دراسة / القانون الجديد أتى بعد 18 عاما من الانتظار مليئا بالثغرات ودون سقف الطموحات
«التخصيص»... نقل أمراض القطاع العام إلى الخاص
ثغرات القانون تخفض سقف التوقعات في الخصخصة
أنس الصالح
| بقلم أنس الصالح* |
الخصخصة أو التخصيص أو الخوصصة أو الاستخصاص مصطلحات تعبر عن عملية تحويل أنشطة اقتصادية من القطاع العام إلى القطاع الخاص عن طريق الإيجار أو المشاركة أو البيع المباشر أو من خلال آليات السوق المالية أو عن طريق التعاقد لإدارة النشاط من قبل شركة خاصة متخصصة. ولا يختلف المتخصصون في مجال السياسات الاقتصادية اليوم في أن ملكية الأفراد والمؤسسات والشركات الخاصة للأنشطة ذات الطابع الاقتصادي هي الأصل، أي أن إنشاء وتشغيل وإدارة أنشطة إنتاج وتسويق السلع والخدمات ليس من بين المهام الأساسية للحكومات، إلا في حالات استثنائية تقتضيها معطيات اجتماعية أو اقتصادية خاصة أو تتطلبها طبيعة وخصوصية بعض السلع والخدمات.
ولم يكن للدولة دور رئيسي في ملكية مؤسسات النشاط الاقتصادي عبر التاريخ البشري قبل أن تحل مشكلة الكساد الكبير في العام 1929 والتي أدت إلى ظهور انتقادات لمبادئ الفكر الرأسمالي للمدرسة الاقتصادية الكلاسيكية التي كانت ترى أن التدخل الحكومي في دورة النشاط الاقتصادي يحدث خللا في آليات هذه الدورة ويتسبب في تشوهات الأسعار، وأن التوازن والاستقرار الاقتصادي يتحققان من خلال «اليد الخفية» التي بنيت فكرتها على أساس أن حرية الأسواق كفيلة بتحقيق التوازن، فلو كان لكل مستهلك الحرية في اختيار السلع التي يرغب في شرائها، ولكل منتِج الحرية في إنتاج وبيع ما يشاء، فسيصل المجتمع في نهاية المطاف إلى توفير السلع المطلوبة بالنوعية المرغوبة وبالأسعار المناسبة للجميع.
لقد هزت أزمة الكساد الكبير التي انطلقت من الولايات المتحدة مع انهيار سوق الأسهم الأميركية في يوم «الثلاثاء الأسود» الموافق 29 أكتوبر 1929، أسس النظرية الكلاسيكية، بعد أن امتدت آثارها المدمرة إلى جميع الدول الغنية والفقيرة، وأدت إلى توقف عجلة النشاط الاقتصادي العالمي والى تدهور مريع في حجم الدخل القومي للدول، وحجم التجارة العالمية ومستويات الأسعار والإيرادات.
تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي
وفي عام 1936 أرجع جون كينز أسباب الأزمة إلى النظام الحر الذي كان يرفض تدخل الدولة في دورة النشاط الاقتصادي لتصحيح أي خلل قد يطرأ على هذه الدورة. ومن ثم دعا إلى دور فعال للدولة من خلال سياستها المالية أي المزيد من الإنفاق في حالة الركود والمزيد من الضرائب في حالة التضخم.
وقد أغفل كثيرون عوامل أخرى قد تكون أدت إلى الأزمة ومنها استغناء أوروبا عن البضائع الأميركية التي اعتمدت عليها أثناء الحرب العالمية الأولى بعد توقف مصانعها بسبب الحرب، وكذلك انتشار الآلات في عملية الإنتاج التي أدت إلى تزايد البطالة وانخفاض الدخل.
لقد دفعت تلك الأزمة أعرق الدول الرأسمالية إلى التحول من النظام الحر إلى النظام الموجه، وسرعان ما اتجهت تلك الدول ليس فقط إلى تطبيق الحل الذي طرحه كينز فحسب وإنما إلى ما طرحه كارل ماركس قبل ذلك فأقدمت على تأميم صناعات الطاقة (الفحم) وصناعات السكك الحديد وصناعات الصلب وقطارات المترو ومحطات توليد الكهرباء وشبكات الاتصالات والنقل البري وغير ذلك، فكان أن تحولت مملكة بعراقة بريطانيا إلى دولة شبه اشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية.
فشل الدور الاقتصادي للحكومات
واحتاج العالم الرأسمالي إلى نحو أربعين سنة قبل أن يدرك أن هذا التحول من النظام الحر إلى النظام الموجه قد كلفه الكثير، حيث تدهورت حال معظم الصناعات التي امتلكتها الدولة وباتت نماذج للفشل. وعندها اكتشفت تلك الدول أن تضخم القطاع العام قد أدى إلى ضعف الرقابة على مكوناته والى تفشي الفساد في مختلف جوانبه والى عجزه عن الاستجابة للطلب، فكان أن أصبح تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي سببا من أسباب عدم الاستقرار.
وإزاء هذه التداعيات السلبية المترتبة على انخفاض كفاءة القطاع العام، قررت بريطانيا أن تقود من جديد قاطرة التحول إلى النظام الحر فبدأت مع مطلع الثمانينات بتحرير الصناعات المؤممة وإعادتها إلى القطاع الخاص، وهي العملية التي أطلق عليها تعبير الخصخصة. وتهدف عملية الخصخصة إلى تشغيل وإدارة المشروعات التي كانت تهيمن عليها الحكومات بما يتوافق مع مبادئ التشغيل في القطاع الخاص، أي أن تكون الربحية والعائد أو الإنتاجية هي أساس تقييم الأداء، وتطوير عملية الإنتاج لضمان جودة المنتج وتفوقه في السوق التنافسية.
وقد أدى نجاح برنامج الخصخصة البريطاني إلى انتشار ظاهرة الخصخصة في أكثر من نحو 100 دولة من دول العالم. وخلافا لما كان يعتقد من أثر الخصخصة على رفاه المستهلك نتيجة لارتفاع أسعار الخدمات أو السلع التي تنتجها المشروعات التي تخصص أثبتت دراسات البنك الدولي التي أجريت على مشروعات تم تخصيصها في كل من تشيلي، وماليزيا، والمكسيك، وبريطانيا، أن الأسعار لم تتغير في نصف الحالات بينما تم تعديل هذه الأسعار جزئيا في النصف الآخر لتعكس الندرة النسبية للموارد، كما أكدت الدراسات تحسن كفاءة المنتج من ناحية الكم والكيف بعد الخصخصة في المشروعات كافة، إضافة إلى انخفاض نسب الأعطال والضغط على الخدمات وهو ما أدى إلى زيادة رفاهية المستهلك وليس العكس.
على الطريقة الكويتية
بعد مرور ما يقارب الثمانية عشر عاما على طرح فكرة أول قانون للخصخصة في الكويت اعتمد مجلس الأمة في الشهر الجاري مشروع قانون الخصخصة الذي صرح بتحويل مؤسسات مملوكة للدولة إلى شركات خاصة. وقد استثنى القانون من الخصخصة أنشطة النفط والغاز على اعتبار أنها أهم ثروات البلاد الطبيعية والمصدر الرئيسي للدخل القومي، واستثنى أيضا قطاعي التعليم والصحة إلا بقانون. ووفقا للقانون ستمتلك الحكومة حصة لا تزيد على 20 في المئة في الشركات التي يتم خصخصتها، وسيتم بيع 40 في المئة من أسهمها في اكتتاب عام للمواطنين بينما يباع 35 في المئة على الأقل من الأسهم في مزاد علني متاح للشركات المساهمة المحلية المدرجة في سوق الأوراق المالية وشركات أخرى يقرها المجلس الأعلى للتخصيص الذي نص القانون ذاته على إنشائه.
وبينما يتفق معظم الاقتصاديين على أهمية إقرار مثل هذا القانون بما يتضمنه من مبادئ أساسية أهمها تشجيع المنافسة المتكافئة لضمان تحسين جودة المنتج أو الخدمة وعرض المنتجات بأسعار مقبولة والحفاظ على دور الدولة الرقابي والتوجيهي وضمان حقوق العاملين في المشاريع التي ستشملها الخصخصة، ويعتبرونه خطوة مهمة على طريق الإصلاح المالي والاقتصادي للدولة، يرى آخرون في القانون مجافاة للعدالة الاجتماعية، وتقليصا لقدرة الدولة على خلق الوظائف العامة (غير المنتجة) بل وسببا لتفشي البطالة السافرة، بل ذهب البعض أبعد من ذلك إذ وصف القانون بأنه يمثل نهاية حلم دولة الرفاه وبيعا للبلاد إلى مستثمرين لا يهمهم سوى مصالحهم الخاصة. وللأمانة فان القانون الذي أقر يحتوي على العديد من أوجه القصور، سأشير إلى بعضها فقط لأن عددا من المختصين سبق وأن تناولوا جزءا لا بأس به من عيوب القانون، ومن ثم فان ما يأتي لا يشكل سوى ملاحظات تضاف إلى كم آخر من الملاحظات على القانون:
1 - تقييد المشاركة في المزاد العلني
نص القانون على بيع 35 في المئة على الأقل من أسهم الشركة المخصصة في مزاد علني تشارك فيه الشركات المساهمة العامة المحلية المدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية إضافة إلى شركات أخرى يقرها المجلس الأعلى للتخصيص. والنص على أولوية الشركات المساهمة المدرجة يغفل حقيقة مهمة وهي أن عددا كبيرا من الشركات المدرجة في السوق هي شركات تعمل في مجال الاستثمار المالي أو العقاري، أي ليست لها علاقة وثيقة ومباشرة بأنشطة القطاعات المرشحة للخصخصة في الكويت، أما الشركات المدرجة الأخرى ذات النشاط المرتبط بشكل أو بآخر بالمشروعات المرشحة للخصخصة، فعددها محدود، كما أن بعضا منها قد لا يرغب في تحمل مخاطرة امتلاك حصة في مشروع عام ذي أعباء وتكاليف اجتماعية عالية قد تقلل من فرص ربحيته. وكان الأفضل لو ترك المشرع باب المشاركة في هذه الحصة مفتوحا على مصراعيه ما دامت هناك ضوابط ولوائح تنظم هذه المشاركة. ولا يجب أن ننسى أهمية مشاركة المستثمر الأجنبي في إدارة وتشغيل بعض المشروعات وذلك بغرض الاستفادة من المعرفة والتقنية التي يمتلكها.
2 - أسلوب واحد للخصخصة
اعتمد القانون أسلوبا محددا أو وحيدا من بين الأساليب المتعددة للخصخصة ليطبق على كافة المشروعات المرشحة بينما كان ينبغي أن يتسم القانون بالمرونة في هذا الجانب إذ ان اختيار الطريقة الملائمة للخصخصة مرتبط إلى درجة كبيرة بالهدف الرئيسي من الخصخصة، وطبيعة وخصائص المشروع المرشح للخصخصة، ودرجة تأهل هذا المشروع أي المدى الذي قطعه في التحول إلى مشروع تجاري. ومن بين الأساليب المعنية على سبيل المثال لا الحصر هناك أسلوب الخصخصة من خلال نقل الإدارة، حيث تكلف الدولة مستثمرا خاصا بإدارة المشروع العام، أو الخصخصة من خلال تجزئة المشروعات العامة إلى قطاعات تحتفظ الدولة ببعضها بينما تنقل بعضها الآخر إلى القطاع الخاص أو الخصخصة من خلال أنظمة المشاركة بين القطاعين.
3 - الحاجة إلى سوق مالية نشطة
لم يراع القانون، وهو يقصر المشاركة في حصة الـ 35 في المئة من الأسهم على الشركات المساهمة المدرجة في البورصة المحلية بشكل أساسي، أن السوق المالية المحلية بحاجة الى عدد من الشروط اللازم توافرها قبل أن تكون قادرة على استيعاب حصص كبيرة من المشروعات العامة. فالسوق المالية التي تشكل واحدة من أهم دعائم الخصخصة، لا تستطيع القيام بمثل هذا الدور على الوجه الأكمل دون تطوير أدواتها وتعميق قاعدتها ودعم وتعزيز أوضاع شركاتها وتوفير قدر أعلى من السيولة النقدية من خلال تعزيز دور صانعي السوق ودعم حركة تداول نشطة. ومن غير ذلك، تفقد الخصخصة أحد عوامل نجاحها الأساسية، فالمؤسسات المالية والتمويلية وسوق رأس المال يشكلان أهم مقومات هذا النجاح.
4 - كثرة التعديلات
منذ أن تمت الموافقة على مشروع قانون الخصخصة في مداولته الأولى وحتى انتهاء التصويت على القانون في المداولة الثانية في 12 مايو 2010 تعرض هذا المشروع إلى كم من التعديلات لم يتعرض له أي قانون آخر على امتداد الحياة البرلمانية الكويتية، وقد زاد عدد هذه التعديلات عن سبعين تعديلا، ولنا أن نتصور كم تبقى من روح القانون أو أهدافه ومراميه بعد الأخذ بمثل هذه التعديلات سواء المجدي منها أو قليل الجدوى.
5 - الضوابط الشرعية
من بين التعديلات التي أدخلت على القانون والتي لا تخلو من الطرافة، التعديل الذي أضيف في الدقيقة الأخيرة من المداولة الثانية والذي تضمن قيام الشركات التي تؤول إليها مشروعات عامة بموجب هذا القانون بتطبيق الضوابط الشرعية. وهذا نص غريب في دولة ينص دستورها أصلا على أن دين الدولة هو الإسلام، وهو يبدو وكأن هناك من يشكك في هذه الحقيقة، أومن يتهم الآخرين بالخروج عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهذه بدعة لم نعتد عليها من قبل في مجتمع مسلم ومحافظ مثل المجتمع الكويتي.
6 - إعانات اجتماعية
ألزم القانون الشركة الخاصة التي تؤول إليها موجودات المؤسسة العامة بالاحتفاظ بالموظفين والعاملين الكويتيين الذين يرغبون في العمل في الشركة، وألزم الشركة بضمان ألا يقل عقد الموظف معها عن خمس سنوات اعتبارا من تاريخ التخصيص، ما لم يرغب في مدة اقل، ويحصل خلال هذه المدة على المرتب نفسه والمزايا المالية والعينية التي كان يحصل عليها في المؤسسة العامة، كما ألزمها بعدم المساس بالمرتب والمزايا المالية والعينية التي يحصل عليها إذا ما رغبت الشركة في استخدامه بعد انقضاء السنوات الخمس المذكورة، كما حظر أي اتفاق بديل بين العامل والشركة التي آل إليها المشروع العام ما لم يقدم هذا الاتفاق للعامل مزايا اكبر. إن مثل هذه الإلزام لم يلتفت إلى حقيقة أن 95 في المئة من العاملين في المؤسسات العامة المراد تخصيصها هم من الكويتيين الذين يحصلون على مرتبات تزيد في المتوسط على ما يحصل عليه موظف القطاع الخاص، وأن الجزء الأكبر من هذه المرتبات يصرف لهم كنوع من الإعانة الاجتماعية أو كنوع من أنواع إعادة توزيع الثروة النفطية وليس مقابل ما يساهمون به في العملية الإنتاجية، خصوصاً ان إنتاجية العاملين من غير الكويتيين الذين يحصلون على أجور أقل هي في حقيقة الأمر أعلى من إنتاجية زملائهم الكويتيين. وهذا يعني أن على الشركات الخاصة التي تؤول إليها المشروعات العامة المراد خصخصتها أن تتحمل الإعانات الاجتماعية للكويتيين بدلا من الدولة. وهذا أمر أقل ما يمكن أن يوصف به هو أنه مخالف لمفهوم العدالة.
7 - المال العام
ألزم القانون الدولة بتوفير وظائف مناسبة للعاملين الكويتيين الذين لا يرغبون في الانتقال من القطاع الحكومي إلى الشركة عند تأسيسها، والسؤال الذي يستوجبه نص كهذا هو ما جدوى الخصخصة، ما دامت الدولة ستستمر في توظيف غير الراغبين بالعمل في وزاراتها ومؤسساتها الحكومية، خصوصاً أن هؤلاء سيكونون الأقل كفاءة من بين مجموع العاملين من الكويتيين في المشروع العام المراد خصخصته، وقد لا يتفاعلون مع برامج التدريب والتأهيل الحكومية، مما يؤدي إلى استمرار هدر المال العام على برامج تدريب غير مثمرة.
8 - أجور عالية وإنتاجية متدنية
نص القانون على ألا يقل الحد الأدنى للعمالة الكويتية بالنسبة إلى مجموع العاملين بالشركة التي يؤول إليها المشروع العام، وكذلك الحد الأدنى لمجموع نسب أجور هذه العمالة من إجمالي الأجور بالشركة عن النسب التي كانت في المشروع العام قبل تخصيصه، وعن النسبة المقررة وفقا لأحكام ذلك القانون رقم 19 لسنة 2000 والقرارات الصادرة تنفيذا له. إذا نظرنا بتمعن لهذا النص وتذكرنا أن نسبة العاملين من الكويتيين في المشروعات العامة المراد خصخصتها تزيد على 95 في المئة، فهل من المعقول أن يقبل مستثمر عاقل بأن يرهن مصير شركته واستثماراته لعاملين يتقاضون أجورا عالية ولكنهم لا ينتجون سوى القليل؟
هذا قليل من كثير مما يمكن أن يقال في حق قانون الخصخصة الذي طال انتظاره، ولكنه أتى أخيرا أدنى من سقف طموحات الكويتيين، وبدلا من أن يهدف إلى تشجيع القطاع الخاص على تحمل مسؤولية نقل الاقتصاد الكويتي إلى مستوى أفضل من الأداء والإنتاجية، بدا هادفا إلى نقل أمراض القطاع العام التي أثقلت كاهله إلى القطاع الخاص.
* رجل أعمال وخبير اقتصادي
الخصخصة أو التخصيص أو الخوصصة أو الاستخصاص مصطلحات تعبر عن عملية تحويل أنشطة اقتصادية من القطاع العام إلى القطاع الخاص عن طريق الإيجار أو المشاركة أو البيع المباشر أو من خلال آليات السوق المالية أو عن طريق التعاقد لإدارة النشاط من قبل شركة خاصة متخصصة. ولا يختلف المتخصصون في مجال السياسات الاقتصادية اليوم في أن ملكية الأفراد والمؤسسات والشركات الخاصة للأنشطة ذات الطابع الاقتصادي هي الأصل، أي أن إنشاء وتشغيل وإدارة أنشطة إنتاج وتسويق السلع والخدمات ليس من بين المهام الأساسية للحكومات، إلا في حالات استثنائية تقتضيها معطيات اجتماعية أو اقتصادية خاصة أو تتطلبها طبيعة وخصوصية بعض السلع والخدمات.
ولم يكن للدولة دور رئيسي في ملكية مؤسسات النشاط الاقتصادي عبر التاريخ البشري قبل أن تحل مشكلة الكساد الكبير في العام 1929 والتي أدت إلى ظهور انتقادات لمبادئ الفكر الرأسمالي للمدرسة الاقتصادية الكلاسيكية التي كانت ترى أن التدخل الحكومي في دورة النشاط الاقتصادي يحدث خللا في آليات هذه الدورة ويتسبب في تشوهات الأسعار، وأن التوازن والاستقرار الاقتصادي يتحققان من خلال «اليد الخفية» التي بنيت فكرتها على أساس أن حرية الأسواق كفيلة بتحقيق التوازن، فلو كان لكل مستهلك الحرية في اختيار السلع التي يرغب في شرائها، ولكل منتِج الحرية في إنتاج وبيع ما يشاء، فسيصل المجتمع في نهاية المطاف إلى توفير السلع المطلوبة بالنوعية المرغوبة وبالأسعار المناسبة للجميع.
لقد هزت أزمة الكساد الكبير التي انطلقت من الولايات المتحدة مع انهيار سوق الأسهم الأميركية في يوم «الثلاثاء الأسود» الموافق 29 أكتوبر 1929، أسس النظرية الكلاسيكية، بعد أن امتدت آثارها المدمرة إلى جميع الدول الغنية والفقيرة، وأدت إلى توقف عجلة النشاط الاقتصادي العالمي والى تدهور مريع في حجم الدخل القومي للدول، وحجم التجارة العالمية ومستويات الأسعار والإيرادات.
تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي
وفي عام 1936 أرجع جون كينز أسباب الأزمة إلى النظام الحر الذي كان يرفض تدخل الدولة في دورة النشاط الاقتصادي لتصحيح أي خلل قد يطرأ على هذه الدورة. ومن ثم دعا إلى دور فعال للدولة من خلال سياستها المالية أي المزيد من الإنفاق في حالة الركود والمزيد من الضرائب في حالة التضخم.
وقد أغفل كثيرون عوامل أخرى قد تكون أدت إلى الأزمة ومنها استغناء أوروبا عن البضائع الأميركية التي اعتمدت عليها أثناء الحرب العالمية الأولى بعد توقف مصانعها بسبب الحرب، وكذلك انتشار الآلات في عملية الإنتاج التي أدت إلى تزايد البطالة وانخفاض الدخل.
لقد دفعت تلك الأزمة أعرق الدول الرأسمالية إلى التحول من النظام الحر إلى النظام الموجه، وسرعان ما اتجهت تلك الدول ليس فقط إلى تطبيق الحل الذي طرحه كينز فحسب وإنما إلى ما طرحه كارل ماركس قبل ذلك فأقدمت على تأميم صناعات الطاقة (الفحم) وصناعات السكك الحديد وصناعات الصلب وقطارات المترو ومحطات توليد الكهرباء وشبكات الاتصالات والنقل البري وغير ذلك، فكان أن تحولت مملكة بعراقة بريطانيا إلى دولة شبه اشتراكية بعد الحرب العالمية الثانية.
فشل الدور الاقتصادي للحكومات
واحتاج العالم الرأسمالي إلى نحو أربعين سنة قبل أن يدرك أن هذا التحول من النظام الحر إلى النظام الموجه قد كلفه الكثير، حيث تدهورت حال معظم الصناعات التي امتلكتها الدولة وباتت نماذج للفشل. وعندها اكتشفت تلك الدول أن تضخم القطاع العام قد أدى إلى ضعف الرقابة على مكوناته والى تفشي الفساد في مختلف جوانبه والى عجزه عن الاستجابة للطلب، فكان أن أصبح تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي سببا من أسباب عدم الاستقرار.
وإزاء هذه التداعيات السلبية المترتبة على انخفاض كفاءة القطاع العام، قررت بريطانيا أن تقود من جديد قاطرة التحول إلى النظام الحر فبدأت مع مطلع الثمانينات بتحرير الصناعات المؤممة وإعادتها إلى القطاع الخاص، وهي العملية التي أطلق عليها تعبير الخصخصة. وتهدف عملية الخصخصة إلى تشغيل وإدارة المشروعات التي كانت تهيمن عليها الحكومات بما يتوافق مع مبادئ التشغيل في القطاع الخاص، أي أن تكون الربحية والعائد أو الإنتاجية هي أساس تقييم الأداء، وتطوير عملية الإنتاج لضمان جودة المنتج وتفوقه في السوق التنافسية.
وقد أدى نجاح برنامج الخصخصة البريطاني إلى انتشار ظاهرة الخصخصة في أكثر من نحو 100 دولة من دول العالم. وخلافا لما كان يعتقد من أثر الخصخصة على رفاه المستهلك نتيجة لارتفاع أسعار الخدمات أو السلع التي تنتجها المشروعات التي تخصص أثبتت دراسات البنك الدولي التي أجريت على مشروعات تم تخصيصها في كل من تشيلي، وماليزيا، والمكسيك، وبريطانيا، أن الأسعار لم تتغير في نصف الحالات بينما تم تعديل هذه الأسعار جزئيا في النصف الآخر لتعكس الندرة النسبية للموارد، كما أكدت الدراسات تحسن كفاءة المنتج من ناحية الكم والكيف بعد الخصخصة في المشروعات كافة، إضافة إلى انخفاض نسب الأعطال والضغط على الخدمات وهو ما أدى إلى زيادة رفاهية المستهلك وليس العكس.
على الطريقة الكويتية
بعد مرور ما يقارب الثمانية عشر عاما على طرح فكرة أول قانون للخصخصة في الكويت اعتمد مجلس الأمة في الشهر الجاري مشروع قانون الخصخصة الذي صرح بتحويل مؤسسات مملوكة للدولة إلى شركات خاصة. وقد استثنى القانون من الخصخصة أنشطة النفط والغاز على اعتبار أنها أهم ثروات البلاد الطبيعية والمصدر الرئيسي للدخل القومي، واستثنى أيضا قطاعي التعليم والصحة إلا بقانون. ووفقا للقانون ستمتلك الحكومة حصة لا تزيد على 20 في المئة في الشركات التي يتم خصخصتها، وسيتم بيع 40 في المئة من أسهمها في اكتتاب عام للمواطنين بينما يباع 35 في المئة على الأقل من الأسهم في مزاد علني متاح للشركات المساهمة المحلية المدرجة في سوق الأوراق المالية وشركات أخرى يقرها المجلس الأعلى للتخصيص الذي نص القانون ذاته على إنشائه.
وبينما يتفق معظم الاقتصاديين على أهمية إقرار مثل هذا القانون بما يتضمنه من مبادئ أساسية أهمها تشجيع المنافسة المتكافئة لضمان تحسين جودة المنتج أو الخدمة وعرض المنتجات بأسعار مقبولة والحفاظ على دور الدولة الرقابي والتوجيهي وضمان حقوق العاملين في المشاريع التي ستشملها الخصخصة، ويعتبرونه خطوة مهمة على طريق الإصلاح المالي والاقتصادي للدولة، يرى آخرون في القانون مجافاة للعدالة الاجتماعية، وتقليصا لقدرة الدولة على خلق الوظائف العامة (غير المنتجة) بل وسببا لتفشي البطالة السافرة، بل ذهب البعض أبعد من ذلك إذ وصف القانون بأنه يمثل نهاية حلم دولة الرفاه وبيعا للبلاد إلى مستثمرين لا يهمهم سوى مصالحهم الخاصة. وللأمانة فان القانون الذي أقر يحتوي على العديد من أوجه القصور، سأشير إلى بعضها فقط لأن عددا من المختصين سبق وأن تناولوا جزءا لا بأس به من عيوب القانون، ومن ثم فان ما يأتي لا يشكل سوى ملاحظات تضاف إلى كم آخر من الملاحظات على القانون:
1 - تقييد المشاركة في المزاد العلني
نص القانون على بيع 35 في المئة على الأقل من أسهم الشركة المخصصة في مزاد علني تشارك فيه الشركات المساهمة العامة المحلية المدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية إضافة إلى شركات أخرى يقرها المجلس الأعلى للتخصيص. والنص على أولوية الشركات المساهمة المدرجة يغفل حقيقة مهمة وهي أن عددا كبيرا من الشركات المدرجة في السوق هي شركات تعمل في مجال الاستثمار المالي أو العقاري، أي ليست لها علاقة وثيقة ومباشرة بأنشطة القطاعات المرشحة للخصخصة في الكويت، أما الشركات المدرجة الأخرى ذات النشاط المرتبط بشكل أو بآخر بالمشروعات المرشحة للخصخصة، فعددها محدود، كما أن بعضا منها قد لا يرغب في تحمل مخاطرة امتلاك حصة في مشروع عام ذي أعباء وتكاليف اجتماعية عالية قد تقلل من فرص ربحيته. وكان الأفضل لو ترك المشرع باب المشاركة في هذه الحصة مفتوحا على مصراعيه ما دامت هناك ضوابط ولوائح تنظم هذه المشاركة. ولا يجب أن ننسى أهمية مشاركة المستثمر الأجنبي في إدارة وتشغيل بعض المشروعات وذلك بغرض الاستفادة من المعرفة والتقنية التي يمتلكها.
2 - أسلوب واحد للخصخصة
اعتمد القانون أسلوبا محددا أو وحيدا من بين الأساليب المتعددة للخصخصة ليطبق على كافة المشروعات المرشحة بينما كان ينبغي أن يتسم القانون بالمرونة في هذا الجانب إذ ان اختيار الطريقة الملائمة للخصخصة مرتبط إلى درجة كبيرة بالهدف الرئيسي من الخصخصة، وطبيعة وخصائص المشروع المرشح للخصخصة، ودرجة تأهل هذا المشروع أي المدى الذي قطعه في التحول إلى مشروع تجاري. ومن بين الأساليب المعنية على سبيل المثال لا الحصر هناك أسلوب الخصخصة من خلال نقل الإدارة، حيث تكلف الدولة مستثمرا خاصا بإدارة المشروع العام، أو الخصخصة من خلال تجزئة المشروعات العامة إلى قطاعات تحتفظ الدولة ببعضها بينما تنقل بعضها الآخر إلى القطاع الخاص أو الخصخصة من خلال أنظمة المشاركة بين القطاعين.
3 - الحاجة إلى سوق مالية نشطة
لم يراع القانون، وهو يقصر المشاركة في حصة الـ 35 في المئة من الأسهم على الشركات المساهمة المدرجة في البورصة المحلية بشكل أساسي، أن السوق المالية المحلية بحاجة الى عدد من الشروط اللازم توافرها قبل أن تكون قادرة على استيعاب حصص كبيرة من المشروعات العامة. فالسوق المالية التي تشكل واحدة من أهم دعائم الخصخصة، لا تستطيع القيام بمثل هذا الدور على الوجه الأكمل دون تطوير أدواتها وتعميق قاعدتها ودعم وتعزيز أوضاع شركاتها وتوفير قدر أعلى من السيولة النقدية من خلال تعزيز دور صانعي السوق ودعم حركة تداول نشطة. ومن غير ذلك، تفقد الخصخصة أحد عوامل نجاحها الأساسية، فالمؤسسات المالية والتمويلية وسوق رأس المال يشكلان أهم مقومات هذا النجاح.
4 - كثرة التعديلات
منذ أن تمت الموافقة على مشروع قانون الخصخصة في مداولته الأولى وحتى انتهاء التصويت على القانون في المداولة الثانية في 12 مايو 2010 تعرض هذا المشروع إلى كم من التعديلات لم يتعرض له أي قانون آخر على امتداد الحياة البرلمانية الكويتية، وقد زاد عدد هذه التعديلات عن سبعين تعديلا، ولنا أن نتصور كم تبقى من روح القانون أو أهدافه ومراميه بعد الأخذ بمثل هذه التعديلات سواء المجدي منها أو قليل الجدوى.
5 - الضوابط الشرعية
من بين التعديلات التي أدخلت على القانون والتي لا تخلو من الطرافة، التعديل الذي أضيف في الدقيقة الأخيرة من المداولة الثانية والذي تضمن قيام الشركات التي تؤول إليها مشروعات عامة بموجب هذا القانون بتطبيق الضوابط الشرعية. وهذا نص غريب في دولة ينص دستورها أصلا على أن دين الدولة هو الإسلام، وهو يبدو وكأن هناك من يشكك في هذه الحقيقة، أومن يتهم الآخرين بالخروج عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وهذه بدعة لم نعتد عليها من قبل في مجتمع مسلم ومحافظ مثل المجتمع الكويتي.
6 - إعانات اجتماعية
ألزم القانون الشركة الخاصة التي تؤول إليها موجودات المؤسسة العامة بالاحتفاظ بالموظفين والعاملين الكويتيين الذين يرغبون في العمل في الشركة، وألزم الشركة بضمان ألا يقل عقد الموظف معها عن خمس سنوات اعتبارا من تاريخ التخصيص، ما لم يرغب في مدة اقل، ويحصل خلال هذه المدة على المرتب نفسه والمزايا المالية والعينية التي كان يحصل عليها في المؤسسة العامة، كما ألزمها بعدم المساس بالمرتب والمزايا المالية والعينية التي يحصل عليها إذا ما رغبت الشركة في استخدامه بعد انقضاء السنوات الخمس المذكورة، كما حظر أي اتفاق بديل بين العامل والشركة التي آل إليها المشروع العام ما لم يقدم هذا الاتفاق للعامل مزايا اكبر. إن مثل هذه الإلزام لم يلتفت إلى حقيقة أن 95 في المئة من العاملين في المؤسسات العامة المراد تخصيصها هم من الكويتيين الذين يحصلون على مرتبات تزيد في المتوسط على ما يحصل عليه موظف القطاع الخاص، وأن الجزء الأكبر من هذه المرتبات يصرف لهم كنوع من الإعانة الاجتماعية أو كنوع من أنواع إعادة توزيع الثروة النفطية وليس مقابل ما يساهمون به في العملية الإنتاجية، خصوصاً ان إنتاجية العاملين من غير الكويتيين الذين يحصلون على أجور أقل هي في حقيقة الأمر أعلى من إنتاجية زملائهم الكويتيين. وهذا يعني أن على الشركات الخاصة التي تؤول إليها المشروعات العامة المراد خصخصتها أن تتحمل الإعانات الاجتماعية للكويتيين بدلا من الدولة. وهذا أمر أقل ما يمكن أن يوصف به هو أنه مخالف لمفهوم العدالة.
7 - المال العام
ألزم القانون الدولة بتوفير وظائف مناسبة للعاملين الكويتيين الذين لا يرغبون في الانتقال من القطاع الحكومي إلى الشركة عند تأسيسها، والسؤال الذي يستوجبه نص كهذا هو ما جدوى الخصخصة، ما دامت الدولة ستستمر في توظيف غير الراغبين بالعمل في وزاراتها ومؤسساتها الحكومية، خصوصاً أن هؤلاء سيكونون الأقل كفاءة من بين مجموع العاملين من الكويتيين في المشروع العام المراد خصخصته، وقد لا يتفاعلون مع برامج التدريب والتأهيل الحكومية، مما يؤدي إلى استمرار هدر المال العام على برامج تدريب غير مثمرة.
8 - أجور عالية وإنتاجية متدنية
نص القانون على ألا يقل الحد الأدنى للعمالة الكويتية بالنسبة إلى مجموع العاملين بالشركة التي يؤول إليها المشروع العام، وكذلك الحد الأدنى لمجموع نسب أجور هذه العمالة من إجمالي الأجور بالشركة عن النسب التي كانت في المشروع العام قبل تخصيصه، وعن النسبة المقررة وفقا لأحكام ذلك القانون رقم 19 لسنة 2000 والقرارات الصادرة تنفيذا له. إذا نظرنا بتمعن لهذا النص وتذكرنا أن نسبة العاملين من الكويتيين في المشروعات العامة المراد خصخصتها تزيد على 95 في المئة، فهل من المعقول أن يقبل مستثمر عاقل بأن يرهن مصير شركته واستثماراته لعاملين يتقاضون أجورا عالية ولكنهم لا ينتجون سوى القليل؟
هذا قليل من كثير مما يمكن أن يقال في حق قانون الخصخصة الذي طال انتظاره، ولكنه أتى أخيرا أدنى من سقف طموحات الكويتيين، وبدلا من أن يهدف إلى تشجيع القطاع الخاص على تحمل مسؤولية نقل الاقتصاد الكويتي إلى مستوى أفضل من الأداء والإنتاجية، بدا هادفا إلى نقل أمراض القطاع العام التي أثقلت كاهله إلى القطاع الخاص.
* رجل أعمال وخبير اقتصادي