تحوي رغبات وذكريات وشاعرية
الغلالة السردية ... في مجموعة «فتاة البحر» لأحمد طوسون
غلاف المجموعة
| د. مصطفى عطية جمعة |
يتحلى العالم القصصي لأحمد طوسون بما يسمى «الغلالة السردية»، تلك المقدرة الفنية التي تجعل القاص قادرا على جذب المتلقي في طياتها، ليسبح في ثنايا الطرح، وتجعله متعايشا مع الأحداث، هامسا مع الشخصيات، وأيضا تتعايش معه الشخصيات بعدما يفرغ من قراءته. هذه الغلالة، تقيم علاقة حميمية بين المتلقي والنص القصصي، ليسبح مع الإيهام السردي، الذي يجره لتعرف شخصيات جديدة، ومواقف متعددة في الحياة... إن عالم طوسون القصصي لقطات وملتقطات من الحياة، يبرع في تعميقها، وجعلِها مكتملة الملامح، دون الاكتفاء بالوصف الخارجي للأحداث والشخصيات، ويأتي سرده عادة ببنية المشهد، وما فيها من حوار وسرد، وفي ثنايا السرد، تتداعى ملامح الشخصيات، ويضاف إليها ما يثري السرد، دون أن نستشعر اقتحام المؤلف الضمني نصه بافتعال، أو تقديمه خطابا مباشرًا، زاعق النبرة والهدف.
***
«الرغبات المنقطعة» ربما يكون المفتاح الأقرب لفهم العالم السردي في هذه المجموعة القصصية، فجُل قصصها يدور حول رغبات في نفس الشخصيات الرئيسية، تسعى جاهدة لنيلها، ولكن العوائق أشد، لتظل الرغبة عالقة في النفس وقد تتحول إلى علقم أو ألم، يمكث في الأفئدة، ويخلف مرارة في النفس المتلقية.
يبدو هذا من القصة التي حملت اسم المجموعة « فتاة البحر»، فالبطل يتأمل الأنثى في جلستها على الشاطئ، ويستبد الخيال الذَكَريّ به، فيراها عارية الجسد، تداعب الأمواج أقدامها، ولأنه فنان تشكيلي، فإن ذاته ترسمها ملكةً في الحسن، وتعجز ريشته أن تصور هذا الجمال الحسي والروحي، إنه يقف خلف أسلاك كوخه على شاطئ البحر، يتأمل هذه المرأة الوحيدة، والتي يكتشف أن خياله المحلّق الجامح قد نسي أنهما في فصل الشتاء، بدليل ارتدائها ملابس من الوبر والصوف، وأنها غارقة في الحزن، فاقدة البهاء.
هي رغبة منقطعة، رغبة في الأنثى، فجعلت امرأة - قد تكون كبيرة أو شابة - جالسة وحيدة على الشاطئ، عنوانا لعالم فنان تشكيلي، فشل في التعبير عنها في لوحته، مثلما فشل في الاقتراب منها، وما بين الفشلين، تصبح الرغبة ألما في نفسه، كما جاء في ختام القصة: «لا تحيد بعينيها عن البحر، وملامحها تكتسي بإحساس مزيف بالارتداء». فهي غارقة في أحزانها، غير واعية بمن يرقبها ولا بما في نفسه من رغبات.
وعلى هذا النحو تسير نصوص المجموعة، فقصة «قربانة» تخوض في الحب المحرم - افتراضا- بين مسلم وفتاة مسيحية، تكبره بسنوات، وقد طارد البطل فتاته، وعلم أنها تساعد أمها في صنع القرابين، يحصل على «قربان» ويحفظه في دولابه؛ فربما يكون عوضا عن حب مكتوم أو رائحة من حبيبة لا تعلم بمكنون فؤاده.
أما قصة «كادر خارج المشهد» فإننا إزاء قضية أبطال أكتوبر والمقاومة الشعبية بعد مضي سنوات على بطولاتهم، فقد ارتكنت البطولات في ذاكرة الكبار، وغابت عن ذاكرة الشباب الذين عرفوا هؤلاء من الكتب المدرسية وبرامج التلفاز التقليدية، في المناسبات السنوية، إنه البطل «سعد» الذي يتذكر يوم خروجه على المعاش، مستحضرا يوم عودته من الجبهة، وأياما في الحرب وبعد الحرب. تعالج القصة حياة هؤلاء الأبطال، الذين قدموا الكثير للوطن، ولكنهم وجدوا عدم مبالاة من أهل الوطن، فالرائد جمال يرفض طلبهم منه أن يعمل أي عمل بعد تقاعده من الخدمة، ولو في جمعية زراعية لأن قدميه مبتورتان. تأتي رسالة النص واضحة، فالوطن وأبناؤه يعتزون بذكرى الحرب، وبالنصر العظيم، ولكن الذاكرة الجماعية تنسى الأسماء، بينما ذاكرة الأفراد تحتفظ بها، وتعيد إنتاجها في أعماقها. ربما يكون موضوع القصة مطروقا نوعا ما، ولكن تظل القضية حاضرة، قضية الحفاظ على ذوات الأبطال وأسمائهم، كي تكون الذكرى موثقة بالأسماء وليس بالأحداث فقط، راسخة في الوجدان وليس في كتب التاريخ والوثائق فحسب.
***
السرد الشاعري هو الملمح الأساسي في أسلوب هذه المجموعة، ويبرع السارد في الوصف السردي الممتزج بجماليات الصورة والرمز، والاستخدام المرهف للمفردات والتعبيرات، وربما كانت أجواء القصص معينة له في ذلك، فالرغبات شأن نفسي خالص، يستبد بالقلوب، ويحرّك السلوك، وفي هذا الاضطرام الذاتي، تُصهَرُ الكلمات، لتكوّن تعبيرات جديدة، وصورا بديعة. يقول في قصة فتاة البحر: «تلك القوارض الشائهة لا تسمح للأخضر أن ينبت بأرضي، حتى قاع البحر وصلوا إليه، مارسوا لذتهم في تنسيق العالم وفق هواهم... لا صدى لكلماتي إلا صمت قارس». نسمع من ثنايا الكلمات تأوهات نفس البطل/ الفنان، الذي يلقي بلائمة انصراف المرأة على القوارض، ويكون الأخضر «تعبيرا لونيا» بكل ما فيه من دلالات النماء، ولنكتشف أن القوارض إنما هي إدانة للعالم الذي جعل هذا القلب الراغب في النشوة يعيش في صمت بارد، يكوي أعماقه.
***
النهايات: جاءت معلقةً وفارقةً وغامضة، لتشكل ملمحا بارزًا في بنية النصوص، فإذا كان القربان المحطم نهاية فارقة غامضة في قصة قربانة، فهو أيضا يتشابه دلاليا مع نهاية قصة فتاة البحر، حيث تظل الأنثى محملقة في البحر، لا تلقي بالا لمن تسمّر في وقفته مترقبا حركاتها، في لقطة ثابتة الحركة أو بالأدق معبرة عن جمود الرغبة لتصبح ذكرى. أما نهاية قصة «كادر خارج المشهد» فهي تتقارب مع عنوانها في الدلالة، فهناك المشهد وهناك من هم خارجه، وللأسف فإن من هم خارجه الأبطال، ومن بداخله فهم المحتفلون والمتفرجون. تأتي النهاية دندنة بصوت البطل: «وعضم ولادناز.. نلمه نلمه، ونعمل منه مدافع»، فالعظم المتناثر رمز لهؤلاء الأبطال المنسيين من الذاكرة الجماعية، ومن المشهد الاحتفالي، وهؤلاء هم المدافع الحقيقية التي كانت وستظل حامية للوطن. أما قصة « تعريشة سندس» فقد تعلقت قلوبنا برغبة البطل أن يأتي أحد لإنقاذه، نهاية مفتوحة الدلالة تحمل أملا واسعا في حياة، وربما ندما وإدانة على اختيار فعل الهروب، وحلما بالصغير الذي يرقد في أحضان الأم.
***
تمثّل هذه المجموعة محطة مهمة في مسيرة إبداع أحمد طوسون، وتعبر عن نضجه الفني، وشفافيته في التقاط الأحداث، وقدرته على النفاذ في أعماق الشخصيات، وتعبر أيضا عن ثراء عالمه السردي وتنوعه.
وأخيرا تظل رغبات النفوس على بساطتها أو ضخامتها هي العلامات الأهم في حياة الشخوص، مثلما تأتي النهايات المعلقة مثل أمور كثيرة في حياتنا، ننتظر حسمها بأيدينا، ولكن نفاجأ أنها تعلق بأنفسنا، وتتكفل الأيام بتحويلها إلى ذكرى؛ حزينة أو أليمة أو مريرة أو حلوة، إلا أنها ذكرى تؤنس نفوسنا عندما ننفرد بها في خلوتنا.
* كاتب وناقد مصري
[email protected]
يتحلى العالم القصصي لأحمد طوسون بما يسمى «الغلالة السردية»، تلك المقدرة الفنية التي تجعل القاص قادرا على جذب المتلقي في طياتها، ليسبح في ثنايا الطرح، وتجعله متعايشا مع الأحداث، هامسا مع الشخصيات، وأيضا تتعايش معه الشخصيات بعدما يفرغ من قراءته. هذه الغلالة، تقيم علاقة حميمية بين المتلقي والنص القصصي، ليسبح مع الإيهام السردي، الذي يجره لتعرف شخصيات جديدة، ومواقف متعددة في الحياة... إن عالم طوسون القصصي لقطات وملتقطات من الحياة، يبرع في تعميقها، وجعلِها مكتملة الملامح، دون الاكتفاء بالوصف الخارجي للأحداث والشخصيات، ويأتي سرده عادة ببنية المشهد، وما فيها من حوار وسرد، وفي ثنايا السرد، تتداعى ملامح الشخصيات، ويضاف إليها ما يثري السرد، دون أن نستشعر اقتحام المؤلف الضمني نصه بافتعال، أو تقديمه خطابا مباشرًا، زاعق النبرة والهدف.
***
«الرغبات المنقطعة» ربما يكون المفتاح الأقرب لفهم العالم السردي في هذه المجموعة القصصية، فجُل قصصها يدور حول رغبات في نفس الشخصيات الرئيسية، تسعى جاهدة لنيلها، ولكن العوائق أشد، لتظل الرغبة عالقة في النفس وقد تتحول إلى علقم أو ألم، يمكث في الأفئدة، ويخلف مرارة في النفس المتلقية.
يبدو هذا من القصة التي حملت اسم المجموعة « فتاة البحر»، فالبطل يتأمل الأنثى في جلستها على الشاطئ، ويستبد الخيال الذَكَريّ به، فيراها عارية الجسد، تداعب الأمواج أقدامها، ولأنه فنان تشكيلي، فإن ذاته ترسمها ملكةً في الحسن، وتعجز ريشته أن تصور هذا الجمال الحسي والروحي، إنه يقف خلف أسلاك كوخه على شاطئ البحر، يتأمل هذه المرأة الوحيدة، والتي يكتشف أن خياله المحلّق الجامح قد نسي أنهما في فصل الشتاء، بدليل ارتدائها ملابس من الوبر والصوف، وأنها غارقة في الحزن، فاقدة البهاء.
هي رغبة منقطعة، رغبة في الأنثى، فجعلت امرأة - قد تكون كبيرة أو شابة - جالسة وحيدة على الشاطئ، عنوانا لعالم فنان تشكيلي، فشل في التعبير عنها في لوحته، مثلما فشل في الاقتراب منها، وما بين الفشلين، تصبح الرغبة ألما في نفسه، كما جاء في ختام القصة: «لا تحيد بعينيها عن البحر، وملامحها تكتسي بإحساس مزيف بالارتداء». فهي غارقة في أحزانها، غير واعية بمن يرقبها ولا بما في نفسه من رغبات.
وعلى هذا النحو تسير نصوص المجموعة، فقصة «قربانة» تخوض في الحب المحرم - افتراضا- بين مسلم وفتاة مسيحية، تكبره بسنوات، وقد طارد البطل فتاته، وعلم أنها تساعد أمها في صنع القرابين، يحصل على «قربان» ويحفظه في دولابه؛ فربما يكون عوضا عن حب مكتوم أو رائحة من حبيبة لا تعلم بمكنون فؤاده.
أما قصة «كادر خارج المشهد» فإننا إزاء قضية أبطال أكتوبر والمقاومة الشعبية بعد مضي سنوات على بطولاتهم، فقد ارتكنت البطولات في ذاكرة الكبار، وغابت عن ذاكرة الشباب الذين عرفوا هؤلاء من الكتب المدرسية وبرامج التلفاز التقليدية، في المناسبات السنوية، إنه البطل «سعد» الذي يتذكر يوم خروجه على المعاش، مستحضرا يوم عودته من الجبهة، وأياما في الحرب وبعد الحرب. تعالج القصة حياة هؤلاء الأبطال، الذين قدموا الكثير للوطن، ولكنهم وجدوا عدم مبالاة من أهل الوطن، فالرائد جمال يرفض طلبهم منه أن يعمل أي عمل بعد تقاعده من الخدمة، ولو في جمعية زراعية لأن قدميه مبتورتان. تأتي رسالة النص واضحة، فالوطن وأبناؤه يعتزون بذكرى الحرب، وبالنصر العظيم، ولكن الذاكرة الجماعية تنسى الأسماء، بينما ذاكرة الأفراد تحتفظ بها، وتعيد إنتاجها في أعماقها. ربما يكون موضوع القصة مطروقا نوعا ما، ولكن تظل القضية حاضرة، قضية الحفاظ على ذوات الأبطال وأسمائهم، كي تكون الذكرى موثقة بالأسماء وليس بالأحداث فقط، راسخة في الوجدان وليس في كتب التاريخ والوثائق فحسب.
***
السرد الشاعري هو الملمح الأساسي في أسلوب هذه المجموعة، ويبرع السارد في الوصف السردي الممتزج بجماليات الصورة والرمز، والاستخدام المرهف للمفردات والتعبيرات، وربما كانت أجواء القصص معينة له في ذلك، فالرغبات شأن نفسي خالص، يستبد بالقلوب، ويحرّك السلوك، وفي هذا الاضطرام الذاتي، تُصهَرُ الكلمات، لتكوّن تعبيرات جديدة، وصورا بديعة. يقول في قصة فتاة البحر: «تلك القوارض الشائهة لا تسمح للأخضر أن ينبت بأرضي، حتى قاع البحر وصلوا إليه، مارسوا لذتهم في تنسيق العالم وفق هواهم... لا صدى لكلماتي إلا صمت قارس». نسمع من ثنايا الكلمات تأوهات نفس البطل/ الفنان، الذي يلقي بلائمة انصراف المرأة على القوارض، ويكون الأخضر «تعبيرا لونيا» بكل ما فيه من دلالات النماء، ولنكتشف أن القوارض إنما هي إدانة للعالم الذي جعل هذا القلب الراغب في النشوة يعيش في صمت بارد، يكوي أعماقه.
***
النهايات: جاءت معلقةً وفارقةً وغامضة، لتشكل ملمحا بارزًا في بنية النصوص، فإذا كان القربان المحطم نهاية فارقة غامضة في قصة قربانة، فهو أيضا يتشابه دلاليا مع نهاية قصة فتاة البحر، حيث تظل الأنثى محملقة في البحر، لا تلقي بالا لمن تسمّر في وقفته مترقبا حركاتها، في لقطة ثابتة الحركة أو بالأدق معبرة عن جمود الرغبة لتصبح ذكرى. أما نهاية قصة «كادر خارج المشهد» فهي تتقارب مع عنوانها في الدلالة، فهناك المشهد وهناك من هم خارجه، وللأسف فإن من هم خارجه الأبطال، ومن بداخله فهم المحتفلون والمتفرجون. تأتي النهاية دندنة بصوت البطل: «وعضم ولادناز.. نلمه نلمه، ونعمل منه مدافع»، فالعظم المتناثر رمز لهؤلاء الأبطال المنسيين من الذاكرة الجماعية، ومن المشهد الاحتفالي، وهؤلاء هم المدافع الحقيقية التي كانت وستظل حامية للوطن. أما قصة « تعريشة سندس» فقد تعلقت قلوبنا برغبة البطل أن يأتي أحد لإنقاذه، نهاية مفتوحة الدلالة تحمل أملا واسعا في حياة، وربما ندما وإدانة على اختيار فعل الهروب، وحلما بالصغير الذي يرقد في أحضان الأم.
***
تمثّل هذه المجموعة محطة مهمة في مسيرة إبداع أحمد طوسون، وتعبر عن نضجه الفني، وشفافيته في التقاط الأحداث، وقدرته على النفاذ في أعماق الشخصيات، وتعبر أيضا عن ثراء عالمه السردي وتنوعه.
وأخيرا تظل رغبات النفوس على بساطتها أو ضخامتها هي العلامات الأهم في حياة الشخوص، مثلما تأتي النهايات المعلقة مثل أمور كثيرة في حياتنا، ننتظر حسمها بأيدينا، ولكن نفاجأ أنها تعلق بأنفسنا، وتتكفل الأيام بتحويلها إلى ذكرى؛ حزينة أو أليمة أو مريرة أو حلوة، إلا أنها ذكرى تؤنس نفوسنا عندما ننفرد بها في خلوتنا.
* كاتب وناقد مصري
[email protected]