د. مبارك عبدالله الذروة / الحرية المفترى عليها

تصغير
تكبير
لم أجد شعاراً أكثر تقديساً في الفكر السياسي العام من شعار حرية الرأي والتعبير، ولم أر انتهاكاً صارخاً كانتهاك دعاتها لها... صرنا مثل الذي (يقتل القتيل ويمشي في جنازته). كلنا ننادي بحرية التعبير وإذا بنا نغالط الرقيب الداخلي فينا ونتجاوز السرعة القانونية بجنون حتى نصل إلى منطقة القذف والاتهام الحمراء! انظر مثلاً إلى الزعم بأن الحرية هي أن اتهمك بأنك (حرامي) ثم بالمقابل أنت مستبد لأنك تقاضيني! ولأنك رجل دولة وحكومة ورئيس مجلس وزراء فلابد أن يكون صدرك أوسع فتصبر وتتحمل الطعن والرأي الآخر، وإلا فإنك مستبد ضد حرية التعبير!

كيف نضع لنا شأناً وهيبة في الخارج إذا فقدنا شأننا وتماسكنا في الداخل. ما زلت أؤمن أننا أبناء انفعالاتنا وعواطفنا أكثر من قناعاتنا وما نؤمن به. والبشاعة تصل مداها حين نختزل ظلماً منهجية الفاروق عمر (لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها) في الوقت الذي نتجاهل فيه الظرف العمري ومن وجه لهم الخطاب حينذاك. فقد وجه عمر خطابه للأمة يحثها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... إذا توافرت شروطه وانتفت موانعه، وهو دور نواب الأمة وفقاً للمكان والزمان المناسبين، فهم الذين اخترناهم نيابة عنا ليقوموا بهذا الدور الخاص!

بالتأكيد لن يسمح عمر، ولا أي خليفة، بتجاوز الخطوط الحمراء حتى لا تكون فتنة وينتشر البلاء، وبصراحة الذين يستحقون الإنكار الشديد هم بعض نواب الأمة. فهناك قنوات رسمية ووسائل يمكن للجميع التعبير من خلالها... وفقاً لأخلاقيات المهنة والبينة على من ادعى مع مراعاة فارق التوقيت!

وكم هو غريب مكيال البعض في اللجوء إلى الشارع، وإن كان بهدوء، في قضية الفضالة، في الوقت الذي أنكروا على من لجأ إلى الشارع في قضية الجاسم! هذا المنهج التجزيئي المنفعل الأحادي هو جزء من البطولة المزيفة الخالية من المبدأ والقيم السياسية العليا، وهو ناتج عن غياب القناعات وحضور الهوى وحظوظه.

نحن ندين كل من يسيء إلى حرياتنا، وكل قانون يقلص من دورنا الرقابي والتعبيري... ففي البدء كانت الكلمة. ولكننا لا نقبل أن يهان أو يقذف أي إنسان صغر أو كبر. ولا يجوز اتهام السيد رئيس مجلس الوزراء، الذي تولى أمرنا، دون بينة أو برهان باسم حرية التعبير، فتجريحه يعد أعظم جرماً من تجريح سواه... تبعاً لمكانته وقدره السياسي والاجتماعي، فكيف نخلط حرية التعبير مع حرية القذف! حرية التعبير لها أصولها ولها أخلاقها. ومع تقديرنا للناشطين في الحقل السياسي، والعمل الإعلامي المهني، فإن قواعد الموازنات والأولويات، وأصول العمل المتزن، تفيد بأن الخوض في التعبئة الاستنكارية والخطابات الجماهيرية التي تشحن العامة ضد الدولة ورموزها، فيه من المفاسد أظهر وأعظم من المفسدة الواقعة بذاتها، ومراقبة الجو العام والاحتقان الذي تمر به البلاد يؤكد أهمية التهدئة والصلح والنظر إلى العواقب.

نعم هناك ألوان من الفساد المالي والإداري، والتدخل والتداخل بين السلطات، والتعسف أحياناً في اتخاذ القرارات... ولا يملك أي مواطن القدرة على التغيير إلا من خلال نائبه الذي قام باختياره، فالناخب المواطن له القدرة على إدخاله أو إخراجه من قاعة عبد الله السالم، وإذا صلح النواب صلحت البلاد، وإذا فسد النواب فسدت البلاد. فالسلطة التي يملكها النائب في البرلمان هي سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... في جزء منها، وهي سلطة رقابية، وهي سلطة إرادة ورغبة بالنيابة والوكالة عن الأمة في الرقابة والتشريع وفقاً للأدوات الدستورية المتبعة.

كل التجارب من حولنا تفيد بأن الحريات تنتزع انتزاعاً، ولا تأتي هبة من أحد، فلننتزعها من بعض نوابنا الفاسدين أولاً لأننا نملك اختيارهم نواباً لنا!

أخيراً، الحرية من النعم المحسود عليها كثير من الناس، لا يجوز استخدامها في غير موطنها وزمانها، والطعن أو القذف بلا بينة وأمام الملأ لا يؤدي إلا إلى إسقاط هيبة الحكم، واستغلال أصحاب الأغراض لضرب الوطن وتفتيت لحمته، والمهم أن ننتبه إلى من يجرنا إلى مشاغبات الشارع وهيجانه، مهما قلنا ان لنا الحق في مخاطبة السلطة العامة.





د. مبارك عبدالله الذروة

أكاديمي وكاتب كويتي

maltherwa@yahoo.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي