حوار / زاهي وهبي: أرفض الانتماء إلى حلقة الشعراء الضيقة

تصغير
تكبير
| بيروت - من محمد دياب |

كنت أعلم أنه شاعر ولكني لم أعرفه شاعراً، كنت أعلم أن لديه دواويين شعرية ولكني لم أزرها يوماً، تعرفت إلى شعره بالصدفة. قرأت كتابه ولمحت في الكلمات مقداراً هائلاً من الحب والحزن والإنكسار، كل ما يلزم القصيدة لتكون قصيدة تقريباً كان حاضراً في شعره. سيرمي يوماً جثته من النافذة ليحنط الأخرون دموعاً، ويتساءل إذا ما غادر هذه الحياة هل من أحد سيذكره ، عشقته النساء سراً واغتاله الشعراء. سيمضي بسلام تاركاً وراءه أشياءه الخاصة هو احتمال كمياه على مرآة أو كجسر بين سحابتين، يحصي انكساراته ويبكي تحت قمر شتوي فتلمع دمعته في الظلام. زاهي وهبي مقدم برنامج «خليك بالبيت» الذي مازال مستمراً منذ 12 سنة استضاف على منبره مئات من المبدعين العرب، ولكن التلفزيون جعل منه شاعراً مظلوماً فدائماً ما تسبقه سمعته كإعلامي وقلما ينتبه الناس إلى كونه شاعراً تنساب القصيدة من بين يديه إلى الورقة بتلقائية وبلا استئذان. وكان صدر له أخيراً الطبعة الثانية من ديوانه «تتبرج لأجلي» الصادرعن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وهو عبارة عن مختارات من قصائد منتقاة من دواوينه الأربعة «حطاب الحيرة» و«صادقوا قمراً» و«في مهب النساء» و»ماذا تفعلين بي». حول «تتبرج لأجلي» كان هذا اللقاء:

• ما الذي اختلف في قصائدك الاتية من كتب عدة بعدما اجتمعت في كتاب واحد؟

 المناخ الواحد الذي يخيم على هذه النصوص المتباعدة زمنياً والمتقاربة شعورياً ووجدانياً حيث تأكدت أن ثمة خيطاً سرياً أشبه بحبل السرة فيما بينها وهو خيط الحب بمعناه الشامل حب للحياة وللكائنات وللأشياء وللأمكنة وطبعاً حب للمرأة بحالاتها المختلفة.

• يقال ان الرسام يرسم اللوحة نفسها طوال حياته هل ينطبق هذا القول عليك؟

 أظن أن الشاعر عموماً يكتب القصيدة نفسها بأشكال وأساليب وصور مختلفة لكن في الجوهر تبقى قصيدة الشاعر واحدة تماماً كما هي الحياة واحدة، أو لنقل أن النصوص والمجموعات الشعرية هي تقاسيم على هذه القصيدة المسماة قصيدة الحياة التي لا تكتمل إلا بموت صاحبها. وهنا أشارك غادة السمان موقفها الرافض تسمية أعمال الكاتب التي تصدر في حياته بالأعمال الكاملة إنها الأعمال غير الكاملة في انتظار اكتمالها بتوقف مؤلفها عن الحياة. لذلك لا أنفي مقولة القصيدة الواحدة ولا أهرب منها.

• يلاحظ القارئ أن موضوع الموت يأخذ حيزاً من قصيدتك، هل يشكل الموت أو الوجود هاجساً لديك؟

 أستطيع القول اني حين كتبت هذه النصوص لم يكن لدي هاجس الموت وما بعده هاجساً واعياً لدي لعله كان كامناً في اللاوعي الشعري وفي اللاوعي الوجودي عموماً، أقرأ هذه النصوص مثل أي قارئ آخر وأستغرب أحياناً سبب طغيان هذا الهاجس في شكل مبكر.

• لماذا عشقتك النساء سراً؟ وكيف اغتالك الشعراء؟

 طبعاً في هذا التعبير المجازي بعض من نرجسية الشاعر وهي ضرورية أحياناً لكتابة القصيدة. إذا لم يؤمن الشاعر بأن لديه قولاً مختلفاً عن كل الآخرين لا ضرورة لأن يكتب على كل شاعر أن يؤمن بأنه الشاعر الأول لكي يكتب. أما قولي هذا وبالمعنى المباشر للكلمة فإن فيه موقفاً نقدياً من بعض الشعراء وهو موقف يتكرر في قصائد أخرى مثل «لست يوسف ولا أريد إخوتي» أو «في الخارج شعراء... تباً لهم». تعبيراً عن رفضي الانتماء إلى حلقة الشعراء الضيقة وما فيها من ضغائن وبغضاء ونميمة و«قيل وقال» لو أخذها الكائن بالحسبان للقفل على نفسه واعتزل إلى الأبد. يوجعني جداً المنطق الإلغائي الذي قابلني به كثير من الشعراء والنقاد لا لشيء إلا لأنني شاعر اختار أن يعمل مبكراً في التلفزيون وأن يكون له أحياناً موقف مغاير لبعض المواقف المؤدلجة.

• لاحظنا من جو الكتاب أنه ليس عن إمرأة واحدة ولكن لم نلاحظ أي اباحية واضحة وإنما كانت القصائد تجاور أو تشير إلى ذلك؟

 دعني أقول انها إمرأة بنساء كثيرات، كل شاعر برأيه لا يكتب عن إمرأة بعينها وأحياناً يكتب لإمرأة مستحيلة وغير متحققة ومرات يكتب قصيدة حب انطلاقاً من حال مختمرة في الوجدان منذ سنين طويلة، وفي الغالب يكتب الشعراء للمرأة الراحلة ، المغادرة ، أكثر مما يكتبون لتلك القادمة أو المقيمة.

أما الشطر الثاني من السؤال فإني أشعر وهذه وجهة نظري وقد لا أكون على صواب ولا أستطيع أن أفسر شعري ولا أحب فعل ذلك ولكني أرى في شعري شيئاً من « الإيروتكية» الناعمة ومزيجا من المقدس والمدنس في آن ولعل هذا المزج من طبيعة تربيتي ومن مصادر ثقافتي الهجينة والمتعددة من النصوص القرآنية وكتب الأدعية وسير الأنبياء الى النصوص الماركسية والوجودية وما بينهما بما في ذلك القصص العاطفية المصورة والروايات الرومانسية الشعبية والشعر العربي على تعدد مذاهبه.

• قصيدة الغزل لديك تبتعد عن الحزن رغم بعض الغياب الواضح فيها إلا أنها تسترسل بالوصف بفرح؟

 لم يكن في حياتي على الأعم الأغلب من أسباب للفرح سوى المرأة سواء كانت المرأة الأم أو المرأة الحبيبة أو المرأة الصديقة أي أن المرأة الإنسان وبحالاتها المختلفة هي سبب فرحي الأوحد لا شيء يغريني ويحرضني على الحياة والكتابة مثل حضور المرأة في حياتي دون إغفال أن هذا الحضور يرتدي أشكالاً كثيرة بما فيها الغياب وكل الحالات التي قد تبعث على غير الفرح.

• هل يوجد في قصيدتك متسعاً بعد لما يمكن قوله في غزل النساء؟ ألا تخشى التكرار؟

 عطفاً على ما كنت أقوله في جواب سابق أن كل شاعر يقول قوله لأن ما من موضوع أو أمر لم يكتبه الشعراء وقد سبقنا جدنا عنترة منذ مئات السنين إلى القول « هل غادر الشعراء من متردم» بمعنى أن الموضوعات الإنسانية هي نفسها على مر العصور والأزمنة. كل منا يكتب الحب أو الفراق أو الرحيل أو الفرح على طريقته لذلك أجرؤ على القول نعم لا يزال في قصيدتي متسع للحب وللشعر وكلما كتبت أكثر كلما اتسعت اللغة أكثر.

• خصصت فصلاً كاملاً عن الأهل والأصدقاء في قصائد يغلفها الحزن في ما يشبه الرثاء؟

 السؤال في مكانه فمنذ طفولتي عشت غياب الأهل، الأب والأخوة وراء المحيطات في مدينة سيدني الأسترالية. الآخرون إما في المهاجر أو في التهجير القسري وفي ما بعد حين صرت واحداً من جماعة الشعراء اكتشفت كيف يصير المرء «يوسف رغما عنه» وكيف يحاول إخوته رميه في البئر لذلك أكتب بكثير من الإنكسار وتبدو لغتي أحياناً وكأنها لغة جريح تكسرت النصال على النصال في جسده المثخن وروحه المتعبة.

• كانت السيدة فيروز وسمير القنطار ضمن هذا الفصل حيث أهديتهم قصيدة لكل واحد؟

 صحيح فيروز بصوتها وبكل ما تمثله كانت صديقة منذ نعومة الأحلام دائماً ما كانت برفقتي في لحظات الحب والحزن والاشتياق والوحدة وفي زمن الأحلام النضرة كما في زمن الأحلام المكسورة في السلم والحرب في المقهى، وفي السيارة، في الملجأ وفي غرفة الجلوس. في كل الحالات والأحوال كانت فيروز وأبقى مديناً لها بحياة أخف وطأة. أما سمير القنطار فعدا عن كونه رمزاً لقضية عادلة ومحقة ونبيلة هي قضية الأسرى والمعقتلين في سجون الإحتلال الإسرائيلي وعدا كوني أسيراً سابقاً أعرف بالتجربة معنى أن يكون المرء محروماً من أبسط تفاصيل حريته عدا كل هذا فإن ثمة تواصلاً بيني وبين سمير القنطار عبر عائلته ومحاميه بحيث أزعم أن هذا التواصل تحول إلى صداقة حقيقية فيها وعد من سمير بأن يكون ضيفاً على «خليك بالبيت» فور خروجه من المعتقل إن شاء الله.

• وجدنا أنك كتبت قصيدة عن فيلم وعنونت أخرى بعنوان فيلم، ما الذي تقدمه السينما للحال الشعرية؟

 فضلاً عن الصور والمشهديات الكثيرة المحرضة على الكتابة تقدم السينما أيضاً الكثير من المفاتيح الضرورية لولادة قصيدة ما وأحياناً تكون القصيدة على طرف قلم الشاعر ولكنها لا تأتي لأن الجملة المفتاح غير حاضرة وحصل معي أكثر من مرة أن وجدت المفتاح في هذا الفيلم أو ذاك ولكننا نتحدث عن أفلام ذات بعد معين وليس عن أي نوع من الأفلام التجارية بل عن الأفلام العميقة بمعناها الإنساني وبمعناها الفني وما يفعله الفيلم تفعله أحياناً رواية أو معزوفة أو أغنية لأنني أؤمن بتواصل أدوات التعبير وتفاعلها فيما بينها.

• لديك تاريخ نضالي حافل كما أنك كنت أسيراً لدى الاحتلال الإسرائيلي، ما قدمته هذه التجربة إلى قصيدتك، أو إلى الشاعر في زاهي وهبي؟

 هذه التجربة هي جزء أساسي من حياتي ومكون من مكونات وعي ووجداني وقد أعطتني الكثير ومن جملة هذا الكثير علمتني الانحياز إلى معنى الأشياء والتأمل في الوجود والابتعاد عن الأحكام الجاهزة والشعارات الكبرى والاقتراب أكثر من التفاصيل حين تفقد حريتك تكتشف أن الحرية ليست شعاراً من على منبر أو يافطة في ساحة أو هتافاً في تظاهرة كما أن الحرية ليست مجرد قصيدة أو أغنية أو ماشابه لعلها كل هذه الأمور ولكنها قبل كل ذلك هي «حرية التفاصيل الصغيرة» اليومية والعادية.

• ما هو رأيك بحركة النقد في لبنان وهل ثمة ما تضيفه هذه الحركة على الحالة الشعرية العامة؟

 بصراحة ومن دون مجاملات، لا أرى نقداً بالمعنى الحقيقي لكلمة نقد طبعاً هناك استثناءات وهناك بعض الأقلام التي تضيف إلى النص حين تتناوله نقدياً ولكن في شكل عام الغالب على الصفحات الثقافية المعنية بمتابعة الحركة الشعرية وسواها هو نوع من المجاملات والإخوانيات بحيث أننا صرنا نعرف مسبقاً بمجرد صدور ديوان لهذ الشاعر أو ذاك من الذي سوف يكتب عنه وما الذي سيكتبه ومن الذي سوف يستقبله بحفاوة وترحاب ومن الذي سوف يوصد الأبواب في وجهه ويتجاهله هذا ليس نقداً بل هذا نوع من التجارة الثقافية .

• علت أصوات عدة تعلن موت الشعر هل ترى ذلك محقاً؟

 كلما ولدت فكرة في أوروبا أو في أميركا أو في أي بلد من بلاد الله الواسعة وجد عندنا من يتلقفها كما هي وتبنيناها غير آبه بالفوارق الثقافية والاجتماعية والفكرية والحضارية بيننا وبين تلك المجتمعات والشعوب. والمفجع أن بعض هذه الأفكار والمقولات تصل إلينا بعد أن تنتهي مدة صلاحيتها في بلد المنشأ، ونروح نثرثر فيها وحولها بعد أن يتجاوزها مطلقوها أنفسهم. لا لم يمت الشعر، ولن يموت. قد يموت شعراء بمعنى قد يموت شعراء بمعنى أن قصيدتهم تموت وتتخشب أو تتحجر فيظنون ان الشعر قد مات.

• بعد اثني عشر عاماً في برنامج «خليك بالبيت» ما الذي أضافه إلى تجربتك. وهل استبد الشاعر بالصحافي؟

 دعني أبدأ من نهاية السؤال طبعاً يتسلل الشعر إلى الصحافي وأحياناً كثيرة يتسرب رغم إرادة الشاعر بمعنى أن فكرة ما أو صورة ما تكون حاضرة في ذهن الشاعر وفي وجدانه وفي وعيه ويكتشف أنه ضَمَّنها مقالة ما عوضاً عن القصيدة وبالتالي فإن الكتابة الصحيحة خصوصاً اليومية منها تستهلك الشعراء ولكن هذا لا يعني أن الشاعر لا يستفيد من عمله خصوصاً إذا وضع في ذهنه الرغبة الدائمة بالتعلم ورمى جانباً وهم الاكتمال، وبهذا المعنى فإن الجامعة الحقيقية التي تخرجت فيها هي جامعة «خليك بالبيت» حيث تعلمت من مئات المبدعين العرب أضعاف ما تعلمته في المدرسة أو في الجامعة أو في الكتب أحياناً .

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي