ديمتري مدفيديف يقدم وجها آخر لروسيا في مايو المقبل

تصغير
تكبير
| كتب مصطفى جمعة |

يتسلم الرئيس الروسي الجديد ديمتري مدفيديف 42 عاما (14 سبتمبر 1965)، مهام منصبه في السابع من مايو المقبل ليكون أصغر زعيم روسي يسكن الكرملين منذ اعتلاء القيصر نيكولا الثاني عرش روسيا عام 1894 (كان عمره حينها 26 عاماً)، وليكون أيضا ثالث رئيس لروسيا ما بعد الحقبة السوفياتية بعد بوريس يلتسين (1991-1999) وفلاديمير بوتين (2000-2008). كما أنه أول رئيس لم تنطبع مسيرته بالاتحاد السوفياتي السابق ذلك أنه شهد سقوط الشيوعية عام 1991 حين كان في السادسة والعشرين من العمر، وهو مختلف عن كل الزعماء الروس كونه متجدد الفكر ونسخة عصرية للشباب الروسي، تفتح ذهنه على إرهاصات الحرية من قيود الأفكار الشيوعية. مدفيديف البالغ طوله 162 سنتيمترا يحرص على السباحة ورفع الأثقال ساعة في كل صباح وأخرى في المساء، و يسبح 1500 متر مرتين كل يوم، كما أنه يمارس رياضة العدو ويلعب الشطرنج ويمارس اليوغا ويشجع فريق «زينيت سنت بيترسبرغ»، ويهوى أسماك الزينة ويحتفظ في مكتبه بحوض زجاجي لتربيتها، و يعشق فرقة الروك البريطانية « بلاك ساباث» « والمغني ليد زبلين وديب بوربلانه وقام بجمع سائر ألبومات هذه الفرق على مر الأيام على الرغم من أن أعمالها كانت ممنوعة في الاتحاد السوفياتي السابق. ومن هواياته الأخرى قراءة أعمال ميخائيل بولغاكوف التي كانت محظورة في الفترة الستالينية. كما أنه يشجع الـ «أولبانيان» وهي اللغة التي يستخدمها الشباب الروسي على صفحات الانترنت. و يدعو إلى تعليمها في المدارس بغرض: «مزيد من الاستنارة على الشبكة الالكترونية، والترويج للثقافة الروسية، وأقرب الطرق إلى تحقيق هذين الهدفين هو اللجوء للهجات بديلة.» على حد قوله.

كل الأنظار تتجه إلى موسكو، بدءا من هذا اليوم وحتى 8 من مايو المقبل وهو اليوم الذي سوف يدعو فيه «الدوما» بوتين لتولي رئاسة الوزارء، وذلك لمعرفة نتيجة الشراكة المستقبلية التي سيشكلها الأستاذ فلاديمير بوتين وتلميذه مدفيديف في السلطة، غير أن الأخير حسم الموقف قائلا: «الرئيس يقرر السياسة الخارجية لروسيا بموجب الدستور». موضحا أن: «للرئيس صلاحياته ولرئيس الحكومة صلاحياته. لقد تحددت هذه الصلاحيات منذ زمن طويل ولا يمكن لأحد أن يغيرها». وأضاف: «نعمل معا منذ زمن طويل وكلنا ثقة ببعضنا البعض». مشددا على أن سياسته ستكون: «استمرارا مباشرا لسياسة فلاديمير بوتين». ولكنه وعد مع ذلك بإدخال بعض التعديلات، وبين مدفيديف أن: «روسيا اختارت طريق التطور لفترة طويلة مقبلة»، وأن سياسة الرئيس بوتين ستتواصل. وأضاف: «لدينا كل الفرص لمواصلة تطورنا، كما تطورنا خلال الأعوام الفائتة، لتعزيز الاستقرار وتحسين مستوى المعيشة والمضي قدما». مؤكدا بثقة: «سنمضي سويا وسنربح»!


ديما مخلص ووفي

وتدور تساؤلات حول ما إذا كان مدفيديف، أو «ديما» كما يحبّ بوتين أن يناديه والتسمية وردت في كتاب قام على جمع سلسلة مقابلات لبوتين ونشر عام 2000، سيستمر في هذا الإخلاص والوفاء لمعلمه أو ينقلب عليه وينفرد بسدة الرئاسة الروسية بعد التخلص من الذين أتوا به الى السلطة، وفي هذا الشأن قال رئيس معهد التقييم الاستراتيجي الكسندر كونوفالوف : «كل شيء  يمكن توقعه لأن منصب الرئاسة يقوي حتى رجل سياسي ضعيف»، لكن آخر زعماء الإتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف له رأي آخر وقد عبر عن إعجابه بديما قائلا: «أعتقد أنه مخلص ووفي ويحمل أخلاقيات المدينة التاريخية والعراقة، علاوة على أنه متعلم وعصري ولديه استعداد جيد للإستماع للرأي الآخر. ولديه خبرة حياتية رائعة كمحام. « تخرج مدفيديف من كلية الحقوق «جامعة لينينغراد - بطرسبرج» عام 1990 حاملا شهادة دكتوراه في القانون المدني ما أهله في فترة ما ليشغل منصب استاذ مساعد في كليته. وهي الكلية نفسها التي تخرج منها بوتين وأبرز نجوم الحركة الثورية منذ مطلع القرن العشرين، وفي مقدمتهم فلاديمير لينين زعيم «ثورة أكتوبر 1917».

وأوضح مدفيديف في أول تصريحات له عقب فوزه بانتخابات الرئاسة الروسية أنه سيؤكد على : «استقلال روسيا في السياسة الخارجية وحقها في حماية مصالحها كما فعلت خلال الأعوام الثمانية السابقة».

 مدفيديف الذي كان يشغل منصب نائب أول لرئيس الوزراء ومسئول عن برامج الحكومة الاجتماعية والزراعية، قبل أن يفوز بمقعد الرئاسة بدعم من حزب «روسيا الموحدة» الذي كان يقوده بوتين في الانتخابات البرلمانية، يدخل الكرملين مقر الحكم في أكبر دول العالم، تبلغ مساحتها 17 مليون كلم مربع وتمتد على إحدى عشرة منطقة زمنية من كالينينغراد بين ليتوانيا وبولندا إلى فلاديفوستوك وبحر بيرينغ في الشرق الأقصى و تحد روسيا دول البلطيق من الشمال الغربي، واوكرانيا وبيلاروسيا من الغرب، ودول القوقاز وآسيا الوسطى والصين من الجنوب. ويحدها من الشمال المحيط القطبي الشمالي. لا يريد أن يكون نسخة طبق الأصل عن سلفه ذبوتين. ويعرب المراقبون عن اعتقادهم بأن مدفيديف سيدخل بعض التعديلات على السياسة الخارجية خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية واوروبا الغربية. ومن المتوقع أن يعمل مدفيديف المعروف في الأوساط الغربية بميوله الليبرالية على تخفيف حدة المجابهة مع واشنطن في المجالات الخلافية وتعميق التعاون الثنائي معها في المجالات التوافقية خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والحد من انتشار الأسلحة النووية. وستعمل روسيا في عهد مدفيديف على تطوير علاقاتها مع الاتحاد الاوروبي وربما تقترب أكثر من الموقف الغربي في معالجة أزمات إقليمية مثل أزمة الملف النووي الإيراني والوضع في شبه الجزيرة الكورية. ويتوقع المراقبون أن تواصل روسيا سياستها التقليدية في الفضاء السوفياتي السابق، وتعمل على الذود عن مناطق نفوذها هناك لكنها ستبدي ميلا لتعاون دولي أكبر في معالجة الأزمات الإقليمية التي تعاني منها هذه المنطقة، خصوصا النزاعات في ابخازيا واسيتيا الجنوبية. ويعتقد المراقبون أن روسيا ستواصل تطوير علاقاتها مع الدول العربية والعالم الإسلامي وستعمل ربما بشكل أكبر على تطوير علاقاتها مع اسرائيل. ولن يجد مدفيديف مفرا من التمسك بالثوابت الروسية حيال أزمة الدرع الصاروخية الأميركية في اوروبا، وكذلك تحرك البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو تجاه الحدود الروسية، وسيحاول التصدي بقوة لأي محاولة لنشر قواعد عسكرية أميركية في الجمهوريات السوفياتية السابقة لا سيما القريبة من روسيا. ومن جهة أخرى حدد مدفيديف أولوياته في الحكم بالنسبة إلى النواحي الداخلية فقال: «الأهم تجديد أسلحة القوات المسلحة وتحسين مستوى الضمان الاجتماعي لأفرادها لتطوير هذه القوات، ومن الضروري تأمين معدات جديدة لهذه القوات، بدلا من القيام بتصليح القديمة المعطلة دائما. وبعكس ذلك لن تتوافر القدرات القتالية». وأضاف أن: «المهمة الثانية التي لا تقل أهمية هي النواحي الاجتماعية. فمن الضروري زيادة الرواتب بصورة متواصلة وحل مشكلة السكن». وقال ان المخصصات المحددة في الميزانية لحل مشكلة السكن ستزداد في هذا العام، حيث وصل حجم التمويل إلى 30 مليار روبل، كما أكد على أن نوعية السكن ستكون أفضل بكثير من السابق.


أسرة صغيرة

 والرئيس الروسي الجديد لم يأت من رحم «الاستخبارات الروسية - كيه.جي.بي» مثل بوتين، بل يصنف على أنه من العناصر الأكثر ليبرالية ضمن صقور الأمن في مؤسسة الحكم الروسية الذين كان لديهم نفوذا قويا خلال الأعوام الثمانية الماضية، وهو سيواجه اختبارا جادا ذلك أن بوتين يتمتع بشعبية طاغية لدي شعبه الذي أعاد له الشعور بالفخر الوطني، وسدد كل الديون الخارجية، وأعاد تسليح الجيش الروسي الذي جرد من عتاده خلال عملية التحول المريرة التي عاشتها البلاد عقب سقوط الاتحاد السوفياتي.

 ولد ديمتري أناتولييفيتش مدفيديف، صاحب الوجه الطفولي، لأب كان استاذا في معهد التكنولوجيا بمدينته بطرسبرج و توفيَّ عام 2004، وأمٍّ تدعى يوليا بنيامين، كانت تعمل مدرسة في «معهد التربية» قبل تحولها للعمل مرشدة سياحية في أحد متاحف المدينة. ولا يوجد في سيرتة الشخصية ما يشير إلى قوميته التي كانت الإشارة اليها ضرورية في كل الهويات الصادرة خلال العهد السوفياتي، وإن أشار اسم جده عن الأم والاسم الذي اختاره لابنه، ايليا ـ مواليد عام 1996، إلى احتمالات انتماء مدفيديف إلى قومية غير الروسية وبالتحديد اليهودية كما قال عنه رئيس حزب «روسيا العدالة». تزوج من زميلته في الدراسة سفيلتانا فلاديميروفنا مدفيديفا بعد أعوام عدة من انهائهما المرحلة الثانوية عام 1982. وفي عام 1996 رزقا بابنهما ايليا. وعلى الرغم من إشرافه على البرامج القومية حول ضرورة زيادة النسل، بموجب توجهات الدولة الرسمية لحل المشكلة الديموغرافية التي تواجهها روسيا من جراء ما يسمونه خطر انقراض الأمة الروسية، إلا أنه لا يزال مكتفيا مع زوجته سفيتلانا بابن وحيد. و يعترف اليوم وتحت وطأة الحاح رجال الصحافة بضرورة إعادة التفكير في ذلك وبأنه يفكر في إصلاح ما قد يوصف بالخطأ استجابة لمتطلبات الدعوة القومية لزيادة النسل.


أفضل ثنائي

يذكر أيضا أن مدفيديف هو أحد المساهمين في تأليف ثلاثة مجلدات في القانون المدني لطلاب الحقوق بالجامعات الروسية، نشرت الطبعة السادسة منها العام الحالي، ويشير العديد من خبراء القانون إلى أن هذه المجلدات تعد بعض من أفضل ما كتب في هذا الميدان. وهو أيضا مؤلف كتاب يدرس بالجامعات الروسية بعنوان «أسئلة حول التنمية القومية الروسية» نشر في العام الحالي، إضافة إلى مساهماته في تأليف عدد من الكتب الأخرى التي تعنَى بالقانون الفيدرالي الروسي والخدمة المدنية.

مدفيديف - بوتين أفضل ثنائي يمكن أن يحقق للبلاد أحلامها في الغد السعيد، هكذا يقول الكثيرون في روسيا اليوم، وحول هذا قال سيرغي ميرونوف زعيم حزب «روسيا العادلة» رئيس مجلس الاتحاد أن ارتباطهما وعملهما معاً لفترة تزيد على 17 عاما وحاجة الوطن إلى الاستقرار واستمرارية النهج الذي وضع بداية الطريق نحو هذا الاستقرار يفرضان ضرورة استمرار هذا الثنائي في العمل جنباً الى جنب. وتوقف ميرونوف عند خبرات مدفيديف التي اكتسبها من عمله رئيسا لديوان الكرملين وعضويته في مجلس الأمن القومي بحكم منصبه، مما ساهم إلى حد كبير في استيعاب خبايا الشؤون الداخلية ومشاكل السياسة الخارجية وإدراكه لأهمية الاقتصاد من منظور عمله أيضا كرئيس لمجلس ادارة مؤسسة «غاز بروم».

 وعرف عن ميدفيديف بأنه محب للكتب. ويقول أن أفضل كتاب لدية كان «الموسوعة السوفياتية» التي تماثل «موسوعة بريتانيكا»، وقالت ناتاليا راسكازوفا التي درست مع مدفيديف في كلية الحقوق: «انه مثقف للغاية. يمكنك أن تتحدث معه عن المسرح والموسيقى... ولديه روح فكاهة، وأضافت أنه لم يتغير، رأيته قبل عام ولم تكن هناك عجرفة ولم يكن في برج عاجي.» وقد اشتغل مدفيديف بالتجارة أيضا وهي فترة من حياته أغفلتها السيرة الذاتية الرسمية. وعمل محاميا رئيسيا لدى شركة «اليم بالب» للورق وساعد في تأسيسها على الرغم من أن زملاءه يقولون أنه لم يعامل قط كند لملاك الشركة. وقد صارت واحدة من أبرز الشركات الروسية في القطاع الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات. وقال زميله السابق كان يتقاضى راتبا ودخل في التجارة الحقيقية في التسعينات، وأضاف ان مدفيديف تبنى موقفا غير معتاد آنذاك فلم يكن يدفع الرشوة وخسر قضية في المحكمة خاصة بالشركة لأنه رفض أن يعطي القاضي مالا. ولعبت صداقته ببوتين دورا حيويا في صعوده. فبعد أن صار بوتين رئيسا للوزراء ثم صار رئيسا في عام 2000 خلفا ليلتسن دعا مدفيديف إلى موسكو. وعمل نائبا لرئيس موظفي الكرملين ثم رئيسا للموظفين وتولى أعلى منصب في شركة «جازبروم» التي تسيطر عليها الحكومة وهي أكبر شركة للغاز في العالم. ويقول مصرفيون في مجال الاستثمار أن مدفيديف أظهر سلطة في الكرملين من خلال اجرائه اصلاحا جوهريا لـ «جازبروم» مما سمح للدولة بتعزيز سيطرتها ولكن في الوقت نفسه فتح المجال للاجانب بتملك أسهم الشركة. ونشرت مجلة «بونته» الالمانية في إحدى أعدادها السابقة على موقعها الالكتروني تقريرا حول الجوانب المجهولة في شخصية مدفيديف وقرينته سفيتلانا التي من المنتظر أن تكون «سيدة أولى من الطراز المتميز». وذكر تقرير المجلة أن سفيتلانا تختار ملابسها وفقا لأحدث خطوط الموضة في لندن وتحب تناول «السوشي» كما أن هالة من السرية تحيط بحقيقة عمرها الذي قالت عنه المجلة إنه: «من أسرار الدولة». وقال محرر في صحيفة «التايمز» البريطانية أنه شاهد ديمتري وزوجته في هيثرو وهما يستقلان طائرة تابعة لشركة ايرفلوت و«محملان» بحقائب عليها اسم سلسلة محلات هارودز الفاخرة». ونقلت المجلة عن خبيرة العلوم الاجتماعية مارينا باسكاكوف قولها : «المجتمع يتغير بشكل واضح فهما، ديمتري و سفيتلانا، زوجان متطوران وأعتقد أن المجتمع الروسي مستعد للتعامل مع سيدة أولى حقيقية».



«لقد اخترت ديمتري مدفيديف لمنصب الرئيس لأنه كان ومازال بمثابة ذراعي الأيمن» !

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي