من أجل اكتشاف الحروف وهي تلامس وجه الورق

لعنة البياض ... في مواجهة طرائق البوح

u0645u0646 u0623u0639u0645u0627u0644 u0627u0644u0641u0646u0627u0646 u0633u0627u0645u064a u0645u062du0645u062f
من أعمال الفنان سامي محمد
تصغير
تكبير
| بقلم: خليل الوافي |

عجبت لمعنى الكتابة على رقعة البياض، التي تتداخل فيها اسباب اكتشاف الحروف، وهي تلامس وجه الورق الرافض لاشكال الوجود، تنكشف **الغواية وفنون الالتواء في مغازلة بياض لامع كقطعة ثلج تحاول اخفاء معالم الحياة في سكون الاشياء، ما دام القلم يتردد بين انامل صاحبه في البوح الفاضح لوجع الذات، وتفسيرات الخروج من رحم الكتابة، التي تستعصي على تدارك حجة البقاء بعد مخاض عسير لحروف عذرية بريئة من لحظات الالتباس الجميل، حين لا تجد الكتابة لنفسها متسع لكي تقول كل شيء. ويشتد الصراع الهادئ في اختراق مكامن الجرح القديم في اكتشاف عمق الكثمان، والصمت الحزين، خلف ذات موجعة بتراكمات الزمن المنسي، والاماكن المجهولة في دهاليز الاسئلة الحرجة، وذات خجولة تحكمها اعراف المكان وتقاليد الانتظار، يجد القلم نفسه حائرا ومترددا في خيانة صاحبه، والتمرد على فكرة ظلت حبيسة جدران الخوف، واستنطاق الكلمات من فحوى الخطاب الرسمي، الذي يرسم ملامح الخضوع لما تفرضه وقائع الخارج التي تتناقض بما تعكسه رغبة جامحة في رفض هذا الداخل الهش المثالي في مبادئه، وخشونة الورق في برودة حارقة تحت مدن الملح والثلج، تكسب الكتابة طعم الوجود والبقاء.

وتقف لحظة البوح والاعتراف مندهشة في كسب ثقة البياض الصارخ، المشاغب في طمس معالم القراءة الاولى، التي تعبر عن فكرة صاحبها المشغول بمساحة البياض الفارغة من معنى الحياة، وتعجز الحروف في اثبات ملامحها الصغرى عند لحظة مشحونة بالفرح، والاحساس بحرية مطلقة في بحر التفكير الذي لا ينضب. وتظل شبكة التواصل مضطربة احيانا، ما دام عنصر التجاوب قائما في تبرير شكل الكتابة على الورق، وتبدا مرحلة جديدة في ولادة فضاء البوح المكلوم، واندهاش محموم لبناء صورة الذات المثقلة بعناصر الهم اليومي، وعلائق المصالحة الموسومة بالغضب، وتحاول اصلاح منظومة القنوات الصدا في بلوغ معالم الاجتهاد لتكون علاقة البياض باشكال القول قابلة للانصهار والتزاوج مع انماط الحكي الشفهي، وتحافظ على ثباتها امام تيارات الاندفاع الاولي لخوض معارك استنطاق الكائنات المجهولة في دواخلنا، وتعرية تضاريس المشاكسة لتقريب وجهات النظر الخاضعة لمنطق الاستسلام لحجة البياض، والاعتراف امام القلم بان سحر الكتابة من عصارة قلب، وذاكرة واسئلة تبحث عن اجوبة ملغومة في قرار المصالحة، والافصاح عما يختلج في الصدر من معاني الحياة.

ثمة مفارقة غريبة، تحدث عند وجود فعل الكتابة ورقعة البياض، تتداخل مظاهر الحلم بالواقع، ويقف جسد الورق مندهشا من اثر الحروف في خلق فجوة الافصاح المعلن على مشارف الفكر، وقوة التعبير عن فكرة صغيرة، تكبر كلما كانت مساحة البياض تتمدد في رغبة المخيلة، وفي جلب متعة الكلام، وهدوء النفس من تناقض الواقع الصادم لملمس الابداع الذي يحار في اختيار حروفه، في مزاولة مهنة الكتابة التي تظل تتجاذبها مغريات القول وفنون الاختباء بين ثنايا الحروف والكلمات التي تسقط تباعا على ارض ينكشف فيها حجم الماساة الذي تختزله ابجديات البوح في اتهام القلم، ومشاركته في حدوث نص الاسقاط المتهم في افتعال خصومة جديدة بين تضاد الحروف، وحرفية الكتابة فوق نقش الحجر.

يمتد شريط المغامرة والاحتجاج في اكتمال الصورة المتوقعة عن شكل البياض الذي تحول الى نبض جديد، يتحرك بحيوية استمدها من سيولة المداد الغزير على عطش الورق اليتيم في دفتر الذكريات، وتعود الكتابة الى اصلها، كلما دعت الضرورة الى ذلك ليقع التوازن اللفظي في تاويل نصية السرد الذي يحتمل اوجه القراءة الممكنة، ويستمد روح البقاء في نبش اغوار الغائب والحاضر والمستحيل. وتتلاشى مقامات البوح حين يغيب فعل الذات عن مصافحة القلم الذي يحدث خصومات مفتعلة، كي يجبر الكتابة عن نطق الكلمات، ويفتح اسرار المستقبل وتكهانات عرافة اللغة، وسحر الخيال، في دباجة حكم الورق على نص الاملاءات المنتظرة على خط التماس في رسم حدود الاعتراف.

لا يمكن الاعتراف بالكتابة الا عبر الورق او شيء يدل على نقوش حروفها، التي لا تستقيم معانيها، وهي مجتمعة في خانة الدلالات الممكنة للقراءة والتاويل، وتفتح المجال على مصراعيه لتستنشق الكتابة عبق الحرية، والتخلص من سجن الذاكرة، وطي صفحة المعاناة النفسيية التي تتعرض لها الكتابة ومخترعها من مختبر التجارب الخجولة الى عالم قابل للتعايش، وفرض امكانيات اثبات الوجود الفعلي لكتابة البياض على بقع سوداء تتحمل عبء القراءة، والاصرار على حق البقاء.

الكتابة لا تستسلم، تقاوم حين ترى نفسها قادرة على مواجهة الورق، وتلح في فرض مساحة التعبير، التي تشكل عنصرا اساسيا في خلق قنوات التواصل مع المعلومات المتدفقة، التي تنساق من خلالها جل الاشكال التعبيرية في بناء معالم النص، وادماج تركيبة المعطيات الفكرية الواردة من مصادرها الموثوقة،ان كان القلم يتحمل جانبا من المسؤولية في اعادة صياغة ملامح الصورة النهائية، التي تحاول تحديد فضاء مفعم بالررموز والدلالات، والايحاءات الانطباعية حيال صرخة الكتابة في وجه بياض الورق الذي لا يكون دائما مكشوفا لصاحبه. وان تعددت حبثيات الكتابة في وضع بصمة الفوضى المحتملة لخطوط الفهم، وتجاذبات الصراع الجواني، بين فكر ورغبة جامحة في اختراق مترادفات المعاني، ومقاصد الادراك لعموم العمل الابداعي، قبل ان تصيبه عدوى التاويل وسوء التقدير.

ان فوضى الكتابة على بياض الورق، لا يمكن ان تحدث بسهولة، كما يتوقع البعض، فهي تحتاج الى مقومات اساسية لفرض انساق وجودها الفعلي امام ممارسة انماط التعبير، وقد تنحصر مواصفات الكتابة الى افق مسدود. ما لم يكن هناك متسع لتجاوب لاشعوري في ترجمة مشاعر الاخر على الورق، لا يقبل الا ما ينحذر من رأس القلم، حيث يكون وفيا لصاحبه من اقتباس خارج عن دائرة المساؤلة والفهم، واستحالة وجود تغيير في محطات الحدث الكتابي على عذرية البياض، في جسد ورق شفاف، ساذج لا يؤمن بنسخ العبارات على هواه لجهات اخرى خارج حدود البياض.



* كاتب من المغرب

khalil-louafi@hotmail.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي