انكسارات الأكاسرة

تصغير
تكبير
| فيصل عمر الهاجري |

من المتعارف عليه دولياً والمسلم به تاريخياً ان الامبراطورية الفارسية القديمة قد كانت تهيمن على اغلب اجزاء مشارق القارة الآسيوية ومغاربها لعدة قرونٍ مضت في عصور ما قبل الميلاد وما بعده، وقد كانت سياسة الاكاسرة اولئك القائمين على هذه الامبراطورية - والذين قد تم تاليههم من قبل العناصر الفارسية - لا تعترف بمبدأ العلاقات الدولية ومفهوم حسن الجوار مع ما جاورهم من الممالك والدويلات على مر كل تلك القرون الطويلة!

لذا نجد ان سياسة تلك الامبراطورية التوسعية وعلى مر العصور الطويلة والدهور القديمة قد دخلت في طور العديد من الحروب والمعارك التي قدر لها ان تُهزم في 90 في المئة منها بالرغم من تفوقها في العدد والعدة والجهوزية العسكرية المسلحة ضد خصومها!

والتاريخ حافل بخيبات الامل الكبيرة والكثيرة لهذه المشاريع التوسعية، فعندما حاول الاكاسرة آنذاك البدء بالتوسع في حوض البحر المتوسط وخلف هضاب الاناضول على حساب سيادة المدن اليونانية سحقتهم البحرية الاثينية والمشاة الاسبرطية في عدة معارك متتاليه، وعندما اراد الاسكندر المقدوني غزو العالم جعل من امبراطوريتهم المترامية الاطراف (كُبري 6 اكتوبر) فكان بذلك عاقبتنا لاطماعهم التوسعية، وعندما اجتاحت العناصر الجرمانية المتبربرة القارة الاوروبية انتهز الاكاسرة الفرصة للتوغل في اراضي الامبراطورية الرومانية فدحرتهم المشاة الثقيلة لجيوش روما وطاردت فلولهم في شتى البقاع والاقاليم، وعندما اشتعلت الثورات الداخلية في الامبراطورية البيزنطية سارع الاكاسرة بالاستيلاء على اجزاء من الاراضي التابعة للقسطنطينية، فما كان من اباطرة الاسرة الهرقلية الا الرد على هذا التعدي السافر بسحق جيش الاكاسرة عن بِكرة ابيه والاستيلاء على عاصمة الفرس وحاضِرة مُلكِهِم، وعندما استخف الاكاسرة بشأن ساكني جزيرة العرب لاقت جيوشهم النظامية شر هزيمة على يد قبائلها الرُحل بِالقُربِ من ماء ذي قار، وعندما خرجت شمس الاسلام قوّص العرب المسلمون امبراطورية الفُرس واردموا عروش اكاسِرتهم فوق رؤوسهم وحولوا الرعايا الفُرس من عبادة العباد الى عبادةِ رب العباد!

واليوم وبعد الثورة والرغبة بتصديرها الى سواحل الارجنتين؟ (يمكن لعيون ميسي) تعود اطماع وتطلعات الاكاسرة التوسعية من جديد وبِحُله اُخرى ومختلفه في هذه المرة، اذ اتخذ ساسة ايران البُعد التاريخي كحجة وذريعة لتبرير الاطماع التوسعية والادعاءات والمزاعم التبعية لهم في الخليج وغيره، فاستولوا على جزر الامارات الثلاث بحجة البعد التاريخي واحقيتهم بها، ومن ثم انفردوا بتسيير شؤون مضيق هرمز دون اي اعتبار لسلطنة عمان بالحجة ذاتها، وبعد ذلك تدخلوا في شؤون مملكة البحرين بنفس الحجة، كما عاثوا فساداً باختراقاتهم البحرية للمياه الاقليمية القطرية بذريعة احقية البعد التاريخي ايضاً ومن منطلق ان الخليج وحسب مزاعمهم (فارسي) فيحق لهم بذلك به ما لا يحق لغيرهم، وبالاضافة الى ذلك كله لا يسعنى نسيان محاولات تدخلهم في الشأن الداخلي السعودي من خلال تقديم طلبهم الى هيئة الامم المتحدة من اجل ضم تبعية مدينتي (مكة) و(المدينة) الى منظمة العالم الاسلامي بحجة تاريخية مفادها ان هذين المدينتين حق لجميع مسلمي العالم وبالتالي لا يجوز تبعيتهما لكيان سياسي مسلم واحد فقط! والخوف كل الخوف من ان يتذرعوا مستقبلاً بالمزاعم الباطلة لتبعية الكويت للعراق الذي اصبح جزءاً لا يتجزأ من امبراطوريتهم الحديثة من اجل التدخل في شأننا الداخلي كما هو الحال الآن وبعد ان اثبت قضاؤنا ادانتهم بذلك!

ويبدو لي بذلك ان مشكلة ساسة ايران وسياستهم الخارجية تكمُن في عدم قراءتهم جيداً للتاريخ وندرة استفادتهم من دروس واحداث الماضي وعِبره، وكأنما يعيشون في هذا العالم لوحدهم! فلو نظروا جيداً الى ما جاورهم من الدول والاقاليم وامعنوا بصيرتهم بكل دقة وتمحيص في واقع سياسات هذه الكيانات المتاخمة لحدودهم، لوجدوا ان الجميع مشغولٌ في ثلاثة امور: (اصلاح الاوضاع الداخلية) و(محاولة مواكبة العولمة والتطور) و(القلق من كون ايران دولة مجاورة)!

فكان من الاحرى بساسة ايران استثمار هذا الواقع المستقر (لولاها) لتسخير ما لديها من طاقات وامكانات وموارد وثروات عقلية ومادية للتفرغ الى اصلاحات شؤونهم الداخلية وازدهار بلادهم ورقيها، ومن ثم تحسين وضع شعبهم ومستوى معيشته استعداداً للنهوض به لسيادة العالم والهيمنة عليه بصورة ايجابية يتقبلها الجميع ويحترمها الكل وفق مبدأ (الاقناع) لا (الاخضاع)! كالهيمنة اليابانية التنكولوجية، وهيمنة الصين التجارية، والهيمنة الاميركية الصناعية، وهيمنة اوروبا العلمية، وهيمنة اليهود الاقتصادية... إلخ، فتكتسب بذلك احترام شعبها وتقدير جيرانها واذعان العالم بأسره لسيادتها وهيمنتها وفق ما تم ذكره!

وعندئذٍ فالامر المؤكد والقطعي ان الدول المجاورة لايران وفي مقدمتها بلدان الخليج العربي ستكون اول المدافعين والداعمين لها ولمشاريع طاقاتها النووية! فلماذا اذاً هذا التعنت السقيم والتزمر الكريه والكابوس او الحلم ان صح التعبير باستعادة عروش الاكاسرة؟ ام الشوق الى ازمنة العبودية والفقر؟



نقطة اخيرة:

اذا كانت ايران تعترف بمفهوم البعد التاريخي وتُعوِلُ عليه كثيراً خلال مزاعمها ومداعيها هنا وهناك وخاصة حول قضية تسمية الخليج العربي! فعليها اولاً الاعتراف بحقيقتين علميتين الاولى: ان المنتصر هو من يكتب ويدون التاريخ، والثانية: هي اننا آخر من انتصر، ونستشهد بذلك في ذي قار الجاهلية، وذاتِ السلاسل وقادسية الاسلام.



جامعة الكويت - كلية الآداب

نائب رئيس الاتحاد الوطني لطلبة الكويت للشؤون السياسية
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي