صلاح الدين الأيوبي وزنكي ... وشهر شعبان
شعبان اسم للشهر الثامن من السنة القمرية، ورغم ما نزل به وحدث فيه من تشريعات اسلامية، فانه ليس من الاشهر الحرم التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز «ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا ان الله مع المتقين».
فشعبان ليس من الاشهر الحرم كما يفهم من الآية، وهو وان لم ينل الشرف والقداسة التي جعلها الله لهذه الاشهر الحرم الاربعة، فإن الرسول كان يكثر الصيام فيه، قالت السيدة عائشة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم «ما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر قط الا رمضان، وما رأيته في شهر اكثر منه صياما في شعبان».
وكان شعبان يسمى في الجاهلية عاذلا، وفي رواية اخرى عادلا، ومن هذه الرواية استدل بعض الباحثين بان هذه لتسمية وقعت في زمن الاعتدال الربيعي، وعندما تغيرت اسماء الشهور على ما هي عليه الان قالوا في سبب تسمية هذا الشهر شعبان، ان القبائل العربية كانت تتشعب - اي تتفرق - في ارجاء الصحراء باحثة عن الكلأ والماء، او من اجل الغارات في الحروب، والحق تبارك وتعالى يقول: «انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب. لا ظليل ولا يفنى من اللهب» ويقول جل شأنه «يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».
ويجمع شعبان على صيغتين الاولى جمع تكسير وهي شعابين مثل رماضين في رمضان، والثانية جمع تصحيح بالاف والتاء وهي شعبانات مثل رمضانات.
وقد حدث في هذا الشهر حوادث ذات اهمية منها:
- فرض صوم رمضان يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين للهجرة.
- فيه سنت صلاة العيد «عيد الفطر» وزكاته من نفس السنة.
- حولت القبلة من المسجد الاقصى إلى بيت الله الحرام.
ومن اعظم الذكريات المجيدة للامة الاسلامية التي تحتشد في هذا الشهر، ذلك اليوم الذي سجل انتصار الارادة الاسلامية والعربية في شعبان، حين اغار الصليبيون على بيت المقدس، وانتهكوا حرمته بغيا وعدوانا، الا ان الارادة العربية والاسلامية حطمت غرور الاعداء، وسحقت كبرياءهم، فانهزم الاعداء، وعادت القدس إلى اصحابها المسلمين على يد البطل الفاتح صلاح الدين الايوبي في اليوم الرابع من شعبان سنة 583 هـ.
فهذا اليوم يمثل فخرا واعتزازا للمسلمين، إذ يحمل اعز الذكريات واغلاها، كما يحمل الامل الاكيد في انتصار الحق وهزيمة الباطل.
ففي هذا اليوم اقيمت - للمرة الاولى - صلاة الجمعة في المسجد الاقصى، بعد ان استخلصه المؤمن المجاهد صلاح الدين من براثن الطغيان الآثم، واشترك مع الناصر في اداء هذه الصلاة التاريخية اعداد هائلة من المسلمين الذين جاءوا من كل حدب وصوب ليعبروا عن فرحتهم بهذا اليوم الاغر في تاريخ العرب والاسلام.
ولقد ضرب القائد المسلم اثناء فتحه لبيت المقدس اروع المثل في سماحة الاسلام، ومعاملته الرحيمة لاوليائه واعدائه على السواء.
فقد سجل التاريخ ان القائد ارتفع بخلقه الاسلامي عن شهوة الانتقام او التشفي، إذ منح الامان ومن دون فداء لواحدة من نساء ملوك الروم ومن معها من الخدم والعبيد، وسمح لاخرى من النساء الصليبيات ان تلتقي زوجها الذي كان اسيرا في ايدي المسلمين، وتصل الانسانية بصلاح الدين إلى اقصى ذروتها حين بعث مع الصليبيين من يصحبهم - في خروجهم - ويدفع عنهم اي محاولة قد يندفع اليها بعض المتحمسين من المسلمين.
وفي لحظة خالدة من هذا اليوم الرابع من شعبان سنة 583 هـ وامام الكتل البشرية التي ازدحم بها المسجد الاقصى، يصعد القاضي محيي الدين زنكي المنبر ليلقي خطبة تاريخية، تفيض كلماتها بالثناء على الله، وبالحمد والشكر له على أن نصر المسلمين، واعز دولتهم، ورفع رايتهم، ومكن لهم من اعدائهم، وجعلهم ائمة.
وقد استفتح القاضي خطبته بقوله تعالى «فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين»، ثم قال: ايها الناس ابشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على ايديكم من استرداد هذه الضالة من الامة الضالة، وردها إلى مقرها من الاسلام بعد ابتذالها في ايدي المشركين ما يقارب 100 عام، ويطهر هذا البيت الذي اذن الله ان يرفع ويذكر فيها اسمه، واماطة الشرك عن طرقه، وهو موطن ابيكم ابراهيم، ومعراج نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام، ومقر الانبياء، ومقصد الاولياء.
ففي كلمات هذه الخطبة الرائدة ما يستحث الهمم، ويبعث روافد العزائم، ويفتح باب الامل في ان يعيد التاريخ سيرته إلى مدينة السلام في محنتها القاسية، والى المسجد الاقصى الاسير الغريب على ارضه.
وعلينا ان نتجه بقلوبنا وبايماننا ومشاعرنا لكل ما خلّقه لنا سلامنا من انتصارات خالدة في سجل الجهاد، وبكل ما ينتظره منا الاحفاد، وتتطلع اليه الاجيال القادمة.
ان قلوب المسلمين - في كل مكان - تخفق لما آل اليه المسجد الاقصى، ومشاعر الاسى والحزن تسيطر عليهم لما يتعرض له ابناء فلسطين.
ان اليهود الان قد تجمعوا من اطراف الارض ليحققوا آمالهم المزعومة في ارض الميعاد، ولكن الوعود الالهية والبشارات المحمدية تقرر في وضوح انهم لم يجتمعوا لتقوم بهم ولهم دولة، ولكنهم اجتمعوا ليتحقق وعد الله بالقضاء عليهم وفنائهم، ولتنتهي مكائدهم في هذه الدنيا «وقلنا من بعده لبني اسرائيل اسكنوا الارض فاذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا».
أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك فيصل سابقا