شيلكوت «محبط» من امتناع رئيس الوزراء تسليمه «وثائق حساسة»

مؤشرات على فشل التحقيق البريطاني في قرار الحرب على العراق

تصغير
تكبير
| لندن - من الياس نصرالله |
تزايدت المخاوف أمس من أن يكون فشل التحقيق في كيفية اتخاذ حكومة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير قرار الذهاب الى الحرب على العراق، وهو الهدف الذي من أجله تم تعيين لجنة التحقيق الرسمية برئاسة اللورد شيلكوت، فشل وذلك لامتناع حكومة رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون عن تسليم لجنة التحقيق وثائق أساسية تتعلق باتخاذ قرار الحرب الذي كلف بريطانيا عدداً كبيراً من الضحايا بين قتيل وجريح في صفوف الجيش علاوة على استنزاف ميزانيات الدولة لتغطية مصاريف الحملة العسكرية.
وكانت حكومة رئيس الوزراء السابق العمالية غوردون براون وافقت على تشكيل لجنة التحقيق نزولاً عند رغبة الرأي العام البريطاني، بعد الكشف عن أن قرار الحرب اتخذ بناء على تقرير استخباراتي مزيف تحدث عن وجود أسلحة دمار شامل لدى الرئيس العراقي السابق صدام حسين وعن قدرته على استخدام هذه الأسلحة خلال فترة قصيرة في حال نشوب حرب، الأمر الذي تبين أنه غير صحيح ولم يُعثر على أثر في العراق لهذه الأسلحة المزعومة بعد سقوط صدام. وتركز تحقيق لجنة شيلكوت في جزء منه حول هذا التقرير الاستخباراتي. وتكشفت أمام اللجنة تفاصيل مثيرة حول الخداع الذي اتبعته حكومة بلير والادارة الأميركية من أجل تمرير قرار الحرب.
ومنذ بداية تشكيلها واجهت لجنة شيلكوت مشكلة حول قدرتها على كشف الحقيقة، وساد اعتقاد بأن براون ليس جاداً في اجراء تحقيق جدي في قرار الحرب، وأنه وافق على تشكيل اللجنة لكسب ود الشارع البريطاني عشية الانتخابات النيابية واقناعه بأنه ينتهج سياسة مغايرة لسياسة سلفه العمالي توني بلير، لذلك أعلن براون قرار تشكيل اللجنة شخصياً في حزيران 2009، لكنه قال أن التحقيق سيتم خلف أبواب مغلقة، مما أثار ضجة واسعة ودفع الناس، خاصة عائلات الجنود القتلى، للاحتجاج واتهامه بمحاولة تضليل الرأي العام، فاضطر براون الى سحب كلامه والموافقة على فتح جلسات التحقيق والاستماع الى الشهود أمام الرأي العام ووسائل الاعلام. لكن افصاح براون عن رغبته في ابقاء التحقيق بعيداً عن أعين الناس اثار شكوكاً بأن حكومته لن تتعاون بما فيه الكفاية مع لجنة التحقيق، وأن من مصلحة براون ألا تدين لجنة التحقيق حزب العمال.
وكشف النقاب لاحقاً عن أن الحكومة البريطانية تعهدت للادارة الأميركية سراً بالمحافظة على المصالح الأميركية خلال التحقيق وطمأنتها أنها ستتخذ التدابير والاجراءات اللازمة من أجل ذلك، الأمر الذي أثار مخاوف كثيرة من أن التحقيق لن يكون نزيهاً لاعتبارات عديدة، منها وجود رغبة بريطانية في عدم ازعاج الأميركيين في هذا التحقيق. كما انتقد سفير بريطاني سابق يُدعى أوليفر مايلز تشكيلة اللجنة بعد الاعلان عنه في نوفمبر 2009 في مقال نشره في صحيفة «الاندبندنت» تساءل فيه عن سبب تعيين عضوين يهوديين فيها من المؤيدين لاسرائيل، الأمر الذي أثار شكوكاً أبعد مدى في جدية التحقيق وطغيان العوامل السياسية فيه على العوامل القانونية أو الموضوعية.
كانت أول جلسة للجنة شيلكوت في 24 نوفمبر 2009 وكان أول شاهد استمعت له اللجنة دوغلاس براند، المستشار البريطاني لشؤون الشرطة الذي عمل خلال الفترة بين 2003 و2005 على بناء جهاز الشرطة الجديد في العراق، بعد سقوط صدام، واحتلت شهادة براند أهمية خاصة، نظراً للانتقادات الشديدة التي وجهت الى القوات البريطانية والأميركية على حدٍ سواء بشأن عدم وضع خطة لكيفية الحفاظ على العراق، بعد سقوط صدام، الأمر الذي أدى الى حالة فوضى نتيجة حل جهازي الجيش والشرطة التابعين لصدام. واستمرت جلسات اللجنة بلا توقف حتى 2 فبراير 2011 وهي الجلسة التي استمعت فيها اللجنة الى شهادة وزير خارجية بلير السابق جاك سترو، الذي لعب دوراً بارزاً في تسويق قرار الحرب على الساحة الدولية. ومَثـُل بلير أمام اللجنة مرتين واستمعت اللجنة الى مئات الشهود من وزراء وعسكريين واداريين ممن كانت لهم علاقة بقرار الحرب وما تلاه من مشاركة بريطانيا العسكرية فيها والتي استمرت من مارس 2003 وحتى يونيو 2009. ولم يقتصر استماع اللجنة على الشهود البريطانيين، بل انتقلت اللجنة الى الولايات المتحدة، حيث استمعت هناك الى عدد كبير من السياسيين والعسكريين الأميركيين الذين كانت لهم علاقة بقررا الحرب وبالحرب ذاتها.
أثناء انعقاد لجنة التحقيق جرت الانتخابات النيابية في بريطانيا في مايو 2005، فسقطت الحكومة العمالية وحلت مكانها حكومة ائتلافية من حزبي المحافظين والليبراليين الديمقراطيين اللذين كانا من أشد المطالبين باجراء التحقيق في قرار الحرب، على الرغم من أن حزب المحافظين أيّد قرار الحرب ودعم بلير داخل البرلمان، على عكس الليبراليين الديمقراطيين الذين عارضوا الحرب ونددوا بسياسة بلير وحكومته. لذلك توسّم البريطانيون خيراً بالحكومة الجديدة وتوقعوا أن تكون أكثر تعاوناً مع اللورد شيلكوت والتحقيق.
لكن تدريجياً بدأ يتضح أن حزب المحافظين ليس جاداً هو الآخر في مسألة التحقيق في ظروف اتخاذ قرار الحرب، وأن مطالبته بالتحقيق مجرد لعبة سياسية للنيل من حزب العمال المنافس له على السلطة، لا أكثر ولا أقل. وسرعان ما فتر حماس المحافظين للتحقيق. ومع أن لجنة التحقيق أنهت عملها قبل عام ونصف تقريباً، الا أنها ما زالت غير قادرة على وضع تقريرها النهائي، نظراً لأن حكومة كاميرون رفضت تسليم اللورد شيلكوت مجموعة من الوثائق المهمة حول الحرب، هي بالأساس وقائع الجلسات الخاصة التي جرت بين بلير والرئيس الأميركي جورج بوش قبيل اتخاذ قرار الحرب. فوفقاً للكثير من الشهود يعود قرار اتخاذ الحرب الى 11 سبتمبر 2001 وهو تاريخ وقوع الهجمات الارهابية التي نفذها تنظيم «القاعدة» ضد الولايات المتحدة، وأن بوش أبلغ بلير عزمه على ضرب العراق فوافق بلير بلا تحفظ، وأن الجلسات التي جرت بين الزعيمين فيما بعد كانت كلها تبحث في كيفية تجنيد أوسع تأييد دولي لهذه الحرب، والتصدي لموقف الرافضين لها وأبرزهم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. كذلك تطلب لجنة التحقيق الاطلاع على وقائع جلسات الحكومة التي تم فيها بحث قرار الحرب ومعرفة أسماء المشاركين فيها، اذ تبين أثناء التحقيق أن الأشخاص أو المسؤولين، الذين عادة لا يتم اتخاذ قرار بالذهاب الى أي حرب في بريطانيا من دون سماع رأيهم، لم يحضروا تلك الجلسات ولم يؤخذ برأيهم على الاطلاق.
وكشف النقاب أمس، أن شيلكوت وجه رسالة الى كاميرون قال فيها أنه يشعر مع باقي أعضاء لجنة التحقيق باحباط شديد نتيجة امتناع حكومته عن تقديم الوثائق المطلوبة الى اللجنة، اضافة الى عدم موافقة الحكومة على استخدام تفاصيل من الوثائق التي اطلعت عليها بموافقة الحكومة في تقريرها النهائي الذي سينشر ويوضع في متناول المواطنين والرأي العام المحلي والأجنبي، علاوة على تفاصيل أخرى من وقائع جلسات بلير مع قادة دول أجنبية غير بوش تم خلالها البحث في قرار الحرب. ومما أغضب شيلكوت وأعضاء اللجنة اكتشافهم أن بعض الوثائق التي طلبوا من الحكومة اطلاعهم عليها لكنها رفضت، نشرت لاحقا في مذكرات بلير وغيره من وزرائه ومساعديه، على نحو عرّض شيلكوت ولجنته الى السخرية.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي