خلال زيارته الأخيرة الى لبنان، رفض وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط مقولة وجود خلافات بين الولايات المتحدة وسورية في المرحلة الحالية، وقال: «لا أعتقد أن العلاقات السورية - الأميركية غير جيدة. ربما العكس صحيح»، واعتبر وقتها أن إثارة قضية صواريخ «سكود» من جانب الأميركيين «هدفها الضغط على إيران وليس على سورية ولبنان». جاءت تصريحات أبو الغيط في لقاء مع عدد محدود من الصحافيين اللبنانيين في بيروت.
ومن يتمعن في اللغة والخطاب السياسي السوري الرسميين سيجد أن هناك حرصاً على هذه العلاقة، وسعيا كبيرا لتجاوز الخلافات، وإصرارا على أن تكون الولايات المتحدة كطرف أساسي على طاولة المفاوضات مع إسرائيل، كذلك غالباً ما يذكر الخطاب السوري بالخدمات الأمنية التي قدمتها سورية للولايات المتحدة منذ بدء «الحرب على الإرهاب» وكيف أن هذه الخدمات أو هذا «التعاون قد ساهم في انقاذ أرواح أميركيين».
ربما يصح القول أنّ النظام السوري منذ وصول «حزب البعث» إلى السلطة في عام 1963 لم يكن صديقاً للولايات المتحدة بحكم العلاقة التي كانت قائمة مع الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي، وربما يصح القول أيضاً انه ليس صديقاً اليوم على غرار الصداقات التي تربط الولايات المتحدة مع دول عربية، مثل الأردن ومصر والسعودية والكويت أو المغرب وبقية دول الخليج العربي، لكن رغم ذلك فإن النظام اليوم ليس خصماً أو عدواً للولايات المتحدة.
ربما على العكس، وهناك من يعتقد أنه أحد أفضل الأنظمة العربية في خدمة المصالح الأميركية، منذ 1974، حيث تشهد «جبهة» الجولان هدوءا لم تشهده ولا تشهده أي بقعة صراع عربية إسرائيلية أو شرق أوسطية. ومن ناحية ثانية هناك التعاون الأمني الوثيق في إطار ما يسمى «الحرب على الإرهاب» بين الأجهزة الاستخبارية السورية ونظيرتها الأميركية، وقبل ذلك لا ننسى أن التعاون السياسي والعسكري بلغ ذروته عام 1991 حين شارك الجيش السوري مع الجيش الأميركي وجيوش أخرى في حرب تحرير الكويت. ولا ننسى إطلاق يد سورية في لبنان لنحو ثلاثة عقود من الزمن.
وعن حقيقة الخلافات التي تبدو كما لو أنها دائمة بين البلدين لابد من الاقرار أن القراءة الموضوعية والدقيقة لتاريخ العلاقات الثنائية، تظهر ديمومة ارتباطها بعوامل غير مباشرة ، وبشكل أدق أنها مرتبطة بشكل أساسي بطبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة التي تقف حجر عثرة في مجمل علاقات واشنطن بدول المنطقة وليس سورية فقط.
من ناحيتها، الولايات المتحدة لها مصالح كبيرة في الانفتاح على سورية لكن ذلك يبقى مشروطاً بمساهمة دمشق في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، وبهذا المضمون عبرت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون يوم (24/02/2010) أمام لجنة الموازنة في الكونغرس بقولها: «أكدنا للسوريين الحاجة إلى المزيد من التعاون حول العراق، ووقف التدخلات في لبنان، ونقل أو تسليم سلاح إلى «حزب الله»، واستئناف المحادثات الإسرائيلية - السورية». لكن الهدف الأهم الذي تسعى إليه إدارة الرئيس باراك اوباما من وراء انفتاحها على دمشق هو إبعاد سورية عن المحور الإيراني، إذ أفصحت كلينتون في أكثر من مناسبة عن رغبة واشنطن في أن «تبدأ دمشق بالابتعاد في علاقتها عن إيران التي تتسبب في اضطرابات للمنطقة وللولايات المتحدة».
لكن سورية لا تملك إلى اليوم رؤية واضحة لما يمكن أن تحصل عليه من مكاسب جراء الانفتاح الأميركي عليها، هل هي عودة الجولان ومعاهدة سلام مع إسرائيل؟ دمشق تبدو أنها لا تعرف شيئاً عن المستقبل وهي غير متأكدة من ذلك، لهذا السبب نراها ترفض التخلي عن علاقتها المميزة مع إيران، أو حلفائها الاقليميين مثل «حزب الله» وحركة «حماس».
أما على مستويات أخرى، فلا تزال العقوبات الأميركية حاضرة التأثير نفسياً ومادياً على العلاقات الثنائية، وذلك دون أي مؤشرات على قرب وقف العمل بها، وهو ما يترك دمشق تنظر إلى العلاقة مع واشنطن بعين مريبة، والحجة أن الاختلافات العميقة التي تكونت عبر أعوام لا يمكن تخطيها بسرعة. لكن رغم ذلك فالقلب وما يهوى والعين ما زالت تتطلع على أميركا.
زين الشامي
كاتب سوري