إشراقات النقد 2 / المفارقات الإنسانية في عوالم قصيدة الشاعر البحريني قاسم حداد (2)

تصغير
تكبير
| سعاد العنزي |

... حقائق عدة ثنائيات متضادة ومفارقات تسيطر على العالم الشعري في نصوص ديوان للشاعر قاسم حداد: الشاعر والمجتمع، والفكر القبلي تحديدا كراجم لأفكاره ومعارض له، وأنسنة عالم الحيوان لا سيما أشد الحيوانات ضراوة وفتكا في الذاكرة الإنسانية العالمية (الذئب)، وقلب الصور المألوفة والبدهيات والمسلّمات، من خلال الانحراف عن دوائر المألوف و تفخيخ النص بعوالم مفعمة من الدهشة واللذة والالم المنبثق من تداعي جرح الذاكرة الموغلة في القدم حيث بدايات الجرح الإنساني، والذاكرة الإنسانية المترعة بالدم. كل هذا الحفر في ذاكرة المعنى والموضوع وازاه وأتى متجانسا معه حفر مفردات وصور شعرية خاصة بالحالات الشعرية مدار اهتمام نصه بآلية يتفرد بها وحده من دون الأغيار من الشعراء، أي نستطيع أن نقول عنها صور شعرية خاصة به لا يستطيع مقاربتها غيره، إلا من باب التقليد والمحاكاة التي ستبقى نصا طفيليا على النص الأول المضيف. وعند الاقتراب أكثر من مجموع قصائد الشاعر سنقف بقوة عند واحدة من الثيمات التي تتكرر في نصوصه بتواتر شديد وشكل ملحوظ هي صورة الذئب الذي نقلها من حيزها الطبيعي الفيزيائي إلى مفهوم جمالي مغاير لما هو متعارف عليه من صفات للذئب، فهو، أي الشاعر، يضفي عليه بعض الصفات التي تجاوز الإنسان في إنسانيته، مما يمكن إرجاعه إلى تصور فلسفي عميق يوجهه الشاعر للذئب بعد ان خلع عنه صفات وسمات حياة البراري والوحشية، والغدر والفزع، والخيانة، والمباغتة، والامتحانات القدرية المفاجئة، وصولات وجولات مروعة في عالم الطبيعة يعايشهاالإنسان عندما يعتاد الحياة البدائية، خائفا من شبح وجود الذئب، راسما في معالم خريطة مواجهاته الباسلة في الحياة صورة ذئب له سلطة رمزية مخيفة في الصحراء حيث وقفاته المباغتة والمتربصة بريح بشرية تحيط معالم المكان. فهو واحدة من عناصر الشر التي يتحتم على ابن البادية رسم معالم ذاكرة يومية للخوف منها، فهو كعنصر مادي مصدر للخوف. وكوجود رمزي غير مرئي مؤثر على المخيال الشعبي لمن يعتاد عيش حياة البراري. ولكن هذا الذئب أخذ معنى مغايرا ومنحرفا في قصيدة قاسم حداد ولوحاته الشعرية، التي يندر عدم وجود صورة الذئب تطوف بأحد أركانها، فالذئب الذي صور في الأدب العالمي والعربي، بصور الغدر والخيانة والبطش أو حتى القوة والحذر والبطولة ما جعل شعراء الصعاليك يشبهون أنفسهم به في قصائده، وله في شعر الجاهلية وما بعدها، صور متعددة جميعها يتمركز حول هذه الصورة المريبة والمفزعة لهذا الكائن المخيف، فأتى قاسم حداد مفككا هذه الصورة المغلوطة والمشوهة والضاربة بوتد الثقافة الأبوية التقليدية ليعيد النظر في هذه الصور، وينظر إلى الجانب المسكوت عنه من صفات الذئب الوفي لأنثاه، كما يقول في النص التالي (الذئب) من ديوان «مجنون ليلى»:

سئل يوماً وهو ساهم في الوحش: (ما أجمل ما رأيت؟)

فقال: (ليلى)

قيل له: (ندرك هذا، ونعني غيرها؟!)

فقال: أقسم ألا غيرها، لكن ذئباً بهي الطلعة، نشيط السمت، طيب الريح، صادفني ذات قفرٍ وأنا أحنو على ظبيةٍ وأتمسح بها وأخاطبها لفرط شبهها بليلى، فأمهلني حتى أطلقتها وإذا هو يطاردها، فانطلقت خلفهما لكي أطرده عنها، فكلت ساقاي من الركض، حتى غابا عني، وبعد راحةٍ تتبعت أثرهما، وإذا به قد فتك بها فأخذت سهماً أصبته، وشققت بطنه فأخرجت ما أكل فضممته إلى صدري، ورحت أتمسح به وأصبغ بمزيجه خرقةً كانت على جسدي وأدهن جمة شعري وناصيته، وأنا أشهق، تنتابني شهوة ما ذقت مثلها إلا مع ليلى وغشيت بفعل اللذة وحين صحوت من غفوتي إذا بالذئب يقوم من ذبحته كمن ينهض من نومٍ ويتبدى لي أكثر جمالاً مما كان، فاقترب مني وراح يفرك رأسه في كتفي وعيناه مغرورقتان فقمت أسير معه ليأخذني إلى المكان ومن ساعتها لم يعد ذلك الذئب يفارقني، وكان كلما سمع مني شعراً أذكر فيه ليلى اغرورقت عيناه وأصدر عواءً أجمل من نحيب بشرٍ في الحب).



* ناقدة وكاتبة كويتية.

su_ad81@hotmail.com

- قاسم حداد، ديوان «قبر قاسم»، الكلمة للنشر والتوزيع، البحرين، الطبعة الأولى، 1997.

- قاسم حداد، ديوان «مجنون ليلى» مجموعة أرابسك، لندن، 1996.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي