نحو ألق ثقافي / Cats & T. S. Eliot

  u062f. u0639u0644u064a u0627u0644u0639u0646u0632u064a
د. علي العنزي
تصغير
تكبير
| د. علي العنزي |

أعترف أني منذ قرأت جريمة قتل في الكاتدرائية حينما كنت طالباً غراً، لم أقرأ شيئاً من الأعمال النصية ولا الشعرية، للحائز على جائزة نوبل في الأدب، **تي أس إليوت (1888-1965 Thomas Stearns Eliot).

بدأت الحكاية باختصار... حينما وقعت عيناي في بداية حياتي على أعظم قصائد القرن العشرين The Waste Land، فاستعصت على لغتها؛ ورميت الكتاب مرات عدة من يدي من شدة ما أعيتني لغته، وتراجعت ولم أعدها منذ ذلك الحين!

مؤخراً نظم الأخوة في رابطة أعضاء هيئة تدريس المعهد العالي للفنون المسرحية زيارة لوفد من الأساتذة لعاصمة الخليج الاقتصادية إمارة دبي، لحضور عرضCats* المستمد من مجموعة من القصائد النزوية والغريبة الأطوار التي ضمنها هذا الشاعر الأميركي/ البريطاني الكبير في مجموعته الشعرية Old Possum's Book of Practical Cats.

وبكل صراحة... عاودتني الخشية القديمة، وكادت وعورة أشعار إليوت أن تدفعني لاستثقال المهمة في بادئ الأمر!

استعدت قراءة The Waste Land لأحسم أمري، فألفيت نفسي أمام عملاق من عمالقة الشعر! قرأت القصيدة بلهفة وشوق، ووقفت طويلاً أمام عباراتها الخلابة، العامرة بالحياة، والاستعارات والكنايات المليئة بدقة التصوير... رباه ما ألذ التتلمذ والإفادة من هكذا قصيد، تكاد ترى الدم في عروقه الخافقة بالحياة.

Cats في السياق عينه، تميزت بمعمارها الجميل، رغم أنها قد تبدو في بعض حالاتها، وخصوصاً في حالات الاستعارات، أشبه ما تكون بالأحجية، بالنسبة لغير المنيع بالإنكليزية. انتقل إليوت في قصائده من معنى إلى آخر، وعمرت أبياته بالصور، التي قد تبدو بادئ ذي بدء غير مترابطة، ولكن شعاع النور في صورها ومعانيها المتفرقة ما يلبث أن يأخذ بالسطوع مع مرور الوقت، فيؤلف بمساندة الإخراج واللحن والديكور الذي يشبه الأزقة المنسية، ذات الحيطان الحقيرة، هيكلاً فنياً لعمل نابض.

لقد أمسك إليوت في Cats بحكاية قطط تافهة لا تنطوي حروف تسكعها على حياة، وأوجد شعراً من وراء عمرها الأخرس!

ويختتم العرض حينما تتمكن القطة Grizabella المهجورة والمتصفة بالإهمال لكبرها من طرد القطط الشريرة، فيما تعجز تلك الأنيقة ذات الشعور الناعمة والجلود المترفة، عن الذود عن حماها من تطفل الأشرار، فيقع اختيار زعيم قبيلة قطط الـ Jellicle (الذي عاش حيوات كثيرة بحسب شعر إليوت)، يقع اختياره على القطة Grizabella لتصعد إلى الطبقة العلية المسماة Heaviside layer لكي تنبعث وتولد ثانية كقطة متجددة.

وهكذا... وبرؤية الفيلسوف وريشة الشاعر القائل بأن مكان الإنسان في الكون لا يحكمه منظر أو هيئة أو سيماء... وبألحان عبقري إنكلترا Andrew Lloyd Webber، يستحيل الشيء التافه إلى خلق جديد... وإذا القطة التائهة في متاهات الحياة قد عمرت حياتها بأنفاس شعره وصارت عملاً تحار من جمالياته الألباب!

دشنت عروض Cats للمرة الأولى في لندن على خشبة وست إند في العام 1981، وذهب العرض لأن يصبح الأكثر استمرارية في تاريخ نيويورك، ولم يتجاوزه في عدد العروض إلا أسطورة آخر من أساطير Lloyd نفسه بعنوان شبح الأوبرا.

ألف الشكر:

للجنة الاجتماعية في رابطة أعضاء هيئة تدريس المعهد العالي للفنون المسرحية ونخص بالذكر د. بدر ملك، والأخت خلود الرشيدي، ولا يفوتني التنويه بجهود د. خليفة الهاجري، وأختم بإزجاء خالص الشكر لأمين عام الهيئة العربية للمسرح إسماعيل عبدالله على كرم الوفادة وحسن الاستقبال الذي لقيه الوفد، والذي لم نستكثره أو نستغربه منه.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي