جعفر رجب / تحت الحزام / صندوق الانتخاب السحري

تصغير
تكبير
إنه صندوق الساحر، يضع الفتاة الجميلة في الصندوق، ثم يحضر منشارا، يقطع الفتاة الى نصفين، وسط ذهول الجمهور وترتفع اصواتهم «اووووووه»... ثم الفتاة تحرك قدميها رغم ان جسمها قطع الى نصفين، فيصفق الجمهور، الساحر يتدخل، ويصلح الوضع، ويرجع الصندوقين، يفتحه، وتخرج فتاة أخرى بزي اخر، ويصفق الجمهور كثيرا لإبداعه.
لا فرق بين صندوق الساحر وصندوق الانتخابات في العالم العربي، الاعلام العربي والغربي يتراكض ويلتقط الصور، لطابور من الناس بانتظار دخولهم اللجان، ثم صورة لعجوزة تحمل خبزا تضع بطاقتها الانتخابية في الصندوق، ولرجل في السبعين على مقعده المتحرك يذهب للاقتراع، ثم دمعة من عين المراسل وهو يردد «انظروا، ان اعاقته لم تمنعه من اداء واجبه الانتخابي، انها الديموقراطية الحقيقية، حتى الاطفال في بطون امهاتهم ينتخبون..»!
كذب ودجل يمارسه الاعلام كما لم يمارسه من قبل، يزورون ارادة الناس والشعب من خلال الصناديق، ينتصر الرئيس اليمني الجديد بالانتخابات النزيهة، وكان هو المرشح الوحيد لها لفترة انتقالية قد تمتد قرنا واحدا فقط، وما زالت الدماء تسيل من صنعاء الى عدن بطريقة ديموقراطية!
ويفوز مرسي بالانتخابات، وكأنه آخر احلام الثوار، فقد انتجت ملايين ميدان التحرير، والاف الشهداء والجرحى، صندوقا تخرج منه فتاة جميلة ترفع يدها، والجماهير تصفق دون ان يدركوا بان الساحر قد قطع الديموقراطية الحقيقية الى نصفين، واعطاهم النصف الفاسد منه فقط، وفي النهاية انه انجاز تاريخي... ويالهذا التاريخ الذي «قرفونا» به!
يا اولاد العرب العاربة لو كان الصندوق هو كل شيء لانحلت مشاكلنا، ولبنينا بدل المصانع والمعامل والمخابز صناديق تؤوي المشردين، ولكن الديموقراطية الحقيقية لا علاقة لها بصندوق الساحر ولا صندوق الخيار ولا العنب... فقط احضر ورقة وقلما، واسأل هذه الاسئلة البسيطة:
هل نملك صحافة حرة، دون رقابة السلطة، التي تستمتع بإحالة الصحافيين الى المخافر والمحاكم والسجون؟
هل نملك احزابا ديموقراطية حقيقية تمثل توجهات سياسية ببرامج انتخابية واضحة، بدلا من التجمعات القبلية والفئوية والدينية، التي تسمى زورا وبهتانا احزابا سياسية؟
هل نملك جمعيات نفع عام حرة تمثل المجتمع المدني بمكوناته كافة، لها حرية التحرك وابداء الرأي، وممارسة النشاط الفعال في المجتمع، دون تدخل السلطات الحاكمة؟
هل نملك قوانين، ومؤسسات تضمن حرية الفرد في رأيه، وعقيدته... بدلا من ممارسة «الغالبية الديموقراطية» طغيانها وقمعها ضد الآخرين من خلال قوانين القمع والقتل والسحل كما مارسه البرلمان الكويتي المنحل؟
هل ماتت اجهزة المخابرات بالجلطة القمعية؟
مئات الاسئلة التي تبدأ بـ «هل» وستكون اجابتها «لا» كبيرة...! لأننا اختصرنا كل همنا في هذا الصندوق اللعين، ستقولون انها البداية، لا يا سادة الصندوق آخر مراحل الديموقراطية وليس اولها.
لقد وضع الساحر الطاغية في الصندوق، وقطعه الى نصفين، ثم اخرج طاغية آخر بزي آخر، قطع الطاغية وابقى الطغيان، والجمهور يصرخ «اوووووه» ثم يصفق كثيرا... الساحر هو الوحيد الذي يخدعك وتصفق له اعجابا بخداعه لك!
جعفر رجب
JJaaffar@hotmail.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي