وكفى الله المؤمنين شر القتال، فقد عادت قافلة الحرية الكويتية إلى أرض الوطن ولولا لطف الله بعباده لكان الكويتيون في خبر كان، ولكنا فتحنا عهداً جديداً من (اللهم فك قيد أسرانا). عادت القافلة الكويتية واستقبلتها الحكومة بالأحضان وكأنها تريد أن تكفر عن ذنبها لأنها تسببت لها بهذه المحنة، واستقبلها المجلس استقبال الفاتحين وكأنه من أقر مشروع هذه القافلة وأرسلها في هذه المهمة الوطنية، أما المواطنون الأبرياء فقد استقبلوها بالدموع بعد أن فقدوا الأمل في عودة الكويتيين سالمين، ولا يختلف أحد على سمو الهدف الذي قامت من أجله القافلة رغم أنه (تسلل).
ولكن 18 كويتياً في القافلة عدد هائل بالنسبة لعدد سكان الكويت، وهي تشكل أكبر قوة مناضلة على سفن الحرية، وكان الأجدر أن يكون عدد المتطوعين متماشياً مع عدد سكان كل دولة وفي هذه الحالة لن نضطر إلى إرسال كويتي كامل بل سنكتفي بإرسال عينة عن الإنسان الكويتي الفريد، ومن الممكن أن نرسل صورة لنائب كويتي وهو يحمل سلاحاً فيكون مقاتلاً (بالمرة).
وبما أن الهدف من القافلة ومن هذه المقالة إنساني، فقد تذكرت الدكتور عبد الرحمن السميط الذي أمضى حياته بطولها وعرضها مخاطراً بنفسه وبماله، وأحياناً بعائلته، في سبيل مهام إنسانية بحته، فسكن أدغال أفريقيا، وصالح بين قبائل تعتبر القتل شعيره دينية، وتناول الطعام مع شعوب تنظر إلى الإنسان كوجبة همبرغر لحم، وليس بين هذه المهام أي مهمة تلفها الأهداف السياسة، ولم يعلق أحداً صورته لا في دكان حلاق، ولا في قبة عبدالله السالم، ورغم كثرة المهام التي قام بها لم يكن يستقبله في المطار سوى موظف الجوازات الذي يختم جوازه وهو (ناقد عليه)، أما الحكومة فقد نسيت أنه مواطن كويتي، ولكن العمل تحت المظلة السياسية يصبح عملاً من الوزن الثقيل، لذلك كبرت المسأله في راس الحكومة، وعزت على نفس المجلس، وطابت للصحافة، وقطفها (حكاواتية) شارع السياسة.
والضجة التي رافقت الحدث شيء طبيعي ولكن القليل من الهدوء يمكن أن يضع الأمور في نصابها، ولا أحد يشك في إنسانية وأهمية قافلة الحرية ولكن قدرها أنها تأتي ضمن إطار النزاع العربي الإسرائيلي، الذي تحول بقدرة قادر إلى نزاع عربي - عربي، وتطور إلى نزاع فلسطيني - فلسطيني، سوف يصل بحفظ الله ورعايته إلى صراع غزاوي غزاوي. وعودة إلى القافلة التي تركتها في عرض البحر فإن الغريب في الأمر أن من تزعم مهمة هذه القافلة هي تركيا الحليفة الاستراتيجية لإسرائيل والتي ترتبط معها بعلاقات تفوق علاقتها مع شعبها الكردي، بل وتمارس ضغطاً على سورية التي تقف مع غزة! ولصالح إسرائيل التي تحاصر غزه، ويزداد التوهان السياسي العربي إذا عرفنا أن مصر العربية تحاصر غزة، وأن فلسطينيي الضفة في حرب رسمية مع فلسطينيي غزة، فالصورة لا يمكن فهمها، أو الحكم عليها، والمهمة الإنسانية في هذه الظروف لن تستطيع تنظيفها من رجس السياسة، ورغم ذلك فإنه لا أحد يشكك في صدق نوايا مناضلي قافلة الحرية، ولكن الطريق إلى جهنم دائماً وأبداً محفوف بالنوايا الحسنة.
لذلك نقول لذوي قافلة الحرية وللكويتيين عموماً (قرة عيونكم)، وأنصحوا (عيالكم وسايسوا أبائكم) فأبطال الكويت يجب أن لا يخرجوا إلا في الوقت المناسب والزمن المناسب.
فهيد البصيري
Albus.fahad@ hotmail.com