أماكن / شمس الشموس (1 من 2)

u062cu0645u0627u0644 u0627u0644u063au064au0637u0627u0646u064a
جمال الغيطاني
تصغير
تكبير
|جمال الغيطاني|

أحرص على مشاهدة الشروق صيفا أو شتاء... من الضفة الغربية للنهر، من البر الغربي للأقصر، لحظتان لا يمكن أن أنساهما.

الأولى خلال شهر بؤونة - يونيو - خرجت الى الطريق ممسكا بعصا، اتجهت ناحية الشرق، مررت بالتمثالين الأشمين، الغامضين لأمنحتب الثالث، أحاول أن أتخيلهما زمن اكتمال المعبد، قبل أن يلحقه التهدم والدمار، يتجهان صوب مصدر الشمس.

قبل وصولي الى النهر أتوقف لأتطلع الى قرص الشمس، الى لحظة بزوغه، أرى ما يشبه الهلال أولا ثم اتضاحه قبل بدء ابحاره اليومي، أخذني اللون البرتقالي الصريح المائل الى صفرة، ما من غيوم تحجب، ما من تلوث، أتابع حركة تسلقه السماء، انتقاله، أحاول نسيان معارفي كلها، أن أتطلع الى قرص الشمس كما رآه الأقدمون، غير أنني لم أكن بحاجة الى تخيل، الشروق الواضح، السريع، المنبئ بدوران الموجودات وتعاقب الأزمنة كان أقوى من أي معنى، شروق تخفيه الآن المدن الكبرى التي ترتفع بناياتها، الأشعة تصل السماء بالأرض، تصهر الموجودات كلها، انتبهت الى أنني أتوقف ممسكا أنفاسي، كأني أخشى أمرا.

اللحظة الثانية تنتمي الى المنيا، الضفة الغربية للنهر، منذ سنوات أمضيت الليلة في شقة مطلة على النهر، وصلت ليلا فلم أفتح النافذة، في الصباح دفعت المصراعين، أعشاني الضوء، كنت في مواجهة الشروق تماما، الضفة الشرقية للنهر، نخيل كثيف عند سفح تلال صخرية تطلع الشمس من خلفها، لم أر القرص نفسه، انما شملني الضوء الذي ينبعث منه، يصهر جميع الموجودات، يحولها الى عناصر منه، الى ضوء، الصخور، النهر، النخيل.

هل رأى اخناتون مثل هذه اللحظة فأوحت له بعقيدته الجديدة؟

أتوقف في «مقبرة راموزا» أمام اللوحة المحفورة في الجدار ناحية الغرب، قرص الشمس تنبعث منه الأشعة، كل شعاع ينتهي بيد آدمية، اشارة واضحة، جلية، الى مصدر الحياة وأحد أقوى أسبابها، الى توحد الانسان والمخلوقات بالطبيعة.

أتأمل الشمس على واجهة المعابد... القرص بين جناحين ممتدين، أو تحيطه الكوبرا المصرية رمز الحماية، الشمس ذاتها رمز للحماية، القرص الدائري رمز للكون، للوجود المكتمل، القمر متمم لهذا الوجود، الثنائية أصل الوجود، شمس، قمر، ذكر، أنثى، مياه، يابسة، كذلك الدولة المصرية تتكون من قطرين، جنوبي وشمالي، والتاج الملكي يعبر عن هذه الثنائية والوحدة.. الشمس متصلة بحياة البشر، لذلك صورت أشعتها متصلة، كلاهما واحد، ألم تثبت أبحاث العلم الحديث أن أجسادنا تلك من غبار النجوم، كلاهما من نفس المادة.

في الكتابة... تصور الشمس في الهيروغليفية دائرة تتوسطها نقطة، انها العنصر الحاضر في حياة البشر، أما النجم فيبدو من خلال الكتابة ضياء بعيدا، متعلقا بالأبدية، بالموتى الذين امتزجوا به بعد اجتيازهم الرحلة والمحاكمة وحصولهم على البراءة.

لكَم توقفت أمام مدرسة ومسجد السلطان حسن «القرن الثالث عشر الميلادى»، لكم تأملت المدخل الشاهق المنمنم الذي يشبه المداخل الجلية للمعابد المصرية مثل: الكرنك، مدينة هابو، غير أنني ذهلت عندما اكتشفت أن المدخل ينتهي أعلاه برمز للشمس واضح جلي، ثمة صنية، أي تجويف، يعلوه قرص، اشارة واضحة الى قرص الشمس، تنحدر منه خطوط تتبع انحناء التجويف، القرص والأشعة، غير أن الأشعة لا تنتهي بأيدٍ بشرية، هذا طبيعي بالنسبة للعقيدة الاسلامية، لكن استمرارية الرمز موجودة، استمرارية الاشارة.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي