إشراقات النقد / صراع الحضارات في مجموعة «فرامل» للشاعر المغربي بن يونس ماجن (3 من 3)
|سعاد العنزي *|
إن لغة النص الأدبي ولا سيما الشعر هي لغة اللا مألوف، والجدة والابتكار والتفرد باختيار المعاني البكر والجديدة وادخالها في نسيج أسلوب الشاعر لتصبح ثيمة دالة عليه وتطبع به ويطبع بها، من هذا المنطلق فإن لغة النص الشعري لا يمكن إغفالها وانحاءها بعيدا عن عملية قراءة النص الأدبي، لأنها عنصر فعال وخلاق في أحيان وهدام في أحيان أخرى، وإلا كيف يختلف النص الأدبي عن غيره من النصوص المعرفية والإنسانية الأخرى؟!
و بالدخول إلى لغة النص الشعري، موضع المقاربة، يتضح ان لغة الشاعر انقسمت إلى قسمين مفصليين، الأول هو لغة شعرية واصفة وتقريرية مباشرة، بينما القسم الآخر هو لغة شعرية جمالية تعتمد على الابتكار في كثير منها، ولعل هذا يفتح لنا دائرة مفعمة بالأسئلة حول ماهيات اللغة، ومسببات التباين والاختلاف الحاصل في مجموعة واحدة لشاعر واحد.
ولكن لعله من الأجدى أولا التعرف على معالم الظاهرة ومن ثم محاولة تفسيرها ومساورة ملابساتها.
لغة وصف الأحداث الجارية
في عدد من نصوص المجموعة «فرامل لعجلات طائشة في الهواء»، تتضح معالم لغة عادية وتقريرية تصف الراهن العربي وملابساته بعيدة عن المجاز والانحراف الأسلوبي، وإن اقتربت من التشبيه بشيء فهي لتشويه صورة الآخر المرفوض من قبل رؤية النص الشعري ومؤلفه، من مثل مايرد في قصيدة: «في بيتنا ذئب»، التي ينتقد بها العالم الصهيوني الذي استوطن بالأراضي العربية، وأخذ يقوم بكل ماتقوم به الذئاب من قتل ونهش في دماء الأبرياء، ناهيك عن الاشارة المبطنة لكل القوى الأخرى التي استوطنت المنطقة، كونها منطقة الصراع في الشرق الأوسط بحسب مايسميها منظروها السياسيون والاستراتيجيون. فيصفهم الشاعر بالمقطع التالي في النص:
«في بيتنا ذئب غريب الأطوار
جاء من بعيد
من وراء البحار
فاستولى على الدار
***
وزائرنا غير مرغوب فيه
لقد مكث طويلا في البيت
ولم يدفع رسوم الإيجار
فتحول إلى ذئب شرس
لا يحترم حسن الجوار
ولا حرمة الديار». (المجموعة ص24-25)
إن اللغة السابقة بكافة معطياتها، لا تشي بأي بصمة شخصية للشاعر، ولا توضح وجوده بالنص، لغة تقريرية اخبارية، قد يقولها أي شاعر مبتدئ أو قارئ للأدب.
بمثل اللغة الواصفة والإخبارية السابقة، ستظهر لغة أخرى يغلب عليها التمني في قصيدة «ماذا لو» التي تصاعدت فيها الأماني الواحدة تلو الأخرى لتبلغ الأماني الذروة، فيقول:
«ماذا لو قمنا بغزو إسرائيل
بقيادة صلاح الدين الإيراني
وعلى صهوة جواد عبدالرحمن الغافقي؟». (المجموعة، ص42).
ولكن عند الخوض في مواضيع إنسانية أخرى، غير الحروب والصراع، والعلاقات الجدلية الإنسانية، فإن الشاعر يحلق قي لغته بعيدا عن ضفاف التقريرية ومتجاوزا شباك المباشرة إلى مناطق الخيال الحر، وأسرجة الإبداع بعيدا عن حلقة المشاع والمشترك في الثقافة الإنسانية. وهذا تبدى في العديد من قصائد المجموعة، مثل: «ليس شاعرا»، «رذاذ الأمس.. مطر اليوم»، «فقاعات ذائبة»، «ذات ليل بارد طويل على ساحل مغربي»، «ربابة حزينة لشاعر أمي يرعى الغنم».
في النصوص السابقة، وبقراءة متأملة لعناوينها ومتونها، يبتدر لذهن المتلقي مدى تحليق الشاعر بأجنحة اللغة إلى عالم الدهشة والجمال، والتفرد، كونها تدور حول مواضيع هي مزار الروح، ومدار اشتغال واشتقاء الفكر المبدع، مثل ماهية الشعر، والحب، والحنين والاشتياق للمكان والتذكر والتحنان على المفقود والمسكوت عنه.
ومن بين الجماليات التي ارخت القصيدة سدول المعاني الفريدة عليها، هو نص «دهاليز خفية في منجم القصيدة»، التي تبرز عدة قضايا من مثل: مكانة القصيدة في حياة الشاعر، والتنقيب في مناجم اللغة حول الأصيل والفذ، كما هي تبين كثرة المحاولة والاشتغال في محراب القصيدة، والتحول بين الوعي واللاوعي، لتولد صاحبة الجلالة القصيدة، تاركة خلفها ميادين المعاناة التي خاضتها قبل النشوء والتطور إلى الصورة النهائية:
«بعض الأحيان أتشاجر مع قصيدتي العصية على النظم
فأحزم امتعتي وأذهب إلى بيت النثر كي أرتبه من الداخل
في مخيلتي أشياء صغيرة وتمائم وتعاويذ
كأني شاعر عائد من حرب أهلية
يسير في خطين متوازيين
***
أحفر تحت وسادتي ممرا ضيقا
و أمسك بزمام الحلم الطري
وأخرج من الوعي إلى اللاوعي
و للتسلية أكتب شعرا للمجانين». (المجموعة، ص7)
مما سبق يمكن القول، إن القصيدة لدى الشاعر بن يونس ماجن، تمثل ما قاله سيد جودة في مقالة بعنوان: «النشوء والارتقاء في الشعر الحديث» حول مفهوم القصيدة الحديثة:
«القصيدة الحديثة قوامها اللغة الرشيقة الممشوقة والموسيقى الهادئة الخافتة وقبلهما تأتي الصورة الملتقطة من الحياة والممزوجة بفكر الشاعر ومشاعره، فهي وإن كانت صورة من العالم الخارجي إلا أنها يجب أن تكون متصلة بالعالم الداخلي للشاعر فيصبغ عليها الشاعر من فكره ومشاعره ما يجعل الصامت ناطقاً والجامد متحركاً».
*كاتبة وناقدة كويتية
* سيد جودة، «النشوء والارتقاء في الشعر الحديث»، موقع الشاعر
[email protected]
إن لغة النص الأدبي ولا سيما الشعر هي لغة اللا مألوف، والجدة والابتكار والتفرد باختيار المعاني البكر والجديدة وادخالها في نسيج أسلوب الشاعر لتصبح ثيمة دالة عليه وتطبع به ويطبع بها، من هذا المنطلق فإن لغة النص الشعري لا يمكن إغفالها وانحاءها بعيدا عن عملية قراءة النص الأدبي، لأنها عنصر فعال وخلاق في أحيان وهدام في أحيان أخرى، وإلا كيف يختلف النص الأدبي عن غيره من النصوص المعرفية والإنسانية الأخرى؟!
و بالدخول إلى لغة النص الشعري، موضع المقاربة، يتضح ان لغة الشاعر انقسمت إلى قسمين مفصليين، الأول هو لغة شعرية واصفة وتقريرية مباشرة، بينما القسم الآخر هو لغة شعرية جمالية تعتمد على الابتكار في كثير منها، ولعل هذا يفتح لنا دائرة مفعمة بالأسئلة حول ماهيات اللغة، ومسببات التباين والاختلاف الحاصل في مجموعة واحدة لشاعر واحد.
ولكن لعله من الأجدى أولا التعرف على معالم الظاهرة ومن ثم محاولة تفسيرها ومساورة ملابساتها.
لغة وصف الأحداث الجارية
في عدد من نصوص المجموعة «فرامل لعجلات طائشة في الهواء»، تتضح معالم لغة عادية وتقريرية تصف الراهن العربي وملابساته بعيدة عن المجاز والانحراف الأسلوبي، وإن اقتربت من التشبيه بشيء فهي لتشويه صورة الآخر المرفوض من قبل رؤية النص الشعري ومؤلفه، من مثل مايرد في قصيدة: «في بيتنا ذئب»، التي ينتقد بها العالم الصهيوني الذي استوطن بالأراضي العربية، وأخذ يقوم بكل ماتقوم به الذئاب من قتل ونهش في دماء الأبرياء، ناهيك عن الاشارة المبطنة لكل القوى الأخرى التي استوطنت المنطقة، كونها منطقة الصراع في الشرق الأوسط بحسب مايسميها منظروها السياسيون والاستراتيجيون. فيصفهم الشاعر بالمقطع التالي في النص:
«في بيتنا ذئب غريب الأطوار
جاء من بعيد
من وراء البحار
فاستولى على الدار
***
وزائرنا غير مرغوب فيه
لقد مكث طويلا في البيت
ولم يدفع رسوم الإيجار
فتحول إلى ذئب شرس
لا يحترم حسن الجوار
ولا حرمة الديار». (المجموعة ص24-25)
إن اللغة السابقة بكافة معطياتها، لا تشي بأي بصمة شخصية للشاعر، ولا توضح وجوده بالنص، لغة تقريرية اخبارية، قد يقولها أي شاعر مبتدئ أو قارئ للأدب.
بمثل اللغة الواصفة والإخبارية السابقة، ستظهر لغة أخرى يغلب عليها التمني في قصيدة «ماذا لو» التي تصاعدت فيها الأماني الواحدة تلو الأخرى لتبلغ الأماني الذروة، فيقول:
«ماذا لو قمنا بغزو إسرائيل
بقيادة صلاح الدين الإيراني
وعلى صهوة جواد عبدالرحمن الغافقي؟». (المجموعة، ص42).
ولكن عند الخوض في مواضيع إنسانية أخرى، غير الحروب والصراع، والعلاقات الجدلية الإنسانية، فإن الشاعر يحلق قي لغته بعيدا عن ضفاف التقريرية ومتجاوزا شباك المباشرة إلى مناطق الخيال الحر، وأسرجة الإبداع بعيدا عن حلقة المشاع والمشترك في الثقافة الإنسانية. وهذا تبدى في العديد من قصائد المجموعة، مثل: «ليس شاعرا»، «رذاذ الأمس.. مطر اليوم»، «فقاعات ذائبة»، «ذات ليل بارد طويل على ساحل مغربي»، «ربابة حزينة لشاعر أمي يرعى الغنم».
في النصوص السابقة، وبقراءة متأملة لعناوينها ومتونها، يبتدر لذهن المتلقي مدى تحليق الشاعر بأجنحة اللغة إلى عالم الدهشة والجمال، والتفرد، كونها تدور حول مواضيع هي مزار الروح، ومدار اشتغال واشتقاء الفكر المبدع، مثل ماهية الشعر، والحب، والحنين والاشتياق للمكان والتذكر والتحنان على المفقود والمسكوت عنه.
ومن بين الجماليات التي ارخت القصيدة سدول المعاني الفريدة عليها، هو نص «دهاليز خفية في منجم القصيدة»، التي تبرز عدة قضايا من مثل: مكانة القصيدة في حياة الشاعر، والتنقيب في مناجم اللغة حول الأصيل والفذ، كما هي تبين كثرة المحاولة والاشتغال في محراب القصيدة، والتحول بين الوعي واللاوعي، لتولد صاحبة الجلالة القصيدة، تاركة خلفها ميادين المعاناة التي خاضتها قبل النشوء والتطور إلى الصورة النهائية:
«بعض الأحيان أتشاجر مع قصيدتي العصية على النظم
فأحزم امتعتي وأذهب إلى بيت النثر كي أرتبه من الداخل
في مخيلتي أشياء صغيرة وتمائم وتعاويذ
كأني شاعر عائد من حرب أهلية
يسير في خطين متوازيين
***
أحفر تحت وسادتي ممرا ضيقا
و أمسك بزمام الحلم الطري
وأخرج من الوعي إلى اللاوعي
و للتسلية أكتب شعرا للمجانين». (المجموعة، ص7)
مما سبق يمكن القول، إن القصيدة لدى الشاعر بن يونس ماجن، تمثل ما قاله سيد جودة في مقالة بعنوان: «النشوء والارتقاء في الشعر الحديث» حول مفهوم القصيدة الحديثة:
«القصيدة الحديثة قوامها اللغة الرشيقة الممشوقة والموسيقى الهادئة الخافتة وقبلهما تأتي الصورة الملتقطة من الحياة والممزوجة بفكر الشاعر ومشاعره، فهي وإن كانت صورة من العالم الخارجي إلا أنها يجب أن تكون متصلة بالعالم الداخلي للشاعر فيصبغ عليها الشاعر من فكره ومشاعره ما يجعل الصامت ناطقاً والجامد متحركاً».
*كاتبة وناقدة كويتية
* سيد جودة، «النشوء والارتقاء في الشعر الحديث»، موقع الشاعر
[email protected]