فلسطينية الأصل... أردنية الجذع ولبنانية الثمر (1 من 2 )

حوار / الروائية منى الشرافي التيّم: نحن شعوب نعد الأيام ولا نحياها

u0645u0646u0649 u0627u0644u0634u0631u0627u0641u064a
منى الشرافي
تصغير
تكبير
| بيروت - من جنى فواز الحسن |

تكتب منى الشرافي التيّم بشخصيات روائية عدة، ورغم ذلك لا تغفل عن إعطاء كلّ منها حقها، كأنها تتعامل مع كل أنواع القرّاء كي يجدوا ما يلامسهم في حكاياها**. تكسر بذلك الاستئثار الأدبي، ولكن ليس هذا فقط مكمن التجدد في كتاباتها، بل أيضا جرأتها في خوض عالم الغيب والماورائيات، والتساؤل والبحث عميقاً داخل المستقبل. «الراي» سألت التيم في هذا الحوار عن عوالمها المختلفة أدبياً ووطنياً:

تتعدد الشخصيات في رواياتك. ألا تعتقدين أن وجود شخصية محورية واحدة أفضل لكي نفيها حقها، أم أن هذا التعدد يساهم في تجنيب القارئ السأم والرتابة؟

- هذا صحيح، أكثر ما يميز رواياتي عن غيرها هو تعدد شخصياتها، التي تجاوزت في رواية «وجوه في مرايا متكسرة» الخمسين شخصية بين رئيسية وثانوية، ولذلك التعدد في شخصيات رواياتي أسباب عدة منها ما هو خاص محصور في العمل الأدبي نفسه، وخدمة للنص المطروح، ومنها ما هو عام للدلالة على رفض الاستئثار الذي تعودناه في عالمنا العربي في كل شيء، لذلك آثرت التفلت من محيط البطل الواحد والحاكم الواحد واللاعب الواحد. فالتعدد عندي له مدلولات كبيرة، للتأكيد أن الشخصية الرئيسية مهما كانت فاعلة في العمل الأدبي، تماما كما في الحياة العامة، لن تنجح بدون الشخصية الثانوية ولا تكتمل بدونها.

ليس بالضرورة أن تدور أحداث الرواية حول شخصية محورية واحدة كي تفيها حقها، بل ما يفي الشخصية المحورية حقها من وجهة نظري المتواضعة، هو كيفية تعبيرها عن نفسها، وقدرتها على التعامل مع الآخرين في محيطها، الأمر الذي من شأنه أن يمنحها القوة والتأثير والمساحة والحيوية والحرية، بالإضافة إلى تجنيب القارئ السأم والرتابة، لأن القارئ العربي يحب أن يبحث عن ذاته أو عن محيطه ومن يهمه أمرهم في كل ما يقرأه في شكل عام والرواية في شكل خاص. الرواية بالنسبة إليّ هي رسالة إنسانية تنبع من المجتمع، لأنه مادتها وتُهدى إليه، فهي انعكاس للحقيقة لأننا نرى فيها المجتمع في كل مستوياته. ولذلك يجب أن تتعدد شخصياتها التي يؤدي بعضها أدواراً جوهرية وبعضها الآخر أدوارا ثانوية، خصوصا حين تتداخل الأحداث وتحتدم، فتحيا تلك الشخصيات الصراعات والمواجهات والمفاجآت والقلق والخوف والترقب والشوق والحب والوجد.

سافرت إلى المستقبل ووصلت إلى العام 2015 في روايتك، هل تعوّلين على الغد؟

ـ قررت أن يكون لي يد في صنع المستقبل او رؤيته، وكي لا تكون كتابتنا فقط ردود فعل على ما يحدث حولنا وتسجيلاً لها. سفري إلى المستقبل في رواية «مشاعر مهاجرة» حق، ونوع من أنواع النقد والتحليل الاجتماعي والمجتمعي والسياسي والتكنولوجي بإيجابياته وسلبياته، بالإضافة إلى كل ذلك التضارب والتناقض في الأحداث التي تدور حولنا، وتؤثر فينا أكثر مما نؤثر فيها، وربما بين سطوري أردت أن أضيء جانباً خطيراً، هو أننا كأناس عاديين قادرون على قراءة سياسة الدول والشعوب والأحداث، وفي استطاعتنا أن نفكر ونحلل ونرى أبعاد كل ما يحصل. فكيف يعقل أن نرى ما نراه، وأصحاب القرار يدفنون رؤوسهم في التراب كالنعام، ويظهرون لنا أن كل ما يجري من أحداث قد فاجأهم وصدمهم، ويجهدون في التعامل معها وإيجاد حلول لها. في هذا استهانة بعقولنا، لأننا نعلم تماما أن كل ما يحدث ما هو إلا سياسات مخطط لها ونحن ننفذها بحذافيرها، أو بمعنى أصح، أحجية، يريدوننا ان نتلهى بها وفقا لمصالحهم.

الغد بالنسبة إلي هو المستقبل، فالأيام سريعاً تمرُّ وتمضي، نتحسَّرُ عليها ونُناديها ولا تزالُ تتفلَّتُ من أيادينا، ومهما لَهَثنا وراءَها فإنّها تسبقنا. لذلك يجب أن نتوقف الآن وننسى ما فاتنا من أيامٍ ونَحضُنُ غداً ربما هُو آتٍ وليس ببعيدٍ، لننجز ما تمنيّناهُ في الأمسِ القريبِ كي لا يتحول الغد يوما يزيدُ الأيامَ الهاربةَ عدداً جديداً فنتحسَّر من جديدٍ.

بين القدر والغيب، حازت الروحانيات مساحة مهمة في روايتك. هل لك فلسفة خاصة في هذا الإطار؟

- حين يصبح الواقع مراً، نهرب منه إلى عوالم غيبية تتماهى مع الحلم وتتناغم مع الخيال، وذلك الغيب الذي يحيرنا والمجهول الذي يؤرقنا، وتلك الأقدار التي تفاجئنا تارة وتصدمنا تارة اخرى بما لم يكن في البال أو الحسبان وتغير نفوس البشر، كل هذا يجعلنا نتساءل: هل نحن فعلاً أحياء؟ وكيف نكون أحياء وقد هجرتنا المشاعر الجميلة، وأصبح الحب فيها كوجبة لذيذة شهية، نلتهمها في لقمة واحدة، نتخم بها أمعاءنا، لأننا لا نعرف كيف نستسيغ طعمها ونستمتع بها. هل نحن فعلاً أحياء ونحن نمضي ساعات وظيفية معقدة ومملة، كأنها مسيّرة ببرمجة مادية ووهمية في مؤسسة كبر وكثر علينا فهمها اسمها الحياة؟ وهل نكون أحياء وقد تحولت الحياة أحجية تناتشنا أجزاءها فرادى فتاهت منا جماعة؟.

ما الفرق بين مؤلفاتك السابقة «مرايا ابليس»، «وجوه في مرايا متكسرة»، «حروف من نور»، «أدب مي زيادة»، وروايتك «مشاعر مهاجرة»؟

- رواية «وجوه في مرايا متكسرة» هي رواية واقعية اجتماعية، تناولت المجتمع اللبناني في شكل خاص، والمجتمعات العربية في شكل عام بجوانبها السلبية والإيجابية التي عملت على ترجمتها وكشفها بأسلوبي ثم أضفت إليها من خيالي ما أعطاها حلّة جريئة في عرضها أمام أنظار المجتمع. تناولت فيها الترابطِ الأُسريّ، أحكام المجتمع الاستباقية، الجريمةِ، المخدرات، الحبِّ والعشقِ، الخيانة، الاغتصابِ وتأثيراتِهِ الكارثيّة، اغتيالِ الحق، الوفاء، الطمع، البطالة. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الدولة الوحيدة التي منعت نشر هذه الرواية هي الكويت.

أما رواية «مرايا إبليس» فهي رواية سياسيّة بامتياز، تميزت بجرأة الطرح والتصوّر بلهجة ساخرة. الراوي فيها إبليس وموضوعها 11 سبتمبر الذي حوّل العرب ارهابيين والإنسان فيها هو الحلقة الأضعف والأرخص في عالم الأطماع والمصالح، مهما كانت جنسيته أو توجهه أو انتماؤه العرقي أو الديني. فالأديان لم تسن القتل وإراقة الدماء، بل سنها إرهاب الدول والأفراد والتطرف.

رواية «مشاعر مهاجرة» رواية نفسية شاعرية حالمة، ولكن بواقعية، ألخصها في كلمات قليلة: «يتيه الحبُ في وهن طيوف العشق. أخيلة عمر كأسراب مشاعر مهاجرة، من أعاصير الوهم هاربة، تُثملها الكؤوس الفارغة، تسير في اتجاهات تحيّرها، تشرّق بها الدروب وتغرّبها، تتوه بها النوايا... لتبدأ من جديد».

وفي النقد؟

- كتاب «أدب مي زيادة في مرايا النقد» هو دراسة نقدية أكاديمية لأدب «مي زيادة» نلت عنها درجة الماجستير في النقد الأدبي والاجتماعي، فقد كان لميّ زيادة إنتاج أدبيّ وافر، متعدّد الأنواع والأغراض، ذو ظلال بعيدة المدى في دنيا الأدب، غنيّ بالمواضيع الكثيرة التي كان عصرها يموج بها. وقد اعتبرت مي، لغناها الفكري وعطائها الأدبي، إحدى شهيرات عصرها في الكتابة والنقد والخطابة، فقد قدّمت للأدب العربي أعمالاً أدبية قيّمة، في مجالات المقالة، والخطابة، والمحاضرة، والرسالة، والكتب النقديّة.

تكتبين الوجدانيات أيضاً...

- كتابي «حروف من نور» و«كالمنى اسمي» تسجيل وجداني قريب من نفسي. «حروف من نور» رسالة من قلبي إلى قلوب القراء. و«كالمنى اسمي» دعوة منْ أنثى الأحاسيسِ والمشاعر، تَتَسّللُ من بينِ السّطورِ كي تَرسُمَ لوحةَ عشقٍ تُدغدغُ أخيلةَ الوعد، فالحبُّ لا يأتي مصادفةً كما يدّعون، بلْ هو في حاجةٍ إلى قرارٍ من أرواحٍ تغلي في عروقِها الدّماء، والكُرهُ لا يأتي مصادفةً كما يقولون، بل هو إحساسٌ باردٌ دفينٌ، يستوطِنُهُ البؤسُ، فيرتدي نظّارتَهُ القاتِمةِ التي تحجُبُ أشِعَّةَ الشَّمسِ ووضوح النهار.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي