عضو البرلمان العراقي اعتبر أن الروابط الاقتصادية مفتاح القضاء على «المنغصات التاريخية»
ديكان لـ «الراي»: العلاقات «الكويتية - العراقية» أبدية ... ودفعنا ثمن جريمة صدام بحق الكويت
حسن ديكان
|القاهرة - من علي الطواب|
وصف عضو البرلمان العراقي حسن ديكان العلاقات «الكويتية - العراقية» بأنها أبدية، موضحاً أنه لا يمكن للبلدين تغيير حدودهما، مطالبا بألا تكون هذه العلاقات خجولة. وقال ديكان في حواره مع «الراي»: العراقيون دفعوا ثمن غزو صدام البشع للكويت لكن النظام لم يدفع الثمن، مطالبا بتطبيع كامل للعلاقات «العراقية - الكويتية» لتصبح علاقات قوية. واعتبر أن تعزيز العلاقات الاقتصادية ومشروعات الاستثمار المشتركة من شأنه القضاء على أي منغصات شابت العلاقات بين البلدين في فترات سابقة.
وقال ديكان: على عكس الشائع، وما تبدو عليه عناصر الصراع في العراق من ميل للاستقرار، فإن الأمور لا تزال تنطوي على كثير من بؤر العنف المتراكمة نتيجة عدم انجاز الأهداف السياسية للأطراف المتصارعة، مؤكداً أن تعريب حل الأزمات العربية هو المخرج الوحيد لأزمة العراق، ومواجهة تدخلات أطراف غير عربية في شؤونه. وإلى نص الحوار...
• كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات بين العراق والكويت، خاصة أن هناك قضايا عالقة مثل الحدود والديون والتعويضات؟
- لا يمكننا بالطبع أن نقلل من بشاعة ما فعله غزو صدام بالكويت والكويتيين، ولكنه ليس ذنباً عراقياً شعبياً، ونحن نستنكره بالكامل، ونتمنى أن يخفف الله عمن تضرر من جراء ذلك.
أما العراقيون فقد دفعوا ثمناً كبيراً وعوقب الشعب العراقي بالحصار، وتردي الأحوال الاقتصادية، والاعتقالات المستمرة، وقلة الخدمات، وذلك بعد عقوبات الأمم المتحدة التي نالت من العراقيين ولم تنل من النظام، ومن هنا نقول وبمحبة أنه لابد من العمل على عودة العلاقات قوية غير خجولة ليكون العراق سندا وشقيقا حقيقيا للكويت وأهل الكويت. أما الاستمرار بالمقاطعة المخفية بين العراق والكويت والتمسك بسياسة التعويضات، فهو أمر نخشى أن يتطور بشكل سلبي، ولذا علينا أن ننسى الماضي، ونبدأ عهداً جديداً يخدم مصالح الجارين العربيين، فلا يمكن للعراق أن يغير حدوده وجيرانه، ولا يمكن للكويت أن تفعل ذلك. ليس لنا إلا أن نتعاون بمحبة وأخوة، وبالتأكيد هناك الكثير من الأصوات الكويتية، ومسؤولين، وعلى المستوى الشعبي، تدعو لتفعيل العلاقات الأخوية مع العراقيين والعراق، ونسيان الماضي، فالقلب الأبيض هو الدائم الذي سيجني صاحبه كل الخير.
وأنا شخصياً أتمنى أن تكون علاقاتنا قوية جداً مع الكويت وألا يساء إليها، فالكويت بوابة مهمة للعراق على الخليج والعكس صحيح... العراق بوابة مهمة لاستثمار الكويتيين. ويمكن أن يكون الاستثمار الكويتي في العراق هو الصيغة الأجمل والأنفع من التعويضات، ولنفكر بانشاء سكة حديد متطورة مثلاً من البصرة إلى الكويت، أو إنشاء جسور عابرة من البصرة لموانئ الكويت، وتطوير حركة النقل البحري بين البلدين، وهناك أفكار لمشاريع مشتركة كثيرة ضخمة، وما أحوجنا للتعاون الاقتصادي المتفتح، وكما تفعل أوروبا وتقوي اقتصادها، وهو ما يجب أن يفعله الإخوة العرب والمسلمون والمتجاورون. والكويت كدولة وبحجمها السياسي والاقتصادي يمكن أن تلعب دوراً أفضل في تحسين علاقاتها مع جارتها العراق، كون الأحداث المأسوية التي نتجت من غزو الكويت من قبل النظام البعثي البائد لم تمثل شرائح الشعب العراقي وساسته الحاليين الذين عارض أغلبهم ذلك الغزو، لكن يبدو أن التهاب الجرح ممكن أن يضيّع فرصة لتأمين علاقات على مستوى جماهيري وشعبي كي يضمحل الجرح.
العلاقات بين البلدين ينبغي أن تكون جيدة وصحية، تعززها مبادئ القانون والشرعية الدولية والاحترام المتبادل، بما يضمن الحياة الإنسانية البعيدة عن الحروب، أو اللجوء إلى استخدام القوة لحل الخلافات، فمن خلال الضمانات الدولية الأساسية، وما تنطوي عليه من اعتراف واضح بحقوق كلا الشعبين الجارين الشقيقين، يمكن لروابط الإخاء والتعاون أن تتعزز وتترسخ من جديد بعد أن سادها الكثير من المنغصات، وتنتظر هذه العلاقات آفاقاً مشرقة من التعاون الحيوي والنشاط الأخوي لتجاوز أزمات الماضي، والسعي الجاد لبناء علاقات استراتيجية متوازنة تنظر لمصالح الشعبين الشقيقين ومستقبل حياتهما بعين العقل والتروي والضمير.
• كيف ترى المشهد العراقي الآن، وما التأثيرات السلبية نتيجة تأخير عملية تشكيل الحكومة العراقية؟
- قد تبدو عناصر الصراع في العراق من الناحية الظاهرية تميل إلى الاستقرار، غير أنها في حقيقة الأمر لا تزال تنطوي على كثير من بؤر العنف وعدم الاستقرار التي تستمد مولداتها من جوهر الصراع نفسه، المتمثلة في عدم إنجاز الأطراف المنخرطة في هذا الصراع لأهدافها السياسية النهائية.
فإخفاق الولايات المتحدة في مشروعها وعدم تمكن القوى الوطنية المقاومة للاحتلال من بلورة بديلها السياسي المكافئ حتى الآن، وتصاعد حدة التنافس الإقليمي لملء الفراغ، كل ذلك يؤكد بما لا يقبل الشك استمرارية الصراع الذي يمتد تأثيره خارج حدود العراق، ويتخذ أشكالاً وصيغاً أخرى تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
ويغري الوهن الراهن للعراق وضخامة ثرواته بعض الأطراف الأخرى للتدخل في شؤونه، ويشجعهم على ذلك عاملان، الأول: انحسار وتراجع الدور الأميركي في العراق، وثانياً: غياب دور عربي فاعل طيلة الأعوام السابقة.
فالوضع في العراق الآن مفتوح على جميع الاحتمالات، وشظايا النيران المشتعلة التي يكتوي بها الشعب العراقي اليوم لن تلبث أن تتجاوز حدوده عاجلاً أم آجلاً ما لم تتضافر جميع الجهود.
• الجامعة العربية كانت لديها محاولات في العام 2005، هل تعتقد أن الأطراف المشاركة في العملية السياسية وأطراف الحكومة الآن مستعدة لدور عربي في المرحلة المقبلة؟
- أعتقد أن الدور العربي بثقله مغيب عن الحالة العراقية، وهذا الغياب أثر على المشهد السياسي العراقي والاجتماعي برمته، وأثر حتى على البلدان العربية أنفسها، وبعض البلدان العربية لم تتعاط مع الواقع العراقي الجديد انطلاقاً من أسس سياسية، وفي بعضها كانت الأسباب طائفية. ولكن الواقع السياسي الجديد بملامحه التي تشكلت، بدأ يأخذ منحى ربما ترتضيه البلدان العربية، وظهور هذا المشهد السياسي السابق، ربما كل هذه الأسباب مجتمعة دفعت البلدان العربية اليوم للانفتاح على الواقع العراقي الجديد. فمن مسلمات الأمور أن يتولى العرب، تحت أي مظلة مؤسساتية عربية مستقلة، حل مشكلاتهم بأنفسهم من دون الارتهان للمشاريع الخارجية، ولو توصَّل العرب إلى هذا المستوى لخطوا الخطوة الأولى في الطريق الصحيح. فتعريب الأزمات العربية هي المسألة المطلوبة، التي من أجلها على الحركة العربية الثورية أن تناضل على هدي الشعار «لا يحك المشاكل العربية إلاَّ الظفر العربي».
ونتمنى من الأشقاء العرب أن يتخذوا موقفاً موحداً تجاه بعضهم بعضاً مثلما يفعل الاتحاد الأوروبي... فلماذا لا يوجد اتحاد عربي يجمع العرب على طاولة واحدة، ولماذا لا يستثمرون ثرواتهم الهائلة في اتخاذ مواقف قوية في مواجهة الأطماع الخارجية، فلو كان هناك اتحاد عربي قوي لما غزت أميركا العراق.
• برأيك هل هناك فرصة لدور عربي محوري في العراق في ظل متغيرات محلية وإقليمية ودولية عاصفة؟
- نعم في الإمكان تعظيم الدور العربي فيما لو تم الانتباه إلى الحقائق التالية... أولاً: أن يغادر العرب حالة الخوف والعجز والخجل ويبادروا إلى تحفيز ركائز الحركة الوطنية العراقية السياسية والعسكرية، وتوفير الظروف المناسبة لها كي تعقد لقاءاتها ومؤتمراتها علنياً كحركة تحرر وطني، الأمر الذي سيهيئ للعرب موطئ قدم قوياً داخل الساحة العراقية.
ثانياً: يشكل الملف الأمني ووجود جيش مهني المفتاح الرئيسي الذي يفتح الطريق أمام بقية الملفات المعلقة سياسياً واقتصادياً، فلدى العرب ورقة لن يستقيم العراق من دونها... تتمثل في قيادات وكبار ضباط الجيش العراقي الوطني المجربة، التي تحظى باحترام وقبول معظم قطاعات الشعب العراقي، وهي قادرة في وقت قياسي على تنقية القوات الحالية وبمهنية عالية، وتحويلها إلى صمام أمان للوحدة الوطنية فوق الميول السياسية والعرقية والطائفية. ثالثاً: من الضروري إعادة الحسابات وترتيبها والتعامل على أساس الحقائق وليس إفرازاتها أو النتائج، فالاحتلال الأميركي هُزم عسكرياً في العراق وطمر مشروعه السياسي من خلال إخفاق حكوماته المتعاقبة في التقدم خطوة واحدة على المسارات الأمنية، أو الخدمية، أو الاقتصادية. رابعاً: الشعب العراقي اليوم أكثر وضوحاً في تعبيره عن رفض مشروع الاحتلال وطبقته السياسية، ومن العبث عدم الانسجام مع تطلعات الشعب العراقي أو القوى التي تعبر عنها، وعلى العرب عند التعاطي مع الشأن العراقي التوقف عند خطوط حمراء غير قابلة للمساومة أو التصرف... في مقدمتها وحدة العراق والحفاظ على هويته العربية، لأن ذلك وحده كفيل بإعادة العراق إلى وظيفته التاريخية «الجيو-استراتيجية» والمتمثلة بالعمل سداً ومانعاً جغرافياً وديموغرافياً لصد الاندفاعات الإقليمية التوسعية بجميع أشكالها نحو العمق العربي. خامساً: في إمكان العرب استغلال المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الإيجابية المتمثلة بالفشل المتكرر وتخبط حكومات الاحتلال المتعاقبة، ورفض الشعب العراقي لها، وكذلك اشتعال الجبهة في أفغانستان ورغبة الإدارة الأميركية بتقليص خسائرها وتحقيق انسحابات تؤمن لها الحد الأدنى من ماء الوجه والمصالح في العراق.
• اللقاء المرتقب بين زعيمي ائتلاف دولة القانون نوري المالكي والقائمة العراقية إياد علاوي لتشكيل حكومة شراكة وطنية، هل تعولون عليه كثيرا كأطياف سياسية عراقية، وماذا تتوقعون منه، وما هو المأمول من هذا اللقاء؟
- ولمَِ لايلتقي الطرفان؟ فليس بينهما أي خصومة، فالمالكي له برنامجه السياسي وعلاوي كذلك، والاثنان لهما استحقاق دستوري، ولكن إذا كان اللقاء في مصلحة العراق فأهلاً بهما والشعب العراقي كله معهما مؤيدا ومناصراً، ولكن إذا كان التنافس لمصلحة شخصية فلا أهلاً ولا مرحباً. وإنني متأكد أن الطرفين على قدر المسؤولية أمام شعبهما وأعتقد أنهما سيتفقان، ونتمنى لهما التوفيق والنجاح في هذا اللقاء المنتظر والمطلوب، الذي يعتبره الشعب العراقي لقاءً عادلاً ومرغوباً لإعادة الاستقرار لهذا البلد الذبيح.
• الأزمة العراقية... هل أزمة بناء مجتمع أم أزمة بناء دولة؟
- الأزمة العراقية مركبة... تجمع بين الأزمات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والتعليمية، والأخلاقية والحضارية، هي أزمة دولة ومجتمع في آن واحد. وتبرز تجليات هذه الأزمات لا في كل مجال على انفراد فحسب، بل في فعل كل منها، وفي تشابك أفعالها وتداخل عواقبها، أو التأثير المتبادل في ما بينها. هنا يمكن أن أورد مثالاً واحداً على المجال التربوي والتثقيفي: حين نواجه في الساحة السياسية أحزاباً طائفية سياسية تعتمد المذهب كهوية وتمارس التمييز الطائفي السياسي، وحين تمارس هذه الصيغة في توزيع المناصب الوزارية، سنجد تجليات ذلك في داخل كل وزارة وفي العلاقة بين الوزارات، وكذلك بين جميع الوزارات والمراجعين المتتبعين لمعاملاتهم اليومية، وستخلق إشكالية اجتماعية وحكومية في آن واحد، وستنعكس على بقية مجالات الحياة. أو حين تكون المناهج الدراسية في المدارس الابتدائية محملة بفكر طائفي سياسي وقومي شوفيني، سينعكس ذلك بين الطلبة ويتفاقم لينعكس على العائلات وعلى المجتمع بأسره، ثم ينمو في داخل الدولة ويتفتت النسيج الوطني. ويخلق أزمة ثقة في ما بين الناس وبين الناس والحكومة... وهكذا.
أما الأزمة الاقتصادية القائمة في العراق فذات طبيعة بنيوية، وتتجلى في بنية الاقتصاد وتجليات ذلك في البنية الاجتماعية. ويخلق هذا الواقع المتخلف بطالة واسعة وبطالة مقنعة، وتبرز تجلياتها في مشكلات اجتماعية ونفسية وأخلاقية كبيرة.
• هل صحيح أن مواجهة الإرهاب تختزل في اعتقالات عشوائية، أو معارك استخباراتية؟
- المشكلة أنه عندما جاء الحاكم الأميركي بول بريمر إلى العراق قام بحل الأجهزة الاستخباراتية وأصبح العراق عبارة عن فوضى... لا استخبارات ولا أمن، ولكن الآن لدينا أجهزة استخباراتية إنما تنقصها الخبرة، وهناك ترهل كبير في عدد القوات الأمنية التي تمسك بالأرض يقابله نقص حاد في الاستخباراتي الذي هو في حقيقة الأمر شبه مفقود، ما انعكس سلباً على الواقع الأمني وأدى إلى مشكلة كبيرة. وكان من الأجدر بالحكومة العراقية أن تنشط الجانب الاستخباري وتؤسس لمنظومة تكون بمثابة الخط الأمامي لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، لأن النتائج التي ترتبت على إهمال الاستخبارات كانت كارثية ودفع ثمنها الأبرياء من أبناء شعبنا. ونحن كسلطة تشريعية وباعتباري عضوا بلجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي نسعى في كل اتجاه إلى إعداد تقرير مفصل يضمن جملة من القرارات التي تؤكد بناء منظومة استخبارية، تكون فاعلة لتقف بأسرع وقت ممكن بوجه الإرهاب بحزم وقوة وفي الوقت نفسه تحفظ دماء أبناء شعبنا.
وصف عضو البرلمان العراقي حسن ديكان العلاقات «الكويتية - العراقية» بأنها أبدية، موضحاً أنه لا يمكن للبلدين تغيير حدودهما، مطالبا بألا تكون هذه العلاقات خجولة. وقال ديكان في حواره مع «الراي»: العراقيون دفعوا ثمن غزو صدام البشع للكويت لكن النظام لم يدفع الثمن، مطالبا بتطبيع كامل للعلاقات «العراقية - الكويتية» لتصبح علاقات قوية. واعتبر أن تعزيز العلاقات الاقتصادية ومشروعات الاستثمار المشتركة من شأنه القضاء على أي منغصات شابت العلاقات بين البلدين في فترات سابقة.
وقال ديكان: على عكس الشائع، وما تبدو عليه عناصر الصراع في العراق من ميل للاستقرار، فإن الأمور لا تزال تنطوي على كثير من بؤر العنف المتراكمة نتيجة عدم انجاز الأهداف السياسية للأطراف المتصارعة، مؤكداً أن تعريب حل الأزمات العربية هو المخرج الوحيد لأزمة العراق، ومواجهة تدخلات أطراف غير عربية في شؤونه. وإلى نص الحوار...
• كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات بين العراق والكويت، خاصة أن هناك قضايا عالقة مثل الحدود والديون والتعويضات؟
- لا يمكننا بالطبع أن نقلل من بشاعة ما فعله غزو صدام بالكويت والكويتيين، ولكنه ليس ذنباً عراقياً شعبياً، ونحن نستنكره بالكامل، ونتمنى أن يخفف الله عمن تضرر من جراء ذلك.
أما العراقيون فقد دفعوا ثمناً كبيراً وعوقب الشعب العراقي بالحصار، وتردي الأحوال الاقتصادية، والاعتقالات المستمرة، وقلة الخدمات، وذلك بعد عقوبات الأمم المتحدة التي نالت من العراقيين ولم تنل من النظام، ومن هنا نقول وبمحبة أنه لابد من العمل على عودة العلاقات قوية غير خجولة ليكون العراق سندا وشقيقا حقيقيا للكويت وأهل الكويت. أما الاستمرار بالمقاطعة المخفية بين العراق والكويت والتمسك بسياسة التعويضات، فهو أمر نخشى أن يتطور بشكل سلبي، ولذا علينا أن ننسى الماضي، ونبدأ عهداً جديداً يخدم مصالح الجارين العربيين، فلا يمكن للعراق أن يغير حدوده وجيرانه، ولا يمكن للكويت أن تفعل ذلك. ليس لنا إلا أن نتعاون بمحبة وأخوة، وبالتأكيد هناك الكثير من الأصوات الكويتية، ومسؤولين، وعلى المستوى الشعبي، تدعو لتفعيل العلاقات الأخوية مع العراقيين والعراق، ونسيان الماضي، فالقلب الأبيض هو الدائم الذي سيجني صاحبه كل الخير.
وأنا شخصياً أتمنى أن تكون علاقاتنا قوية جداً مع الكويت وألا يساء إليها، فالكويت بوابة مهمة للعراق على الخليج والعكس صحيح... العراق بوابة مهمة لاستثمار الكويتيين. ويمكن أن يكون الاستثمار الكويتي في العراق هو الصيغة الأجمل والأنفع من التعويضات، ولنفكر بانشاء سكة حديد متطورة مثلاً من البصرة إلى الكويت، أو إنشاء جسور عابرة من البصرة لموانئ الكويت، وتطوير حركة النقل البحري بين البلدين، وهناك أفكار لمشاريع مشتركة كثيرة ضخمة، وما أحوجنا للتعاون الاقتصادي المتفتح، وكما تفعل أوروبا وتقوي اقتصادها، وهو ما يجب أن يفعله الإخوة العرب والمسلمون والمتجاورون. والكويت كدولة وبحجمها السياسي والاقتصادي يمكن أن تلعب دوراً أفضل في تحسين علاقاتها مع جارتها العراق، كون الأحداث المأسوية التي نتجت من غزو الكويت من قبل النظام البعثي البائد لم تمثل شرائح الشعب العراقي وساسته الحاليين الذين عارض أغلبهم ذلك الغزو، لكن يبدو أن التهاب الجرح ممكن أن يضيّع فرصة لتأمين علاقات على مستوى جماهيري وشعبي كي يضمحل الجرح.
العلاقات بين البلدين ينبغي أن تكون جيدة وصحية، تعززها مبادئ القانون والشرعية الدولية والاحترام المتبادل، بما يضمن الحياة الإنسانية البعيدة عن الحروب، أو اللجوء إلى استخدام القوة لحل الخلافات، فمن خلال الضمانات الدولية الأساسية، وما تنطوي عليه من اعتراف واضح بحقوق كلا الشعبين الجارين الشقيقين، يمكن لروابط الإخاء والتعاون أن تتعزز وتترسخ من جديد بعد أن سادها الكثير من المنغصات، وتنتظر هذه العلاقات آفاقاً مشرقة من التعاون الحيوي والنشاط الأخوي لتجاوز أزمات الماضي، والسعي الجاد لبناء علاقات استراتيجية متوازنة تنظر لمصالح الشعبين الشقيقين ومستقبل حياتهما بعين العقل والتروي والضمير.
• كيف ترى المشهد العراقي الآن، وما التأثيرات السلبية نتيجة تأخير عملية تشكيل الحكومة العراقية؟
- قد تبدو عناصر الصراع في العراق من الناحية الظاهرية تميل إلى الاستقرار، غير أنها في حقيقة الأمر لا تزال تنطوي على كثير من بؤر العنف وعدم الاستقرار التي تستمد مولداتها من جوهر الصراع نفسه، المتمثلة في عدم إنجاز الأطراف المنخرطة في هذا الصراع لأهدافها السياسية النهائية.
فإخفاق الولايات المتحدة في مشروعها وعدم تمكن القوى الوطنية المقاومة للاحتلال من بلورة بديلها السياسي المكافئ حتى الآن، وتصاعد حدة التنافس الإقليمي لملء الفراغ، كل ذلك يؤكد بما لا يقبل الشك استمرارية الصراع الذي يمتد تأثيره خارج حدود العراق، ويتخذ أشكالاً وصيغاً أخرى تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
ويغري الوهن الراهن للعراق وضخامة ثرواته بعض الأطراف الأخرى للتدخل في شؤونه، ويشجعهم على ذلك عاملان، الأول: انحسار وتراجع الدور الأميركي في العراق، وثانياً: غياب دور عربي فاعل طيلة الأعوام السابقة.
فالوضع في العراق الآن مفتوح على جميع الاحتمالات، وشظايا النيران المشتعلة التي يكتوي بها الشعب العراقي اليوم لن تلبث أن تتجاوز حدوده عاجلاً أم آجلاً ما لم تتضافر جميع الجهود.
• الجامعة العربية كانت لديها محاولات في العام 2005، هل تعتقد أن الأطراف المشاركة في العملية السياسية وأطراف الحكومة الآن مستعدة لدور عربي في المرحلة المقبلة؟
- أعتقد أن الدور العربي بثقله مغيب عن الحالة العراقية، وهذا الغياب أثر على المشهد السياسي العراقي والاجتماعي برمته، وأثر حتى على البلدان العربية أنفسها، وبعض البلدان العربية لم تتعاط مع الواقع العراقي الجديد انطلاقاً من أسس سياسية، وفي بعضها كانت الأسباب طائفية. ولكن الواقع السياسي الجديد بملامحه التي تشكلت، بدأ يأخذ منحى ربما ترتضيه البلدان العربية، وظهور هذا المشهد السياسي السابق، ربما كل هذه الأسباب مجتمعة دفعت البلدان العربية اليوم للانفتاح على الواقع العراقي الجديد. فمن مسلمات الأمور أن يتولى العرب، تحت أي مظلة مؤسساتية عربية مستقلة، حل مشكلاتهم بأنفسهم من دون الارتهان للمشاريع الخارجية، ولو توصَّل العرب إلى هذا المستوى لخطوا الخطوة الأولى في الطريق الصحيح. فتعريب الأزمات العربية هي المسألة المطلوبة، التي من أجلها على الحركة العربية الثورية أن تناضل على هدي الشعار «لا يحك المشاكل العربية إلاَّ الظفر العربي».
ونتمنى من الأشقاء العرب أن يتخذوا موقفاً موحداً تجاه بعضهم بعضاً مثلما يفعل الاتحاد الأوروبي... فلماذا لا يوجد اتحاد عربي يجمع العرب على طاولة واحدة، ولماذا لا يستثمرون ثرواتهم الهائلة في اتخاذ مواقف قوية في مواجهة الأطماع الخارجية، فلو كان هناك اتحاد عربي قوي لما غزت أميركا العراق.
• برأيك هل هناك فرصة لدور عربي محوري في العراق في ظل متغيرات محلية وإقليمية ودولية عاصفة؟
- نعم في الإمكان تعظيم الدور العربي فيما لو تم الانتباه إلى الحقائق التالية... أولاً: أن يغادر العرب حالة الخوف والعجز والخجل ويبادروا إلى تحفيز ركائز الحركة الوطنية العراقية السياسية والعسكرية، وتوفير الظروف المناسبة لها كي تعقد لقاءاتها ومؤتمراتها علنياً كحركة تحرر وطني، الأمر الذي سيهيئ للعرب موطئ قدم قوياً داخل الساحة العراقية.
ثانياً: يشكل الملف الأمني ووجود جيش مهني المفتاح الرئيسي الذي يفتح الطريق أمام بقية الملفات المعلقة سياسياً واقتصادياً، فلدى العرب ورقة لن يستقيم العراق من دونها... تتمثل في قيادات وكبار ضباط الجيش العراقي الوطني المجربة، التي تحظى باحترام وقبول معظم قطاعات الشعب العراقي، وهي قادرة في وقت قياسي على تنقية القوات الحالية وبمهنية عالية، وتحويلها إلى صمام أمان للوحدة الوطنية فوق الميول السياسية والعرقية والطائفية. ثالثاً: من الضروري إعادة الحسابات وترتيبها والتعامل على أساس الحقائق وليس إفرازاتها أو النتائج، فالاحتلال الأميركي هُزم عسكرياً في العراق وطمر مشروعه السياسي من خلال إخفاق حكوماته المتعاقبة في التقدم خطوة واحدة على المسارات الأمنية، أو الخدمية، أو الاقتصادية. رابعاً: الشعب العراقي اليوم أكثر وضوحاً في تعبيره عن رفض مشروع الاحتلال وطبقته السياسية، ومن العبث عدم الانسجام مع تطلعات الشعب العراقي أو القوى التي تعبر عنها، وعلى العرب عند التعاطي مع الشأن العراقي التوقف عند خطوط حمراء غير قابلة للمساومة أو التصرف... في مقدمتها وحدة العراق والحفاظ على هويته العربية، لأن ذلك وحده كفيل بإعادة العراق إلى وظيفته التاريخية «الجيو-استراتيجية» والمتمثلة بالعمل سداً ومانعاً جغرافياً وديموغرافياً لصد الاندفاعات الإقليمية التوسعية بجميع أشكالها نحو العمق العربي. خامساً: في إمكان العرب استغلال المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية الإيجابية المتمثلة بالفشل المتكرر وتخبط حكومات الاحتلال المتعاقبة، ورفض الشعب العراقي لها، وكذلك اشتعال الجبهة في أفغانستان ورغبة الإدارة الأميركية بتقليص خسائرها وتحقيق انسحابات تؤمن لها الحد الأدنى من ماء الوجه والمصالح في العراق.
• اللقاء المرتقب بين زعيمي ائتلاف دولة القانون نوري المالكي والقائمة العراقية إياد علاوي لتشكيل حكومة شراكة وطنية، هل تعولون عليه كثيرا كأطياف سياسية عراقية، وماذا تتوقعون منه، وما هو المأمول من هذا اللقاء؟
- ولمَِ لايلتقي الطرفان؟ فليس بينهما أي خصومة، فالمالكي له برنامجه السياسي وعلاوي كذلك، والاثنان لهما استحقاق دستوري، ولكن إذا كان اللقاء في مصلحة العراق فأهلاً بهما والشعب العراقي كله معهما مؤيدا ومناصراً، ولكن إذا كان التنافس لمصلحة شخصية فلا أهلاً ولا مرحباً. وإنني متأكد أن الطرفين على قدر المسؤولية أمام شعبهما وأعتقد أنهما سيتفقان، ونتمنى لهما التوفيق والنجاح في هذا اللقاء المنتظر والمطلوب، الذي يعتبره الشعب العراقي لقاءً عادلاً ومرغوباً لإعادة الاستقرار لهذا البلد الذبيح.
• الأزمة العراقية... هل أزمة بناء مجتمع أم أزمة بناء دولة؟
- الأزمة العراقية مركبة... تجمع بين الأزمات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية والتعليمية، والأخلاقية والحضارية، هي أزمة دولة ومجتمع في آن واحد. وتبرز تجليات هذه الأزمات لا في كل مجال على انفراد فحسب، بل في فعل كل منها، وفي تشابك أفعالها وتداخل عواقبها، أو التأثير المتبادل في ما بينها. هنا يمكن أن أورد مثالاً واحداً على المجال التربوي والتثقيفي: حين نواجه في الساحة السياسية أحزاباً طائفية سياسية تعتمد المذهب كهوية وتمارس التمييز الطائفي السياسي، وحين تمارس هذه الصيغة في توزيع المناصب الوزارية، سنجد تجليات ذلك في داخل كل وزارة وفي العلاقة بين الوزارات، وكذلك بين جميع الوزارات والمراجعين المتتبعين لمعاملاتهم اليومية، وستخلق إشكالية اجتماعية وحكومية في آن واحد، وستنعكس على بقية مجالات الحياة. أو حين تكون المناهج الدراسية في المدارس الابتدائية محملة بفكر طائفي سياسي وقومي شوفيني، سينعكس ذلك بين الطلبة ويتفاقم لينعكس على العائلات وعلى المجتمع بأسره، ثم ينمو في داخل الدولة ويتفتت النسيج الوطني. ويخلق أزمة ثقة في ما بين الناس وبين الناس والحكومة... وهكذا.
أما الأزمة الاقتصادية القائمة في العراق فذات طبيعة بنيوية، وتتجلى في بنية الاقتصاد وتجليات ذلك في البنية الاجتماعية. ويخلق هذا الواقع المتخلف بطالة واسعة وبطالة مقنعة، وتبرز تجلياتها في مشكلات اجتماعية ونفسية وأخلاقية كبيرة.
• هل صحيح أن مواجهة الإرهاب تختزل في اعتقالات عشوائية، أو معارك استخباراتية؟
- المشكلة أنه عندما جاء الحاكم الأميركي بول بريمر إلى العراق قام بحل الأجهزة الاستخباراتية وأصبح العراق عبارة عن فوضى... لا استخبارات ولا أمن، ولكن الآن لدينا أجهزة استخباراتية إنما تنقصها الخبرة، وهناك ترهل كبير في عدد القوات الأمنية التي تمسك بالأرض يقابله نقص حاد في الاستخباراتي الذي هو في حقيقة الأمر شبه مفقود، ما انعكس سلباً على الواقع الأمني وأدى إلى مشكلة كبيرة. وكان من الأجدر بالحكومة العراقية أن تنشط الجانب الاستخباري وتؤسس لمنظومة تكون بمثابة الخط الأمامي لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، لأن النتائج التي ترتبت على إهمال الاستخبارات كانت كارثية ودفع ثمنها الأبرياء من أبناء شعبنا. ونحن كسلطة تشريعية وباعتباري عضوا بلجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي نسعى في كل اتجاه إلى إعداد تقرير مفصل يضمن جملة من القرارات التي تؤكد بناء منظومة استخبارية، تكون فاعلة لتقف بأسرع وقت ممكن بوجه الإرهاب بحزم وقوة وفي الوقت نفسه تحفظ دماء أبناء شعبنا.