جعفر رجب / تحت الحزام / غزو التطبيقي

تصغير
تكبير
لا أسوأ من الحاضر إلا المستقبل، فأبشروا... القصة ليست جامعة تحترق كل اسبوع ثلاث مرات، ولا ملعبا غير صالح للاستعمال الآدمي، ولا فتحة شارع تكلف الدولة مليون دينار وهي عبارة عن «رصيفين وثلاثة طوابق ودرامين زفت»، ولا أمن لا يعرف من سرق وهرب الديزل لسنوات، ولا من حرق الإطارات في أمغرة، ولا من يسرق محولات الكهرباء... وفي الوقت نفسه يكشف خلال ساعتين أسماء من «صوروا قبلة»!

القصة قصة عقول لا تقبل الحراك، ولا التغيير، ولا التطور... قصة جيل قادم ما زال يحمل «فخذه» في عقله، وينظر للآخرين من خلال فتحة باب القبيلة، جيل يدرس في أرقى الجامعات، يسافر بحثاً عن المعرفة، ويعود محملًا حقيبته آخر الابحاث، ومحملًا عقله أكبر صور التخلف الذي يرفض أن يتعامل مع الناس إلا وفقا للدم والعرق والدين والمذهب والقبيلة.

لافتات انتشرت في انتخابات الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، تدعو الطلبة إلى الانتخابات، بدعم من الشيخ بن جامع وبن هذال وبن حثلين... وغيرهم من امراء القبائل لانتخابات طلبة التطبيقي، وكأنما نعيش في زمن داحس والغبراء، والزير سالم، وعنترة بن شداد... يتم تقسيم الطلبة الى بدو وحضر، رغم اني لم أشاهد ممن يدعي البداوة يسكن الصحراء، او يذهب الى عمله راكبا بعيره، كما لم أشاهد حضريا الا ويحمل في عقله قبيلة من المخلفات والتخلف الفكري الذي يدعي زورا وبهتاناً أنها حضارة، ولا يوجد ما يميز البدوي من الحضري، إلا إذا كان الاسم الأخير من الانسان كفيلاً بأن يضعه في خانة البدو او الحضر!

قد يكون مقبولا الى حد ما الالتزام بالعرف القبلي في القضايا الاجتماعية، وحتى في بعض الأمور السياسية، خاصة وأن حكومتنا الرشيدة تتعمد التعامل مع المواطن وفقا لقبيلته ومذهبه وأسرته، وليس وفقا لكونه مواطنا فقط، له من الحقوق ما لغيره... ولكن غير المقبول هو ان يكون الشباب الذي يفترض فيهم الثورة على تقاليد الماضي وقيود القبيلة والمذهب والعرق هم وقود هذه القيم المدمرة للدولة والمجتمع!

القصة ليست قصة البدو فقط، فهم «يلعبون على المكشوف» وواضحون في مقابل قوائم اخرى متسترة بـ«الوطن»، ولولا الحياء لرفعت شعارات «الشيخ المجاهد فلان يزكي قائمتنا في خطبة الجمعة ويدعو لنا بالنصر» و«السيد الفلاني يرسل لنا بركاته ويدعو لنا من فوق منبره الحسيني» و«العم فلان طال عمره يدعمنا ويزكي قائمتنا وهو جالس في شركته»...!

نخدع انفسنا بالتحضر في مقابل البداوة، وبأوهام الغزو البدوي، ونحن في قرارة أنفسنا نعلم بأن كلنا «قبليون» وبدو، والفرق ان البعض قبيلته مرتبطة بالفخذ، والآخر قبيلته مذهبه، وثالث قبيلته أسرته، وعائلته، وأصله!

وكل هذه المباني الفخمة، والسيارات الفاخرة، والهواتف الذكية التي غيرت جلودنا، لم تستطع أن تغير أفكارنا المسرطنة... يا قوم ابشروا فنحن نخرق سفينتنا بأيدينا!





جعفر رجب

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي