23 عاماً على ولادة فان باستن ... في الملعب

تصغير
تكبير
|سهيل الحويك|

قبل 23 سنة، وتحديدا في 15 يونيو 1988، كان ذاك الشاب المولود في اوتريخت في 31 اكتوبر 1964، ينقش في مدينة دوسلدورف الالمانية عودة متفجرة لمنتخب بلاده، ستقوده في النهاية إلى اعتلاء اعلى نقطة من منصة تتويج دولية للمرة الاولى.

كان لزاما على «المنتخب البرتقالي» في 15 يونيو 1988 تحقيق انتصار يعبّد له الطريق لاحتلال احد المقعدين في القطار المؤدي إلى دور الاربعة.

الآمال لم تكن عريضة بعد اداء مخيّب في الجولة الافتتاحية وخسارة مستحقة امام السوفيات.

في تلك المباراة وطوال اقل من ساعة، عجز جوني بوسمان، مهاجم اياكس امستردام، عن تهديد مرمى رينات داساييف، في وقت لازم فان باستن وفيم كيفت دكة البدلاء بامر من المدرب الفذ (الراحل) رينوس ميتشلز.

ماركو، الذي تمثل حمل طفولته باحتراف الجمباز، دخل اللقاء في الدقيقة 58 لعل وعسى، بيد ان الحال بقيت على ما هي.

تلك الخسارة المرة دفعت بيوهان كرويف، الشخصية ذات الآراء المسموعة على نطاق واسع في «البلاد المنخفضة» والمدرب السابق لفان باستن في اياكس، إلى رفع الصوت في برنامج تلفزيوني: «امر غير مقبول الا يكون فان باستن، افضل مهاجم في بلادنا، اساسيا في تشكيلة هولندا».

شعر ميتشلز ازاء تصريحات كرويف، مدرب برشلونة الاسباني حينذاك، بان ثمة مسا بصلاحياته، حتى انه دعا الاخير إلى الاهتمام بشؤونه الخاصة: «فليشغل كرويف نفسه بامور برشلونة، وسأهتم انا بمفردي بأموري»، الا انه في النهاية اختار فان باستن لخوض المباراة امام انكلترا، بعدما اسمع اللاعب كلاما قاسيا وربما محفزا: «ستلعب اساسيا وعليك ان تعي جيدا ان الفرصة التي امنحك اياها اليوم لن تلوح مجددا، كن جيدا والا ابقيتك رهن دكة الاحتياط حتى نهاية البطولة».

«وصلت الرسالة» إلى ماركو الذي كان حتى تلك اللحظة في طور بناء سمعة دولية رسخ بداياتها من خلال انتزاعه «الحذاء الذهبي» كأفضل هداف في بطولات الدوري المحلية في «القارة العجوز» عام 1986 مع اياكس، قبل ان يقود الاخير برأسية إلى التغلب على لوكوموتيف ليبزيغ الالماني الشرقي في اثينا في نهائي بطولة كأس الكؤوس الاوروبية 1987 (1 - صفر).

لم يكن عنصرا اساسيا في المنتخب ولا حتى في نادي ميلان الايطالي الذي انتقل إلى صفوفه صيف 1987 برفقة صديقه ورد غوليت.

في ايطاليا، كانت الصحافة تشيد بميزات ماركو، غير انها اجمعت في تلك الحقبة على اعتبار انه قادر على تقديم المزيد. ترافق ذلك مع سرعة تأقلم غوليت في اجواء الـ «سيري آ» وفشل مواطنه في السير على خطاه.

وما زاد الطين بلة، اصابة في الكاحل ابعدته عن «العشب الاخضر» طوال الفترة الممتدة من نوفمبر حتى ابريل، فتابع فريقه اللومباردي من المدرجات وهو ينتزع لقب بطل الدوري المحلي.

اكتفى في «موسمه الايطالي الاول» بثلاثة اهداف خجولة سجلها في 11 مباراة، لذا شكل استدعاؤه لخوض غمار «يورو 88» في المانيا مفاجأة سارة، بعدما اعد العدة لمتابعة مباريات البطولة من خلال شاشة التلفزة.

فجأة وجد فان باستن نفسه تحت الضغط، مطالبا بانقاذ «بلاده» من الكارثة امام خصم قوي الجانب متحفز للتمسك بآخر آمال الاستمرار في البطولة بعد خسارة غير مبررة في الجولة الاولى امام جمهورية ايرلندا (صفر - 1).

في دوسلدورف وامام 65 الف متفرج، يطلق الحكم الايطالي باولو كاسارين صافرة البداية لمواجهة ستسفر عن نهاية احد طرفيها، هولندا تطبق على انكلترا، تخنقها في منطقتها، دون جدوى. بدت مباراة غير متوازنة، وهذا ما انعكس واقعا في الدقيقة 44، عندما مرر غوليت كرة إلى فان باستن المتربص داخل المنطقة الانكليزية والخاضع لرقابة لصيقة من طوني آدامس، بدأ العرض. خدعة ماكرة حررت ماركو من «حارسه الشخصي»، استدارة سريعة تفادي عرقلة ارادها غاري ستيفنز في حقه، فتسديدة يعجز بيتر شيلتون عن الوقوف حائلا بينها وبين شباكه في يوم احتفاله بالذود عنها للمرة المئة، واي احتفال!

لم يكد الشوط الثاني ينطلق حتى وجد الهولنديون انفسهم مطالبين بالبدء من نقطة الصفر، بعد نجاح بريان روبسون في معادلة الكفة في الدقيقة 55.

هولندا تعود إلى ممارسة الضغط، طوفان «برتقالي» دربكة في المنطقة الانكليزية، غوليت يظهر مجددا، تصله الكرة من يان فوترز، يلمح فان باستن، يهدي اليه كرة على طبق من ذهب، يسددها الاخير دون رحمة لتنفجر هدفا ثانيا «مؤلما» في شباك شيلتون في الدقيقة 72.

غوليت، الذي لطالما ساند فان باستن ودعمه سواء في ميلان او في المنتخب، كان اول من يرتمي في احضان زميله احتفاء بالتقدم 2 - 1.

اربع دقائق بعدها، ينفذ ايرفين كومان ركنية تغير طريقها اثر رأسية من كيفت، لتتهيأ امام فان باستن الذي عاجلها بتسديدة بيسراه وضعت هولندا في مأمن من عودة انكليزية محتملة (3 - 1).

انتهى اللقاء وبدأ نجم فان باستن يتصاعد حتى امسى بطلا قوميا، حديث الساعة، على كل لسان، وبات لزاما على جوني بوسمان من الآن فصاعدا ان يقنع هو بدكة الاحتياط. «ثورة ماركو» لم تتوقف هنا، ففي الدور نصف النهائي امام المانيا الغربية، صاحبة الضيافة، بصم فان باستن على الهدف الثاني في الدقيقة 89 مانحا «البرتقالي» انتصارا عزيزا 2 - 1 ومقعدا في النهائي، يترجم فرصة سانحة امام هولندا لتعويض خيبتي 1974 و1978، عندما اكتفت بمركز الوصافة في بطولتي كأس العالم الـ 10 والـ 11 امام المانيا الغربية نفسها والارجنتين تواليا.

في لقاء القمة، على ملعب «اولمبيا شتاديون» في مدينة ميونيخ، عاد فان باستن ليقود «كتيبة ميتشلز» إلى الثأر من الاتحاد السوفياتي بتسجيله الهدف الثاني، الاجمل في البطولة على الاطلاق وأحد اجمل الاهداف في تاريخ اللعبة، إذ جاءت من تسديدة لعبها من زاوية مستحيلة استقرت على اثرها الكرة تحت عارضة داساييف العاجز تماما امامها.

فان باستن بطلا لـ «يورو 1988» وهدافا لها بخمسة اهداف، ينتزع بعدها بستة اشهر «الكرة الذهبية» التي كانت تمنحها مجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية حينذاك سنويا لافضل لاعب اوروبي متقدما غوليت، حاملها في 1987، ومواطنه الآخر فرانك ريكارد.

كان في الـ 24 من العمر خلال «يورو 88»، الامر الذي مهد الطريق امامه للفوز بـ «الكرة الذهبية» مجددا في مناسبتي (1989 و1992) معادلا الرقم القياسي الموجود في حوزة مواطنه كرويف والفرنسي ميشال بلاتيني، رئيس الاتحاد الاوروبي حاليا، بعد صولات وجولات مع ميلان.

ماركو فان باستن، الذي اجبرته اصابة 1987 اللعينة في الكاحل على الاعتزال وهو في التاسعة والعشرين من العمر، اكد انه «لن اتمكن قطعا من معادلة كرويف وبلاتيني نبوغا، لاعبان من طينة هذان قادران بمفردهما على صنع الفارق وتحقيق الانتصارات، اما انا ومن منطلق كوني مهاجما، فاني اعتبر جزءا من مجموعة، واذا لم تصلني الكرة، اكون غير ذي تأثير».

تصريح يعكس تواضعا كبيرا، الا ان الخامس عشر من يونيو 1988 سيبقى حاضرا في ذاكرة التاريخ لانه شهد ولادة بطل من لدن الصعاب، حمل بلدا برمته فوق منكبيه وفتح امامه ابواب «جنة اول لقب دولي»، عزّ طويلا على «افضل منتخب لم يتوج بكأس العالم».





البطاقة



• هو: ماركو فان باستن.

• الخصم: منتخب انكليزي يلعب ورقة بقاء.

• المناسبة: الجولة الثانية من منافسات المجموعة الثانية ضمن الدور الاول لبطولة كأس الأمم الاوروبية الثامنة (1988).

• المهمة: تحقيق الفوز بأي ثمن لتفادي الخروج المبكر لمنتخب بلاده هولندا، بعد السقوط امام الاتحاد السوفياتي 0 - 1 في الجولة الاولى.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي