رؤى ثقافية / الحساسية السرديَّة في تجربة الأعشى الشِّعريَّة (2)

| u0623. u062f u0639u0628u062fu0627u0644u0644u0647 u0628u0646 u0623u062du0645u062f u0627u0644u0641u064eu064au0641u064a |
| أ. د عبدالله بن أحمد الفَيفي |
تصغير
تكبير
-1-

أيحقّ لمتأخِّرٍ من العلماء، أو محدَثٍ من الدارسين، أن يذهب إلى نفي ما أخبر به القدماء من تعليق المعلَّقات على الكعبة، وإدخاله في «باب الأساطير» (1)؛ لمجرّد أن (حمّادًا الراوية) هو الذي جمع السبع الطوال؟ في تغافلٍ عمّا كان بين (البصرة) و(الكوفة) من تنافسٍ مدرسيّ، كان يدفع البصريّين أحيانًا إلى تكذيب ما يُدلي به الكوفيّون، أو تضعيفه، أو التشكيك فيه، متّخذين ممّا اتُّهم به حمّاد في أخلاقه وبعض مرويّاته ذريعةً إلى ذلك. مع أن البصريّين، وعلى رأسهم (الأصمعي)، لم يَسلموا بدورهم من التكذيب، في صراع الرواية التي كانت قد أضحت في بعض أوجهها منافسةً تجاريّة (2). ومن ذلك إنكارهم أن أهل الكوفة عثروا على وثائق مكتوبة تحت قصر (النعمان) الأبيض، جعلتهم أغنى بمعرفة الشِّعر من رواة البصرة، المعتمدين على الرواية الشفهيّة وَحْدها؛ إذ ينقل (ابن جِنِّي) (3)، رواية عن حماد، أنه قال: «أَمَرَ النعمانُ فنُسِخت له أشعارُ العرب في الطُّنُوج- قال: وهي الكراريس-، ثم دفنها في قصره الأبيض. فلمّا كان (المختار بن أبي عُبَيد) قيل له: إنّ تحت القصر كنزًا، فاحتفرَه، فأخرج تلك الأشعار. فمِن ثَمَّ أهلُ الكوفة أعلم بالشِّعر من أهل البصرة».

أم يحقّ نفي تلك الإشارات إلى «المعلّقات» استنادًا إلى كلام (النحّاس)، المشار إليه في الحلقة السابقة؟ مع أن النحّاس- إذا أُخذ بمعيار الزمن- يُعَدّ متأخرًا عن (ابن عبد ربّه)، الذي نقل خبر تعليق السبع على الكعبة. وقد استخدم النحّاس نفسُه مصطلح «معلّقات» في كتابه، فجاء على غلاف مخطوطة كتابه: «شرح القصايد التسع المشهورات، الموسومة بالمعلّقات»، وتكرّرت كلمة «معلّقات» على الغلاف في مواضع مختلفة.(4) وهذا عَيْن ما نقله (ابن خير الإشبيلي، -575هـ= 1179م) (5)، في «فهرست ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنَّفة في ضروب العِلم وأنواع المعارف»، حيث ذَكَر كتابه بعنوان: «كتاب المعلّقات التسع» تارةً، وأخرى بعنوان: «القصائد والمعلّقات التسع». كما أن النحاس (6) قد استخدم مصطلح «معلّقات» في ثنايا كتابه، فقال مثلًا: «وقد ذكرنا شرح هذا في معلّقة امرئ القيس». ذلك لأنه لم ينفِ مصطلح «معلّقات»، وإنما شكَّك في معناه، وما قيل من أنها قصائد «عُلّقت في الكعبة»، مرجّحًا أنها كانت تُعَلّق في خزائن الملوك. على أنه- مع غمزه حمّادًا، وإنْ من طرف خفيّ- قد ارتضى روايته وترتيبه الشعراء، كما مرّ من كلامه، وقدّمها على رأي (أبي عبيدة) وغيره من «أكثر أهل اللغة».

ولمعاصر النحّاس: (أبي علي القالي، -356هـ = 967م) كتاب بعنوان: «كتاب تفسير القصائد والمعلّقات، وتفسير إعرابها ومعانيها».(7) وقد كان (ابن السكّيت، -244هـ= 858م) من أقدم من استخدموا مصطلح «معلّقات»، كما في كتابه الموسوم بـ: «شرح المعلّقات».(8)

أم يحقّ نفي تلك الإشارات إلى «المعلّقات»، لمجرّد التشكُّك في معرفة العرب بالكتابة؟ مع ما يرد في كُتُب التراث حول «كُتُبٍ» كانت للعرب، فيها أشعارهم، كـ«كتاب قريش»، و«كتاب محارب»، و«كتاب خزاعة»، وكثير غيرها. (9)

أم تُراه يحقّ نفي مصطلح «المعلّقات»، والأخبار حولها، أو تأوّل المصطلح والأخبار معًا، تحرُّجًا دِينيًّا إسلاميًّا من تعارض تعليق الشِّعر مع قداسة الكعبة؟ في تجاهلٍ عن أن الموضوع كان في «الجاهلية» لا في «الإسلام»، وأن معايير القداسة في معظمها هي بين العصرين منقلبة، رأسًا على عقب. هذا مع تغافلٍ عمّا كانت للشِّعر نفسه من قداسةٍ لدى العرب، وأن الكعبة بمحيطها لم تكن معبدًا وقِبْلةً دِينيّة فحسب، بل كانت أيضًا مكانًا مليئًا بمقدَّسات العرب المختلفة، من صورهم، وأصنامهم، ووثائقهم، ومعاهداتهم، ومآثرهم!

ثم أين يذهب هؤلاء من إجلال الرعيل الأوّل بعد الإسلام لتلك المعلّقات، الدالّ على تقليدٍ ورثوه عن أسلافهم؟ أين يذهبون من أن (عبد الملك بن مروان) وغيره من أمراء بني أمية قد استخدموا تسمية «المعلّقات» لتلك القصائد، وعُنوا بجمْعها وتدوينها(10)؟! وهو ما يدلّ على تقديمها عند العرب على سائر الشِّعر. أو أن (معاوية بن أبي سفيان) كان يقول: «قصيدةُ عمرو بن كلثوم، وقصيدةُ الحارث بن حِلِّزة، من مفاخر العرب، كانتا (معلَّقتين بالكعبة) دهرًا» (11)؟!

-2-

أمّا وقد اتضحت مكانة الشِّعر لدى العرب، فليس بُدٌّ في موضوع حول السرديَّة الشعريّة من تعريف مفهومي الغنائيّة (الذاتيّة) والموضوعية، انطلاقًا من ذلك الإطار النظريّ التاريخيّ، المقترن عادة بالمقايسة إلى التجربة الشِّعريّة اليونانيّة. ومن ثمّ المقولات حول ذاتيّة الشِّعر الجاهلي وموضوعيّته، في آثار الدارسين، من مستشرقين وعرب.

الاتّجاه الذاتيّ (Subjective): «هو كلّ ميلٍ إلى اعتبار أحكام الإنسان مبنيّة على مُيُوله الفرديّة وذوقه الخاص. «(12) وهو استبطان «لا يدرك إلّا ما يبدو للشعور في لحظة ما». (13) فهو في مجال الشِّعر، إذن، ما يمثِّل ذات الإنسان الفرديّة، ويصوِّر عواطفها وأهواءها. ويطلق على الشِّعر الذاتيّ أحيانًا: الشعر الغنائيّ، (Lyric)؛ لأن الشاعر يتغنّى فيه بعواطفه الجيّاشة أو حماسيّاته، حدّ الإفراط. (14) يقابله الاتجاه الموضوعيّ (Objective)، وهو: تصوير الأشياء كما هي، من غير أن تُشَوَّه بتأويلٍ فرديّ، أو بنظرةٍ ضيِّقة، أو تحيُّزٍ خاصّ.(15) فالشِّعر الموضوعيّ هو ذلك الذي يبدو فيه الشاعرُ كأنه يتحدّث عن أشياء خارجة عنه، قصصًا، أو تعليمًا، أو تمثيلًا، بحيث يُغفِل نفسه فلا يقف عند ما يتّصل بذاته وأهوائه وعواطفه، بل يقدّم شخصيّات سرده أو مواقفها بطريقة لا تعتريها مؤثّرات شخصيّة ولا تحيّز ذاتيّ.(16) وفي هذا الاتجاه الموضوعيّ يستعمل المبدع- كما يشير (إي إس دالاس E. S. Dallas) ضمير المخاطب الحاضر، والزمن المضارع، كما في المسرحيّة، أو ضمير الغائب والزمن الماضي، كما في الملحمة. على حين يستعمل في الاتجاه الذاتيّ الغنائيّ ضمير المتكلّم المفرد- وقد يتضخّم، كما في الشِّعر العربي، إلى ضمير المتكلّمين- ويتطلّع إلى الزمن المستقبل. (17) حريٌّ بالاستدراك هنا أن فكرة «الموضوعيّة» في الأدب عمومًا نسبية؛ إذ إن تداخل الذاتيّ بالموضوعيّ ملازم لمختلف اتجاهات الأدب، وذلك من أسباب الصعوبة في تحديد الأنواع المنتمية إلى الاتجاهين (الذاتيّ والموضوعيّ)، والفصل بينهما على نحو دقيق وقطعيّ.(18) ولذا، ونأيًا عن مضلّة هذه النسبية التي يصعب فيها فصل الذاتيّ عن الموضوعيّ، يمكن أن يتحدّد مفهوم الاتجاه الموضوعيّ في إطار فنونه المعروفة، من ملحمة، وقصة، ومسرحية، وتعليم، ووصف؛ فالشِّعر الموضوعيّ هو ما بناه الشاعر في شكلٍ من تلك الأشكال التي اصطلح على وصفها بالموضوعيّة، بغضّ النظر عمّا تمازجه- بالضرورة- من عواطف الشاعر الذاتيّة وأهوائه الشخصيّة.

فما موقع الشِّعر العربي الجاهلي من ذلك؟ هذا ما ستتناوله الحلقة الثالثة من الدراسة.



* ورقة بحث طرحتُ ملخّصها في (ندوة الأعشى)، (سوق عكاظ-7)، الطائف، مساء الأربعاء 5 ذي القعدة 1434هـ= 11 سبتمبر 2013م.

(1) انظر مثلًا: ضيف، شوقي، (1977)، العصر الجاهلي، (القاهرة: دار المعارف)، 140- 141، 176.

(2) انظر (في الدافع المادي وراء الرواية) ما يشير إليه مثلًا: حسين، طه، (2001)، في الشِّعر الجاهلي، (دمشق: دار المدَى)، 116- 117.

(3) (د.ت)، الخصائص، تح. محمّد علي النجّار (بيروت: دار الكتاب العربي، (مأخوذة عن: طبعة (1952)، دار الكتب المصريّة)، 1: 387.

(4) انظر: النحّاس، (1985)، تفسير القصائد التسع المعلّقات، (طبع بالتصوير عن مخطوطة أحمد الثالث 2366: مكتبة طوب قابوسراي في استانبول)، بتقديم: فؤاد سزكين (فرانكفورت- ألمانيا: معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت).

(5) (1893)، باعتناء: فرنسسكو قداره؛ وجليان رباره (سرقسطة- إسبانيا: مطبع قومش)، 366، 369.

(6) (1973)، شرح القصائد التسع المشهورات، تح. أحمد خطّاب (بغداد: وزارة الإعلام)، 548. وانظر: مقدمة محققه: 48.

(7) انظر: الإشبيلي، ابن خير، 355.

(8) يشير إليه (البغدادي، إسماعيل باشا، (1955)، هديّة العارفين: أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، (استانبول: وكالة المعارف)، 2: 536).

(9) انظر مثلًا: الآمدي، (1982)، المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبعض شعرهم (منشور مع كتاب: معجم الشعراء، للمرزباني)، بتصحيح وتعليق: ف. كرنكو (بيروت: دار الكتب العلمية)، 171، 180.

(10) انظر: البغدادي، (1979)، خزانة الأدب ولُبّ لُباب لسان العرب، تح. عبد السلام محمّد هارون (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب)، 1: 127.

(11) م.ن، 3: 181. وانظر مناقشة هذه القضية لدى: الأسد، ناصر الدين، (1978)، مصادر الشعر الجاهليّ وقيمتها التاريخية، (القاهرة: دار المعارف)، 169- 172؛ البهبيتي، نجيب، (1981)، المعلّقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ، (الدار البيضاء: دار الثقافة)، 1: 28- 31.

(12) وهبة، مجدي، (1974)، معجم مصطلحات الأدب، (بيروت: مكتبة لبنان)، 545.

(13) خياط، يوسف، (د.ت)، معجم المصطلحات العلميّة والفنّيّة (مع معجم: لسان العرب المحيط)، (بيروت: دار لسان العرب)، (ذو).

(14) انظر: البعلبكي، منير، (1982)، المَوْرِد، (بيروت: دار العلم للملايين)، (Lyric).

(15) انظر: وهبة، 359- 360.

(16) انظر: م.ن، 360؛ ضيف، العصر الجاهلي، 190.

(17) انظر: ويليك، رينيه؛ أوستن وارين، (1987)، نظرية الأدب، تر. محيي الدين صبحي، مر. حسام الخطيب (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، 239.

(18) انظر: م.ن، 237- 000.

p.alfaify@gmail.com

http://khayma.com/faify
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي