رجا كمال / قلق إسرائيل الديموغرافي

تصغير
تكبير

فجأةً، وبعد فترة من الطريق المسدودة، يشهد الشرق الأوسط موجة من المحاولات تهدف إلى تنشيط الجهود من أجل إيجاد حل للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي طال أمده.

الرئيس بوش، ونائب الرئيس ديك تشيني، ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، تجولوا في المنطقة على أمل إعادة إحياء عملية السلام. هذا الجهد الأخير لم يؤدّ إلى أكثر من مجرد استعراض للنوايا الطيبة وفرصة لالتقاط الصور. التسوية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين على ما يبدو تثبت بأنها هدف صعب المنال. وفي الحقيقة، فإن الكثيرين يعتقدون بأن انعدام القيادة الفعالة عند الطرفين هو الذي يؤدي إلى الجمود الحالي. ولكن قد تكون هنالك أسباب ديموغرافية أخرى نادراً ما يتم التطرق إليها.

كثيرون يكتبون معربين عن رأيهم بأن انعدام التقدم هو نتيجة لعدم فعالية محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، وايهود أولمرت، رئيس وزراء إسرائيل. عباس الذي لا يملك أي سلطة حقيقية على غزة غارق في تحدياتٍ سياسية واقتصادية محلية في الضفة الغربية. أولمرت من جهته فاقد للشعبية إلى حدّ كبير. ومع ذلك، وفي المرحلة الحالية، فإن ضعفه هو مصدر قوته. فالإسرائيليون يعون بأن بديلاً مثل زعيم الليكود بنيامين نتنياهو، سوف يؤدي إلى مزيد من إشعال الأوضاع. لذا فإن أولمرت سوف ينجو على المدى القصير.

إن انعدام التقدم سوف يكون أيضاً بسبب بعض التغيرات الديموغرافية بعيدة المدى. الطرفان كلاهما على ما يبدو يعتنقان أسساً دينية متزايدة كحافز لسياسة أحدهما تجاه الآخر. وربما أكثر مدعاة للفزع هو أن هذا الحماس الديني قد يكون متمحوراً حول التغيرات الديموغرافية التي تجري في إسرائيل. هذه التغيرات قد تُثبت بأنها الأشد تحدياً أمام واضعي السياسة الذين يسعون إلى إيجاد حل سلمي للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.

عنصران ديموغرافيان بارزان يؤثران على سياسات إسرائيل: ازدياد القطاع الأرثوذكسي المتطرف من السكّان والهجرة المُعاكسة لعلماء إسرائيل ومفكريها وباحثيها.

إن نسبة المواليد العالية ضمن المجتمع الهاريدي (شديد التديّن) يزيد من نفوذهم السياسي. ووفق إحصاءات الحكومة الإسرائيلية، فإن اليهود الهاريديين يُنتجون 7.6 طفل لكل امرأة، أي ثلاثة أضعاف نسبة زيادة السكّان كمجموع. وفي مجتمع منقسم سياسياً كما هو الحال في إسرائيل، فإن من شأن ذلك أن يُتيح لحزب ديني صغير بممارسة سلطة قوية على حكومة ضعيفة نسبياً. وأخيراً على سبيل المثال، وافق أولمرت على توسيع مستوطنة غيفات زئيف شمال القدس. وقد جاء قراره نتيجة للضغط الذي مارسه «حزب شاس» الديني، وهو تآلف يميني التوجهات يُشارك في الحكومة ويُهدد بانهيار حكومة أولمرت إذا لم تستجب لمطالبه بالتوسع.

يتوقع الديموغرافيون استمرار نمو القطاع الديني اليميني من السكّان. إن ميزتهم الديموغرافية خلال العقود القادمة سوف تعطيهم نفوذاً سياسياً أوسع فيما يتعلق بالسياسات الإقليمية. ويشارك في هذه الظاهرة التوجه الديني اليميني في إسرائيل، وحركة «حماس» في غزة، و«حزب الله» في لبنان وغيرها من الحركات الدينية على امتداد العالم.

وبالإضافة إلى ارتفاع نسبة الخصوبة بين السكّان المتدينين، فإن إسرائيل تواجه زيادة غير مسبوقة في هجرة العلماء الإسرائيليين ومفكريها وباحثيها إلى الخارج والذين يميل معظمهم إلى العلمانية.

وقد قدر البروفيسور دان بن ديفيد من «جامعة تل أبيب» بأن إسرائيل قد خسرت ما مقداره عشرات في المئة من خيرة علماء إسرائيل. وقد توصل بن ديفيد إلى نتيجة مفادها أن الهجرة إلى الخارج تتصل بالرواتب المتدنية نسبياً التي تدفعها إسرائيل، وكذلك شح تمويل مختبرات الأبحاث. وأضاف إلى ذلك قائلاً: «إن الحروب الشاملة واستمرار الإرهاب قد كلفا ثمناً كبيراً في الأرواح، وكذلك في الأمراض النفسية». حتى هذه اللحظة، فإن نسبة العلماء الإسرائيليين الذين يعيشون في الولايات المتحدة تبلغ حوالي 25 في المئة من مجموع العلماء الإسرائيليين.

وبينما تواجه القطاعات الأكثر تعلماً والأكثر علمانية في المجتمع الإسرائيلي الضغوط وتهاجر إلى الخارج، فإن اليمين الديني يواصل نموه محلياً.

كانت إسرائيل تاريخياً قلقة حول ما يتعلق بالنمو السكاني لعرب إسرائيل، والخطر الذي يشكلونه للهوية اليهودية للدولة. وعلى الرغم من أن هذا ما زال قائماً، فإن اللهجة الدينية المتصاعدة للنقاش السياسي هو نتيجة أخرى للتغيرات الديموغرافية. تلك التوجهات تشير إلى أن الوقت قد لا يكون إلى جانب من يرغبون في تحقيق السلام. ومع ازدياد المتطرفين الدينيين، فإن الكادر الجديد من السياسيين سوف يكون أقل استعداداً لتقديم التنازلات.

في الشرق الأوسط وحيث أن الدين له اليد العليا في النقاشات السياسية، فإنه يصبح عائقاً أمام السلام. ومع تلك التوجهات الديموغرافية، يصبح من الضروري اتخاذ الإجراءات الآن نحو السلام. غداً قد يكون متأخراً.


رجا كمال


عميد تنمية الموارد في كلية هاريس

للسياسات العامة بجامعة شيكاغو

وهذا المقال برعاية «مصباح الحرية»

 www.misbahalhurriyya.org

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي