فضلا عن وجود جهاز أمني معيّن يحميه (جهاز مستقلّ عن جهاز «توفيق»)، عمق الأزمة التي يمرّ بها البلد. هناك وضع غير طبيعي في الجزائر. هناك بكلّ بساطة نظام مريض يرفض التعلّم من تجارب الماضي القريب. هناك أزمة نظام تتجاوز «توفيق» الذي تكمن أهميّته في أنه يمتلك ملفات كثيرة تخص بعض كبار الشخصيات الجزائرية. كذلك لعب الرجل دورا مهمّا في السنوات العجاف التي مرّت بها الجزائر خلال الحرب التي شنّها الارهاب على كلّ مؤسسات الدولة وأراد تقويضها.
المشكلة أنّ مثل هذه الازمة العميقة لا تعالج عن طريق انتخاب رئيس مريض، يستطيع بالكاد الكلام والوقوف على رجليه، رئيسا لولاية جديدة في ابريل المقبل.
فاعادة انتخاب بوتفليقة- الذي يتبيّن أن كلّ همّه محصور في ارتداء بذلة هواري بومدين، وذلك في وقت تغيّر العالم وتغيّرت المنطقة وتغيّرت طبيعة المجتمع الجزائري- تشير الى أن الجزائر كلّها مريضة.
استهلكت الجزائر منذ الاستقلال شعارات العداء لفرنسا والاستعمار، في وقت يطمح كلّ مواطن فيها الى الهرب الى فرنسا. استهلكت الجزائر الاشتراكية واستغلّت ما يسمّى بـ«حركات التحرّر» في العالم الى ابعد حدود. كانت دائما بلدا حائرا يبحث عن دور اقليمي أكبر من دوره مستندا الى الثروة الآتية من الغاز والنفط بدل الاستثمار في الانسان.
من كثرة ممارسة الهروب الى أمام، انتهى النظام الجزائري الى دخول مشاحنات وتجاذبات داخلية في وقت لا يفتقر البلد الى رجال قادرين على استيعاب خطورة المرحلة التي تمرّ فيها الجزائر ومعها المنطقة.
يكفي الجزائر انها على تماس مع تونس وليبيا، اللتين تحولّتا الى خزان للسلاح وللارهابيين، كي يفكّر القيمون على النظام في أبعد من التخلص من «توفيق» وكيفية اعادة انتخاب بوتفليقة رئيسا.
هناك بكلّ بساطة حاجة الى الطلاق مع ممارسات الماضي والشعارات الطنانة التي لا تليق ببلد يمتلك عددا لا بأس به من خيرة السياسيين والديبلوماسيين من ذوي الخبرات الذين باتوا يكرّسون جهودهم لايذاء الغير لا أكثر، بغض النظر عن المصلحة الحقيقية للجزائر.
يبدو ايذاء الآخر سياسة جزائرية تقليدية وجزءا من ثقافة يصعب التخلّص منها.
فبمجرّد الحاق الاذى بالآخر، خصوصا بالمغرب، يعتبر النظام الجزائري أنه حصل على حقوقه. ليس بمثل هذه السياسة تبنى الدول الحديثة وليس بمثل هذه السياسة تتجاوز الجزائر أزمتها، التي تبدو الحاجة اليوم قبل الغد، الاعتراف بوجودها ومدى عمقها.
فالأزمة ليست أزمة «توفيق»، الضابط الذي صار في الخامسة والسبعين من عمره.
الازمة أزمة نظام يرفض الاعتراف بأنه هرم ويظنّ أن الغاز والنفط كفيلان بحلّ كلّ الازمات... بما في ذلك جعل بذلة هواري بومدين تليق بعبدالعزيز بوتفليقة وتصبح على قياسه!
كذلك، ليس طبيعيا ألا يجد النظام من مخرج لازمته سوى التصعيد بين الحين والآخر مع المغرب ومتابعة حربه غير المعلنة على البلد الجار عن طريق اداة اسمها جبهة «بوليساريو». يرفض الاعتراف بواقع أليم يتمثّل في أن الاستثمار في «بوليساريو» هو استثمار في المتاعب التي بدأت على الجزائر...
ليس طبيعيا أيضا بقاء الحدود بين الجزائر والمغرب مغلقة منذ عشرين عاما من منطلق أن اغلاق الحدود يحول دون تدفّق الجزائريين على المغرب ومشاهدة نمط من الحياة لا يعجب في طبيعة الحال القيمين على النظام وتلك الطبقة التي تنهب ثروات الجزائر منذ استقلّت في العام 1962.
كان الحديث الذي ادلى به السيد عمّار سعدني الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، وهو الحزب الحاكم، سابقا، في الجزائر الى أحد المواقع الالكترونية بمثابة دليل على أن ما تحتاج اليه الجزائر يتجاوز بكثير الحساسيات القائمة بين الرئيس بوتفليقة من جهة و«الرجل القوي» الجنرال محمّد مدين المعروف باسم «توفيق» من جهة أخرى. و»توفيق»، الذي يتهرّب من الكاميرات، هو المسؤول عن جهاز الامن والاستعلام الذي يعتبر الجهاز الاهمّ في الجزائر.
بغض النظر عن أهمّية سعدني، أو عدم أهمّيته، فانّ مثل هذا الحديث لا سابق له في التاريخ الحديث للجزائر. ولو كان البلد بلدا طبيعيا، كان مفترضا برئيس الجمهورية ازاحة «توفيق» من موقعه بدل الاكتفاء بتقليص صلاحياته وترك رجل مثل سعدني يتهجّم عليه بوقاحة ليس بعدها وقاحة. وصل الامر بسعدني الى اتّهام «توفيق» بالتقصير في كلّ المجالات بدءا بعدم حماية الرئيس محمّد بوضياف والزعيم النقابي عبدالقادر حمودة والقصر الحكومي في العاصمة. كذلك، يتهم الجهاز التابع لـ»توفيق» بالتدخل في صفقات مشبوهة وحملات على رجل مثل وزير النفط السابق شكيب خليل الذي دين أخيرا في قضايا فساد قد يكون محيطون ببوتفليقة متورّطين فيها.
هذا غيض من فيض ما ورد في الحديث الذي ادلى به الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الذي كان في الماضي القريب من الحزب الحاكم في الجزائر وصاحب اليد الطولى في كلّ الامور باستثناء تلك التي تخصّ المؤسسة العسكرية التي يعتبر «توفيق» أحد رموزها.
في كلّ الاحوال، تعكس تصريحات المسؤول الحزبي الذي يؤكّد العارفون بالوضع الجزائري أنّ هناك من يحرّكه من داخل الدائرة القريبة جدا من بوتفليقة، فضلا عن وجود جهاز أمني معيّن يحميه (جهاز مستقلّ عن جهاز «توفيق»)، عمق الأزمة التي يمرّ بها البلد. هناك وضع غير طبيعي في الجزائر. هناك بكلّ بساطة نظام مريض يرفض التعلّم من تجارب الماضي القريب. هناك أزمة نظام تتجاوز «توفيق» الذي تكمن أهميّته في أنه يمتلك ملفات كثيرة تخص بعض كبار الشخصيات الجزائرية. كذلك لعب الرجل دورا مهمّا في السنوات العجاف التي مرّت بها الجزائر خلال الحرب التي شنّها الارهاب على كلّ مؤسسات الدولة وأراد تقويضها.
المشكلة أنّ مثل هذه الازمة العميقة لا تعالج عن طريق انتخاب رئيس مريض، يستطيع بالكاد الكلام والوقوف على رجليه، رئيسا لولاية جديدة في ابريل المقبل.
فاعادة انتخاب بوتفليقة- الذي يتبيّن أن كلّ همّه محصور في ارتداء بذلة هواري بومدين، وذلك في وقت تغيّر العالم وتغيّرت المنطقة وتغيّرت طبيعة المجتمع الجزائري- تشير الى أن الجزائر كلّها مريضة.
استهلكت الجزائر منذ الاستقلال شعارات العداء لفرنسا والاستعمار، في وقت يطمح كلّ مواطن فيها الى الهرب الى فرنسا. استهلكت الجزائر الاشتراكية واستغلّت ما يسمّى بـ«حركات التحرّر» في العالم الى ابعد حدود. كانت دائما بلدا حائرا يبحث عن دور اقليمي أكبر من دوره مستندا الى الثروة الآتية من الغاز والنفط بدل الاستثمار في الانسان.
من كثرة ممارسة الهروب الى أمام، انتهى النظام الجزائري الى دخول مشاحنات وتجاذبات داخلية في وقت لا يفتقر البلد الى رجال قادرين على استيعاب خطورة المرحلة التي تمرّ فيها الجزائر ومعها المنطقة.
يكفي الجزائر انها على تماس مع تونس وليبيا، اللتين تحولّتا الى خزان للسلاح وللارهابيين، كي يفكّر القيمون على النظام في أبعد من التخلص من «توفيق» وكيفية اعادة انتخاب بوتفليقة رئيسا.
هناك بكلّ بساطة حاجة الى الطلاق مع ممارسات الماضي والشعارات الطنانة التي لا تليق ببلد يمتلك عددا لا بأس به من خيرة السياسيين والديبلوماسيين من ذوي الخبرات الذين باتوا يكرّسون جهودهم لايذاء الغير لا أكثر، بغض النظر عن المصلحة الحقيقية للجزائر.
يبدو ايذاء الآخر سياسة جزائرية تقليدية وجزءا من ثقافة يصعب التخلّص منها.
فبمجرّد الحاق الاذى بالآخر، خصوصا بالمغرب، يعتبر النظام الجزائري أنه حصل على حقوقه. ليس بمثل هذه السياسة تبنى الدول الحديثة وليس بمثل هذه السياسة تتجاوز الجزائر أزمتها، التي تبدو الحاجة اليوم قبل الغد، الاعتراف بوجودها ومدى عمقها.
فالأزمة ليست أزمة «توفيق»، الضابط الذي صار في الخامسة والسبعين من عمره.
الازمة أزمة نظام يرفض الاعتراف بأنه هرم ويظنّ أن الغاز والنفط كفيلان بحلّ كلّ الازمات... بما في ذلك جعل بذلة هواري بومدين تليق بعبدالعزيز بوتفليقة وتصبح على قياسه!